يتناول هذا المقال قول الإمام مالك بن أنس رحمه الله في مسألة المسح على الخفين، وهو أحد القضايا الفقهية الدقيقة التي أثار حولها بعض الجماعات شبهات لا أساس لها. وقد حرص الإمام مالك في موطئه على نقل الأثر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما روي عن الصحابة، مؤكدًا شرعية المسح على الخفين في الوضوء، سواء في السفر أو الإقامة.

ورغم وضوح هذا الأصل في المذهب المالكي، إلا أن بعض الفرق كالرافضة وغيرهم، يحاولون الاستشهاد بروايات ضعيفة أو موضوعة لتشويه الفقه المالكي وتقديم بدائل مخالفة للسنة، مستغلين جهل العامة في علوم الحديث.

ويكشف المقال كيف نقل الإمام مالك أثر المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم بشكل مباشر وصحيح، مع إبراز ما أشار إليه كبار علماء المالكية، مثل ابن عبد البر وابو الوليد الباجي، في الإباحة على الخفين وتأكيد ثبوت المسح على الخفين كجزء من سنة الطهارة، مع التوضيح بأن الروايات الأخرى التي تنكر المسح أو تقلله ضعيفة أو غير صحيحة ولا يمكن الاستدلال بها.

في موطأ الإمام مالك:

 " 99/ 36 - مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ، وهُوَ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ، الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمِاءٍ،

فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ. ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيِ الْجُبَّةِ. فَأخرجهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ. فَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤْمُّهُمْ، وَقَدْ صَلَّى لَهُمْ رَكْعَةً، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرَّكَعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ، فَفَزِعَ النَّاسُ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَتَهُ، قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ» "

موطأ الإمام مالك - مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ – ج 2 ص 47

وفيه: " 103 - قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلاَةِ، ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ بَالَ، ثُمَّ نَزَعَهُمَا، ثُمَّ رَدَّهُمَا فِي رِجْلَيْهِ. أَيَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ؟

قَالَ: لِيَنْزِعْ خُفَّيْهِ، ثُمَّ لِيَتَوَضَّأْ، وَلْيَغْسِلْ رِجْلَيْهِ. وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ، فَلاَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ.. فَأَمَّا مَنَ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَتَيْنِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ، فَلاَ يَمْسَحْ عَلَى الْخُفَّيْنِ.

104 - قَالَ يَحْيَى، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ خُفَّاهُ، فَسَهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، حَتَّى جَفَّ وَضُوءُهُ وَصَلَّى.

قَالَ: لِيَمْسَحْ عَلَى خُفَّيْهِ، وَلْيُعِدِ الصَّلاَةَ، وَلاَ يُعِدِ الْوُضُوءَ "

موطأ الإمام مالك - مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ – ج 2 ص 50 - 51

فالإمام مالك نقل مسح الخفين عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وكذلك نقل اثار الصحابة في المسح على الخفين ولم انقلها حتى لا اطيل، ثم افتى بالمسكح على الخفين كما نقلنا عنه في الموطأ، وقد صرح علماء السادة المالكية رحمهم الله بأن مذهب الإمام مالك هو المسح على الخفين،

قال الإمام ابن عبد البر:

" وَالْقَائِلُونَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ هُمُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْغَلَطُ وَلَا التَّشَاغُرُ وَلَا التَّوَاطُؤُ وَهُمْ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهُمْ فُقَهَاءُ الْمُسْلِمِينَ

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إِنْكَارُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَهِيَ رِوَايَةٌ أَنْكَرَهَا أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِقَوْلِهِ وَالرِّوَايَاتُ عَنْهُ بِإِجَازَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ وَعَلَى ذَلِكَ بَنَى مَوَطَّأَهُ وَهُوَ مَذْهَبُهُ عِنْدَ كُلِّ مَنْ سَلَكَ الْيَوْمَ سَبِيلَهُ لَا يُنْكِرُهُ مِنْهُمْ أحد وَالْحَمْدُ لِلَّهِ "

الاستذكار – أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر – ج 1 ص 216

(فَصْلٌ):

 وَقَوْلُهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ الْجُبَّةِ يُرِيدُ إنه لَمْ يَسْتَطِعْ أن يُخْرِجَهُمَا إلى الْمِرْفَقَيْنِ وَأَمَّا الْكَفَّانِ فَإِنَّهُمَا كانا خَارِجَيْنِ وَبِهِمَا غَسَلَ وَجْهَهُ وَأخرجهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ لِإنه كان عَلَيْهِ إزَارٌ يَسْتُرُهُ

وَقَوْلُهُ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَدَلٌ وَهُوَ مِمَّا تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْجُمْلَةِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَا ظَاهِرُهُ الْمَنْعُ مِنْهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إيثَارُ الْغَسْلِ عَلَيْهِ وَحَسْبُك بِمَا أَدْخَلَ فِي مُوَطَّئِهِ وَهُوَ أَصَحُّ مَا نُقِلَ عَنْهُ.

وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أبو بَكْرٍ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ إنه رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ وَلَا الْمُقِيمُ فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَوَجْهُهَا أن الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ قَالَ الْقَاضِي أبو الْوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهَذَا عِنْدِي يَبْعُدُ لِأَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنْهُ إنه قَالَ لَا أَمْسَحُ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ وَكانه كَرِهَهُ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ إنه قَالَ آخَرُ مَا فَارَقْته عَلَى الْمَسْحِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَكانه وَهُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُتَأَخِّرٌ وَأَصْحَابُهُ مُطَّرِفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إنه مَنَعَهُ أَوَّلًا عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ لَمَّا لَمْ يَرَ أهل الْمَدِينَةِ يَمْسَحُونَ ثُمَّ رَأَى الْآثَارَ فَأَبَاحَ الْمَسْحَ عَلَى الْإِطْلَاقِ.

(مَسْأَلَةٌ):

وَهَذَا فِي السَّفَرِ فَأَمَّا الْمَسْحُ فِي الْحَضَرِ فَعَنْ مَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ:

أحداهُمَا: الْمَنْعُ.

وَالثَّانِيَةُ: الْإِبَاحَةُ.

وَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ

وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» "

المنتقى شرح الموطأ - أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الاندلسي - ج 1 ص 77