لم يكن الخلاف بين أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية خلافًا سياسيًا عابرًا، كما يُروَّج له أحيانًا، بل هو خلافٌ عميق الجذور يمسّ أصول الاعتقاد ومنهج الاستدلال ومصادر التلقي، وفي مقدمتها مسألة وضع الأحاديث ونسبتها إلى النبي ﷺ وآل البيت رضي الله عنهم بغير حق.

فقد كشفت كتب الإمامية المعتمدة، وتصريحات كبار علمائهم قديمًا وحديثًا، عن وجود إشكالية خطيرة في المنهج الحديثي، تقوم على تسويغ الروايات الضعيفة والموضوعة إذا وافقت المذهب، وردّ الصحيح إذا خالف الأصول العقدية المقرّرة لديهم، وهو ما يخالف المنهج الإسلامي الذي أرساه النبي ﷺ وأجمع عليه السلف الصالح.

ومع تطور الفكر الشيعي، ولا سيما بعد غيبة الإمام المزعوم، برزت نظريات فقهية وسياسية – كولاية الفقيه – قامت على تأويل النصوص وتوسيع مفهوم النيابة عن المعصوم دون دليل قطعي، الأمر الذي أدى إلى انقسامات حادة داخل المذهب نفسه، واعتراض كبار مراجعهم، ما يكشف أن الإشكال بنيوي وليس طارئًا.

يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على حقيقة الوضع الحديثي عند الشيعة الإمامية، وبيان تناقضاتهم الداخلية، واستعراض مواقف علمائهم المعارضين، مع قراءة نقدية منهجية وفق ميزان الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.

لا شك أن ردود الفعل تجاه التطبيق العملي لأي نظرية تخلتف عن الردود في مرحلة التنظير، فعندما ظهرت بوادر هذه النظرية في صورتها الأولى في القرون المتقدمة رأينا كيف تصدى لها الفريق الآخر كما مر في مثال الجنيد المتوفى سنة 378 للهجرة والذي ألف كتابه "تهذيب الشيعة" وأخذ فيه بالقياس والاجتهاد واستنبط الفروع على قرارا علماء أهل السنة. فأثار سخط أضرابه الذين تصدوا لمنهجه بمصنفات، كما فعل المفيد في كتابه "النقض على ابن الجنيد". والمرتضى في "الانتصار" وفي "الشافي في الإمامة".

 وفي المحطات اللاحقة لهذه السجالات نرى أن تجربة المحقق الكركي مع الشاة طهماسب ومن جاء بعدهما من سلاطين وفقهاء والذي يرى البعض أنها أهم محطة عملية نشأت بين الفقيه والسطان، حيث طلب الشاه طهماسب من الكركي أن يشاركه في الحكم باسم الإمام الغائب. جوبهت بنقد من التيار الإخباري التقليدي كالذي حصل بين الكركي وإبراهيم القطيفي (ت 950 هـ) والذي تمثلت في بعض وجوة الخلاف بين المدرستين كصلاة الجمعة وقال فيها الكركي بالوجوب التخييري بينما منعها القطيفي ومسألة جواز قبول الهدية من السلطان والتي أثارها القطيفي برفضه هدية أرسلها إليه الشاه طهماسب واستنكر ذلك الكركي وحصل بينهما مساجلة جعلت الفقهاء في مراحل لاحقة يعطون هذه المسألة أهمية خاصة في أبحاثهم الفقهية[1].

وكان القطيفي ينطلق في سجالاته من خلفية نافية لأي ولاية في غياب المعصوم ومحرمة لإقامة أي سلطان غير سلطان الإمام في عصر الغيبة. بينما كان المحقق الكركي يرتكز في مساجلاته وفي فتاواه إلى خلفية تقول بأن الفقيه المأمون الجامع للشرائط منصوب من الإمام المهدي، وبالتالي فهو الذي يعطي للحاكم شرعية حكمه.

 ولعل هذا ما شجع طهماسب للاستعانة به ونصبه إماما دينياً فكانت إمامته تطوراً كبيراً في التفكير السياسي الشيعي على يد المحقق الكركي، أثبته وجسده قولاً وعملاً رغم أنها افتقرت إلى نظرية كلية وواضحة اللهم إلا ما كان في رسالة طهماسب وما في بعض اجتهادات الكركي الجزئية التي أجاز نيابة الفقيه فيها مع أنه توقف في النيابة في أمور أخرى كالزكاة والجهاد مثلا مما يشير إلى تردد الكركي أو إلى عدم وصوله إلى نظرية حاسمة في الحكم.

 كذلك بحث الشيخ مرتضى الأنصاري نظرية أستاذه النراقي وانتقدها بشدة في كتابه "المكاسب" وقال عن الروايات المستدل بها على ولاية الفقيه على فرض صحتها: "لكن الإنصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها أو ذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالنبي والأئمة صلوات الله عليهم في كونهم أولى بالناس في أموالهم، فلو طلب الفقيه الزكاة والخمس من المكلف فلا دليل على وجوب الدفع إليه شرعاً".

 وانتهى إلى القول "فإقامه الدليل على وجوب إطاعة الفقيه كالإمام إلا ما خرج بالدليل دون خرط القتاد". ولكنه رغم ذلك أجاز النيابة الجزئية للفقهاء أي المرجعية الدينية التي يمكن الرجوع إليها في الأمور التي لم تحمل على شخص معين.

وبعد الأنصاري توقف البحث الخاص في ولاية الفقيه كنظرية معتبرة بالمعنى الذي أطلقه النراقي إلى أن جاء الإمام الخميني وأعاد إحياءها.

 لم يكن جميع فقهاء الشيعة مؤيدين لنظرية ولاية الفقيه المطلقة، فالغالبية العظمى منهم عارضوا الإمام الخميني في هذه النظرية في حياته ولحد الآن، ومنهم نائبه أيام الثورة الإسلامية، آية الله حسين علي منتظري الذي كان من المقرر أن يخلف الخميني ليكون مرشد الثورة الإسلامية في إيران بعد وفاته. وكان منتظري مؤيداً لولاية الفقيه الجزئية أي التي تعني في المسائل الدينية فقط، وليس في المسائل الدنيوية والمطلقة، إذ كان يدعو إلى فصل الدين عن السياسة، مما حدا بالخميني إلى عزله في السنة الأخيرة من حكمه، وفرض عليه إقامة إجبارية في منزله، وتم تعيين السيد علي خامينئي خليفة للخميني، رغم أن خامينئي لم يكن قد بلغ درجة الاجتهاد (آية الله) عند وفاة الخميني عام 1989.

 وآية الله شريعت مداري إلى حد أن اتهمه الخميني بالردة عن الإسلام!!

وقال عنه موسى الموسوي:

 عندما أصر الإمام الشريعت مداري على موقفه المعارض أرسل الخميني عشرة الآلاف شخص من جلاوزته يحملون العصي والهراوات إلى دار الإمام يردون قتله وقتل أتباعه وهم ينادون بصوت واحد ويشيرون إلى دار الإمام (وكر التجسس هذا لابد من حرقه) ودافع حرس الإمام لشريعت مداري دفاع الأبطال عن دار الإمام واستشهد رجلين من أتباعه في ذلك الهجوم البربري الذي شنه إمام قائم على إمام قاعد. وهكذا أعطى الإمام الخميني درساً بليغاً للائمة الآخرين الذين أردوا الوقوف ضد ولايته ليعملوا أن مصير الإمام الشريعت مداري سيكون مصيرهم إذا ما أردوا الوقوف ضد رغبته[2].

 وكذلك حسن الطباطبائي القمي في خرسان الذي لم يكن نصيبه من المحن والبلاء اقل من نظيره الإمام الشريعت مداري في قم عندما عارض ولاية الفقية معارضة الأبطال. لقد تقبل الإمام القمي ما لاقاه من الاضطهاد من زميله القديم في السجن والجهاد الإمام الخميني صابراً محتسباً في سبيله[3].

 وآية الله العظمى مرعشي النجفي وغيرهم.

 ومن الذين عارضوا نظرية ولاية الفقيه الخمينية جميع فقهاء الشيعة في النجف الأشرف، ومنهم من توفاهم الله مثل: محسن الحكيم ونجله محمد باقر الحكيم الذي اغتيل عام 2003 بعد عودته من منفاه في إيران، وأبو القاسم الخوئي، والشيرازي ومحمد صادق الصدر. والأحياء منهم مثل: علي السيستاني، ومحمد سعيد الحكيم، وإسحاق فياض، وبشير النجفي. وفي لبنان محمد حسين فضل الله، فقد أيد الخميني في البداية في ولاية الفقيه، ولكنه تراجع فيما بعد وقال "بتعدد ولايات الأمر" أو "تعدّد القيادة الإسلامية في عصر الغيبة"، ولذلك حورب من قبل حزب الله في لبنان الذي يؤمن بولاية الفقيه.

 ومحمد جواد مغنية حيث استنكر على الخميني ولاية الفقيه وقال:

قول المعصوم وأمره تماماً كالتنزيل من الله العزيز العليم) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم 3]. ومعنى هذا أن للمعصوم حق الطاعة والولاية على الراشد والقاصر والعالم والجاهل، وأن السلطة الروحية والزمنية - مع وجوده - تنحصر به وحده لا شريك له، وإلا كانت الولاية عليه وليست له، علماً بأنه لا أحد فوق المعصوم عن الخطأ والخطيئة إلا من له الخلق والأمر جل وعز.. أبعد هذا يقال: إذا غاب المعصوم انتقلت ولايته بالكامل إلى الفقيه؟ " [4].

 والمفارقة أن حفيد الإمام الخميني، السيد حسين الخميني، وهو رجل دين بدرجة آية الله، من أشد المعارضين في إيران لنظرية ولاية الفقيه وزج الدين بالسياسة، وله قول مشهور في هذا الخصوص: "السياسة تفسد الدين والدين يفسد السياسة". كما وإن محمد خاتمي، رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران سابقاً معارض لولاية الفقيه، ويسعى لقيام نظام ديمقراطي يحترم الدين. أما بالنسبة لموقف الشعب الإيراني من نظرية ولاية الفقيه فهو رافض لها كما ظهر ذلك بوضوح من خلال نسبة المقاطعين للانتخابات البرلمانية في الدورة الأخيرة (2008) التي بلغت نحو 80% من الذين يحق لهم التصويت، وكتعبير لمعارضتهم للنظام الإسلامي الثيوقراطي. كذلك انتفاضة الشعب الإيراني بعد الانتخابات الرئاسية عام 2009 والتي فاز بها المرشح الديمقراطي المعارض مير حسين موسوي، فتم تزييف النتائج لصالح محمود أحمدي نجاد، وبمباركة من مرشد الثورة الإسلامية (الولي الفقيه) السيد علي خامنئي[5].

 

 

[1] أنظر نظرية ولاية الفقيه وتداعياتها في الفكر السياسي الإيراني المعاصر  لشفيق شقير

[2] أنظر الثورة البائسة، لموسوى الموسوي

[3] المصدر السابق

[4] الخميني والدولة الإسلامية، 59

[5] أنظر، حول نظرية ولاية الفقيه لعبدالخالق حسين