يعتمد دعاة الفرقة الرافضية في طعنهم في فقه أهل السنة والجماعة على منهجٍ معروفٍ بالتدليس والانتقائية، حيث تُنتزع النصوص من سياقها، وتُحرّف ألفاظ الروايات، ويُستشهد بالمصادر السنية استشهادًا مبتورًا لخدمة مذهبٍ مسبقٍ، لا للبحث عن الحق. ومن أبرز الأمثلة على هذا المسلك ما صنعه جعفر السبحاني في مسألة المسح في الوضوء، حين حاول الاستدلال برواية منسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما لإثبات المسح على القدمين، زاعمًا أن ذلك كان بعد نزول سورة المائدة.

وقد أوهم السبحاني القارئ أن الرواية صريحة في المسح على القدمين، مع أن الرجوع إلى مصدرها الأصلي في المعجم الأوسط للطبراني يبيّن بجلاء أن الحديث إنما ورد في المسح على الخفين لا القدمين، وأن ما فعله السبحاني لا يعدو كونه تحريفًا للفظ، وبترًا للسياق، وإغفالًا متعمدًا لبقية الآثار التي أوردها السيوطي نفسه في الدر المنثور، وكلها تدل على أن السنة العملية المستقرة عند الصحابة والتابعين هي غسل القدمين.

وفي هذا المقال نكشف هذا التدليس بالأدلة النقلية الموثقة، ونُبرز الفرق بين البحث العلمي الأمين، وبين منهج «حاطب الليل» الذي يجمع النصوص دون تحقيق ولا أمانة، لنصرة مذهبٍ باطلٍ خالف به أصحابه القرآن والسنة وإجماع الصحابة.

الشبهة:

لقد استشهد جعفر السبحاني من نص في الدر المنثور على المسح، حيث قال: " فقد أخرج الطبراني في الاَوسط، عن ابن عباس إنه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر وسعد وعبد اللّه بن عمر، فقال عمر: سعد أفقه منك. فقال عمر: يا سعد إنّا لا ننكر أن رسول اللّه مسح (أي على القدمين) ولكن هل مسح منذ أُنزلت سورة المائدة فإنّها أحكمت كل شيء وكانت آخر سورة نزلت من القرآن إلا براءة [1].

فيظهر من هذا الخبر أن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان يمسح على القدمين باعتراف عمر، ويظهر أيضًا أن سورة المائدة آخر السور نزولاً، وانّها محكمة لم تنسخ آياتها، وقد ذكرنا بأنّ الآية على قراءة الجر والنصب تدل على لزوم المسح للرجلين كالرأس.

ان هذا الأثر الوارد عن ابن عباس يتعلق بالمسح على الخفين، وقد جاء هذا الأثر عند الطبراني في الاوسط بلفظ الخفين.

 قال الإمام الطبراني:

" 2931 - وَبِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إنه قَالَ: «ذَكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ عِنْدَ عُمَرَ سَعْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: سَعْدٌ أَفْقَهُ مِنْكَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَا سَعْدُ، إِنَّا لَا نُنْكِرُ أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَسَحَ، وَلَكِنْ هَلْ مَسَحَ مُنْذُ أُنْزِلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ؟ قَالَ: فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أحد، فَإِنَّهَا أَحْكَمَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَكَانَتْ آخِرَ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ إلا بَرَاءَةَ»

لَمْ يَرْوِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَنْ مُعْتَمِرٍ إلا عُبَيْدٌ "

المعجم الاوسط – سليمان بن أحمد الطبراني – ج 3 ص 205

وقال الإمام الهيثمي:

" 1364 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إنه قَالَ: «ذَكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ عِنْدَ عُمَرَ سَعْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: سَعْدٌ أَفْقَهُ مِنْكَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَا سَعْدُ، إِنَّا لَا نُنْكِرُ أن رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ، وَلَكِنْ هَلْ مَسَحَ مُنْذُ نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ، فَإِنَّهَا أَحْكَمَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَكَانَتْ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، إلا تَرَاهُ قَالَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أحد»؟ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ - وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ طَرَفًا مِنْهُ - وَفِيهِ عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ التَّمَّارُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَقَالَ: يُغْرِبُ "

مجمع الزوائد – باب المسح علىى الخفين – ج 1 ص 256

فهذا الأثر لفظه المسح على الخفين وليس القدمين، فكان الاولى على جعفر السبحاني أن يرجع إلى مصدر الرواية في المعجم الاوسط ويتأكد من سندها، ولفظها ثم يستشهد علينا بها.

والغريب أن جعفر السبحاني قد اختار هذا النص من الدر المنثور، وترك باقي الاثار، مع العلم أن الأثر الذي قبله يتعلق بالمسح على الخف، فهل يليق هذا بالبحث العلمي؟ !!!.

 قال الإمام السيوطي:

" وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير عَن الشّعبِيّ قَالَ: نزل جِبْرِيل بِالْمَسْحِ على الْقَدَمَيْنِ إلا ترى أن التَّيَمُّم أن يمسح ما كان غسلا ويلقى ما كان مسحاً

وَأخرج عبد بن حميد عَن الْأَعْمَش والنحاس عَن الشّعبِيّ قَالَ: نزل الْقُرْآن بِالْمَسْحِ وَجَرت السُّنة بِالْغسْلِ

وَأخرج عبد بن حميد عَن الْأَعْمَش قَالَ: كَانُوا يقرؤونها {برؤوسكم وأرجلكم} بالخفض وَكَانُوا يغسلون

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ: اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على غسل الْقَدَمَيْنِ

وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الحكم قَالَ: مَضَت السّنة من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمُسْلِمين بِغسْل الْقَدَمَيْنِ

وَأخرج ابْن جرير عَن عَطاء قَالَ: لم أرَ أحدا يمسح الْقَدَمَيْنِ

وَأخرج ابْن جرير عَن أنس قَالَ: نزل الْقُرْآن بِالْمَسْحِ وَالسّنة بِالْغسْلِ

وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن الْبَراء بن عَازِب أن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يزل يمسح على الْخُفَّيْنِ قبل نزُول الْمَائِدَة وَبعدهَا حَتَّى قَبضه الله عزوجل

وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن إنه قَالَ:

ذكر الْمسْح على الْقَدَمَيْنِ عِنْد عمر وَسعد وَعبد الله بن عمر فَقَالَ: عمر: سعد أفقه مِنْك

فَقَالَ عمر يا سعد انا لا ننكر أن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مسح وَلَكِن هَل مسح مُنْذُ أنزلت سُورَة الْمَائِدَة فَإِنَّهَا أحكمت كل شَيْء وَكَانَت آخر سُورَة نزلت من الْقُرْآن إلا بَرَاءَة قَالَ: فَلم يتَكَلَّم أحد "

الدر المنثور – جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي – ج 3 ص 29

لقد تبين لنا أن جعفر السبحاني يأخذ من النصوص ما يوافق هواه، ويترك ما يخالف هواه، ولا يتأكد من الروايات والفاظها، وتصحيحها، وانما هو حاطب ليل لا هم إلا الجمع من هنا وهناك لينصر رأيه.

 

 

 

[1] الدر المنثور: 3|29 " الوضوء على ضوء الكتاب والسنة – جعفر السبحاني – ص 15