الخُمُس في غنيمة الحرب عند الشيعة: اضطراب الروايات وتناقض التأويلات في خمس الغنيمة

يُعدّ موضوع الخُمُس في غنيمة الحرب مع الكفار من أكثر المسائل التي تكشف بوضوح منهج الشيعة في التعامل مع النصوص الشرعية، حيث يظهر فيه الاضطراب الشديد في الروايات، والتناقض الصريح في التأويلات، ومحاولات الجمع المتكلفة بين نصوص لا تستقيم لا لغةً ولا شرعًا. فعلى الرغم من وجود روايات صريحة في مصادرهم تحصر الخمس في غنائم الحرب فقط، إلا أن علماءهم لم يلتزموا بمقتضاها، بل لجؤوا إلى التأويل، والتخصيص، والحصر الإضافي، بل وادّعاء التقية، كل ذلك من أجل تثبيت مذهبٍ مسبق يقوم على توسيع موارد الخمس.

إن المتأمل في هذا الباب يدرك أن الشيعة لم يبنوا قولهم على نصوص محكمة، وإنما على أحاديث موضوعة أو مضطربة، نُسبت زورًا إلى أئمتهم لتحقيق غاية مالية وتشريعية، ثم أُجبر علماؤهم لاحقًا على ترقيع التناقضات الواقعة بينها. وهذا المنهج يختلف جذريًا عن منهج الإسلام الصحيح الذي يلتزم بظاهر القرآن، وصحيح السنة، وفهم السلف الصالح دون تحريف أو تلاعب.

ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، الذي يتناول خمس الغنيمة عند الشيعة، ويعرض نصوصهم، ثم يكشف اضطرابهم في فهمها وتأويلها، ويُبرز بوضوح أن ما يرفعونه من دعاوى في هذا الباب لا يقوم على أصل ثابت، بل هو نتاج فرقة ضالة خالفت جماعة المسلمين في أصول الاستدلال والدين.

يُعَدّ باب الخُمُس عند الشيعة من أخطر الأبواب التي كُرِّس فيها تحريف النصوص الشرعية، حيث تحوّل الخمس من حكمٍ شرعيٍّ محدود الورود في الكتاب والسنة إلى تشريع مالي عام يُفرض على أرباح الناس ومكاسبهم السنوية، اعتمادًا على روايات منسوبة إلى أئمتهم لا تثبت ميزان الحديث، ولا تعرفها مصادر الإسلام المعتمدة عند أهل السنة والجماعة.

وقد بنى علماء الشيعة القول بوجوب الخمس وتوسيع موارده على أحاديث باطلة أو متهافتة، جعلوا فيها آل البيت بمنزلة “اليتيم” الذي تُحرم أمواله على الناس، وصرّحوا بأن ما كان لله ولرسوله فهو لهم، وهي دعاوى تصادم صريح القرآن، وصحيح السنة، وإجماع الصحابة، وتكشف عن منهج وضعيٍّ لا يستند إلى أصول الاستدلال المعتبرة في الإسلام.

إن المنهج السني يقرر أن الخمس لم يثبت إلا في مغانم الحرب والركاز بنصوص صحيحة، ولم يُعرف عن النبي ﷺ ولا عن الخلفاء الراشدين ولا عن الصحابة فرض الخمس على أرباح التجارات أو الفوائد السنوية. أما ما استدل به الشيعة من روايات، فهي أخبار آحاد من طرقهم، مشتملة على دعاوى خطيرة، لا تقوى على معارضة النصوص القطعية.

ومن هنا تأتي هذه الدراسة لعرض أقوال علماء الشيعة في الخمس ومشروعيته وموارده، ثم مناقشتها مناقشة علمية نقدية، وبيان مخالفتها للإسلام الصحيح الذي جاء به محمد ﷺ.

أقوال علماء الشيعة في الخُمُس ومشروعيته وذكر موارده:

أولاً: وجوب الخمس:

قالوا: (إن الخمس حق شرعي في أموال المكلف بمقدار عشرين في المائة، يجب دفعه سنوياً وفق تفصيلات معينة)[1].

واستدلوا على وجوبه بآية الخمس وروايات من طرقهم منها:

عن أبي بصير قال: «قلت لأبي جعفر عليه السلام: أصلحك الله! ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال: من أكل من مال اليتيم درهماً ونحن اليتيم»[2].

وعن الصادق عليه السلام: «إن الله لا إله إلا هو لما حرم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال»[3].

وعن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال: «إني لآخذ من أحدكم الدرهم، وإني لمن أكثر أهل المدينة مالاً ما أريد بذلك إلا أن تطهروا»[4].

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: «لا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا حقنا»[5].

وعن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: «من اشترى شيئا من الخمس لم يعذره الله، اشترى ما لا يحل له»[6].

وعن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: «قرأت عليه آية الخمس فقال: ما كان لله فهو لرسوله، وما كان لرسوله فهو لنا. ثم قال: والله لقد يسَّر الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا لربهم واحداً وأكلوا أربعة أحلاء. ثم قال: هذا من حديثنا صعب مستصعب، لا يعمل به ولا يصبر عليه إلا ممتحن قلبه للإيمان»[7].

ثانياً: ما يجب فيه الخمس:

قالوا: إن الخمس يتعلق بسبعة أنواع من المال وهي:

Ø  الأول: غنيمة الحرب مع الكفار.

Ø  الثاني: المعدن.

Ø  الثالث: الكنز.

Ø  الرابع: الغوص.

Ø  الخامس: المال المختلط بالحرام.

Ø  السادس: الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم.

Ø  السابع: أرباح التجارة والمعاملات والصنائع والزراعات. بل جميع الفوائد العائدة للإنسان، وإن لم يكن من أرباح التجارة.

 

 

 

[1] المصطلحات، إعداد مركز المعجم الفقهي (1046)، معجم ألفاظ الفقه الجعفري، للدكتور أحمد فتح الله (180).

[2] تفسير العياشي، للعياشي (1/225)، من لا يحضره الفقيه، للصدوق (2/41)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (9/536)،بحار الأنوار، للمجلسي (72/10) (93/187، 191)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/525، 578)، تفسير نور الثقلين، للحويزي (1/449).

[3] الخصال، للصدوق (291)، من لا يحضره الفقيه، للصدوق (2/41)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/337)، بحار الأنوار، للمجلسي (93/199)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/524، 578)، تفسير العياشي، للعياشي (2/64).

[4] مجمع الفائدة، للأردبيلي (4/291)، جواهر الكلام، للجواهري (16/3)، الكافي، للكليني (1/538)، علل الشرائع، للصدوق (2/378)، شرح أصول الكافي، للمازندراني (7/388)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/337)، بحار الأنوار، للمجلسي (93/186)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/255، 528، 588).

[5] الكافي، للكليني (1/545)، الحدائق الناضرة، للبحراني (12/428)، رياض المسائل، للطباطبائي (5/269)، غنائم الأيام، للميرزا القمي (4/387)، كتاب الخمس، للأنصاري (181، 280)، مستمسك العروة، لمحسن الحكيم (9/442، 556) (ش)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/337).

[6] الرسائل التسع، للحلي (313)، مجمع الفائدة، للأردبيلي (4/291)، الحدائق الناضرة، للبحراني (12/428)، رياض المسائل، لعلي الطباطبائي (5/269)، مستند الشيعة، للنراقي (10/116)، كتاب الخمس، الأول، للخوئي (344)(ش)، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (3/76) (4/137)، تهذيب الأحكام، للطوسي (4/136) (7/133)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/338) و(17/369).

[7] بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار (49)، الحدائق الناضرة، للبحراني (12/424)، كتاب الخمس، للأنصاري (76)، كتاب الطهارة، للأنصاري (2/532)، مصباح الفقيه، لآقا رضا الهمداني (3/128)،بحار الأنوار، للمجلسي (93/191)، منهاج الصالحين، لمحمد سعيد الحكيم (1/399)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/338).