يتناول هذا المقال قول الإمام الشعبي رحمه الله فيما يخص المسح على الخفين وغسل الرجلين، وهو موضوع فقه دقيق شُغِل به بعض الباحثين والمُضللين على حد سواء. فقد أورد الحافظ ابن كثير أن الشعبي ذكر أن جبريل نزل بالمسح، مؤكّدًا أن السنة في بعض الأحوال تأمر بالغسل الكامل للرجلين، بينما يمكن أن يكون المسح نوعًا من الغسل الخفيف، وهو ما يوضحه العلماء في تفسير أحاديث الطهارة.
ويأتي هذا المقال في سياق كشف بعض البدع والروايات الضعيفة التي يُستدل بها ضد السنة، والتي تنسب أحيانًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة بشكل خاطئ. كما يسلط الضوء على الفرق بين المسح والغسل وفق نصوص أهل العلم، مستندًا إلى المصادر الصحيحة مثل تفسير ابن كثير وكتب الناسخ والمنسوخ، مع بيان أن مذهب الشعبي لم ينكر السنة الصحيحة في غسل الرجلين، بل أوضح الحكمة وراء المسح في ظروف محددة، مؤكدًا ثبات السنة في الطهارة.
شبهة قول الإمام الشعبي نزل جبريل بالمسح:
قال الحافظ ابن كثير:
"وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أبو السَّائِبِ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أبي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْمَسْحِ، ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: إلا تَرَى أن التَّيَمُّمَ أن يَمْسَحَ مَا كان غَسْلًا وَيُلْغِيَ مَا كان مَسْحًا. وَحَدَّثَنَا ابن أبي زياد، أَخْبَرْنَا إِسْمَاعِيلُ قُلْتُ لِعَأمر: أن نَاسًا يَقُولُونَ: أن جِبْرِيلَ نَزَلَ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ؟ فَقَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْمَسْحِ، فَهَذِهِ آثَارٌ غَرِيبَةٌ جِدًّا، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أن الْمُرَادَ بِالْمَسْحِ هُوَ الْغَسْلُ الْخَفِيفُ لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فِي وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ "
تفسير ابن كثير – أبو الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير – ج 3 ص 53
لقد حمل الحافظ ابن كثير روايات الإمام الشعبي وغيره في المسح على الرجلين على الغسل الخفيف ، وقد ورد عن الإمام الشعبي القول بغسل الرجل عند الإمام النحاس ، حيث قال: " فَمِمَّنْ قَالَ أن مَسْحَ الرِّجْلَيْنِ مَنْسُوخٌ الشَّعْبِيُّ كَمَا حَدَّثَنَا أحمد بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُرقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالْمَسْحِ وَالسُّنَّةُ بِالْغَسْلِ» "
الناسخ والمنسوخ – أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس – ص 375