روايات المسح على القدمين
يحاول أتباع الفرق الضالة كالرافضة اختلاق أحاديث أو تحريف معاني بعض الروايات لإثارة الشبهات حول أحكام الدين، ومن أبرز هذه الشبهات روايات المسح على القدمين. يدّعون أن المسح الذي يشمل جميع القدم إلى الكعبين يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين مباشرة، وأن هذا يتعارض مع المسح على الخفين أو النعلين.
وقد بين العلماء والفقهاء أن جميع هذه الروايات محمولة على المسح على الخف، الجورب، أو النعل، وأن ما ورد في بعض الألفاظ من "مسح القدم" يُفهم على ضوء السياق الشرعي الصحيح. وهذا هو ما يؤكده التواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما نقل الإمام الترمذي وشيخ الإسلام ابن تيمية، حيث ثبت المسح على الخفين والنعلين وجعل المسح المباشر على القدمين في غير الحاجة مخالفًا للسنة، وهو ما يرد على شبهات الرافضة ويدحضها.
روايات المسح على القدمين محمولة على المسح على الخف، أو الجورب، أو النعل:
فالمسح الذي يشمل جميع الرجل إلى الكعبين، وهو أمرار الماء على جميع الرجل إلى الكعبين، فهذا لا يقول به الرافضة، ونقول أن هذا هو الغسل الخفيف، وذلك لأن الغسل، والمسح في اللغة يشترك أحدهما مع الآخر، كما بينا من كلام أهل اللغة، وأما ما ورد من مسح ظاهر القدم، أو إذا قال المخالف لنا أن المسح على القدم بإطلاق يفيد المسح على ظاهر القدم، فنقول للمخالف نسلم لك بما تقول، ولكنه محمول على المسح على الخف، أو الجورب، أو النعل.
قال الإمام الترمذي:
" حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ هُوَ ابْنُ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيُّ وَمُعَيْقِيبٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَشُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَيَزِيدَ بْنِ أبي سُفْيَانَ قَالَ أبو عِيسَى حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنه قَالَ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنْ النَّارِ قَالَ وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ إنه لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ إذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا خُفَّانِ أو جَوْرَبَانِ "
سنن الترمذي - بَاب مَا جَاءَ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ – ج 1 ص 71
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
" غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ فِي الْوُضُوءِ مَنْقُولٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا مَنْقُولٌ عَمَلُهُ بِذَلِكَ وَأمرهُ بِهِ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ كَحَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ: ﴿وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ﴾ وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: ﴿وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنْ النَّارِ﴾. فَمَنْ تَوَضَّأَ كَمَا تَتَوَضَّأُ الْمُبْتَدِعَةُ - فَلَمْ يَغْسِلْ بَاطِنَ قَدَمَيْهِ وَلَا عَقِبَهُ بَلْ مَسَحَ ظَهْرَهُمَا - فَالْوَيْلُ لِعَقِبِهِ وَبَاطِنِ قَدَمَيْهِ مِنْ النَّارِ. وَتَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ مِثْلَ أن يَكُونَ فِي قَدَمَيْهِ نَعْلَانِ يَشُقُّ نَزْعُهُمَا. وأما مَسْحُ الْقَدَمَيْنِ مَعَ ظُهُورِهِمَا جَمِيعًا فَلَمْ يَنْقُلْهُ أحد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ "
مجموع الفتاوى – أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 21 ص 128
فهذا كلام أهل العلم قد نقلته، وهو متين، ومبني على ادلة قوية، فالتواتر متحقق في غسل الرجلين، وقد انعقد الاجماع عليه، وكذلك راينا من عرض الادلة أن هناك نصوص تبين أن المسح للقدم المراد به هو المسح على الخف، وكذلك النعل، فيبقى ما تواتر هو الاصل، وما جاء من لفظ آخر فنحمله على الوجوه التي ذكرناها، فمنهجنا هو الاستدلال الصحيح اولا ثم الاعتقاد ثانيا.