عقيدة الإمامة وولاية الأمر من أعظم قضايا الدين؛ إذ يترتب عليها حفظ جماعة المسلمين، وصيانة الدماء، وتحقيق الاستقرار الديني والسياسي للأمة. وقد أجمع أهل السنة والجماعة عبر القرون على أن الإمامة شأنٌ بشريٌّ اجتهادي، تُثبت بوسائل شرعية معروفة، ولا تقوم على دعوى العصمة ولا النيابة الإلهية، خلافًا لما تقرره الشيعة الاثنا عشرية من نظريات باطلة، في مقدمتها نظرية ولاية الفقيه التي بُنيت على أحاديث موضوعة، وتأويلات فاسدة، وافتراضات عقلية لا سند لها من كتاب ولا سنة ولا عمل سلف الأمة.
وقد عُرفت الشيعة عبر تاريخها بوضع الروايات المكذوبة، ونسبة الأقوال إلى آل البيت زورًا وبهتانًا؛ لتكريس مشروعها العقدي والسياسي القائم على نفي الشورى، وإلغاء سلطان الأمة، وجعل الحكم حكرًا على طبقة دينية تدّعي النيابة عن الإمام الغائب. وهذه العقيدة لم تخرج عن كونها بدعة محدثة وفرقة ضالة خارجة عن جماعة المسلمين.
والخطير في هذا العصر هو تسرب بعض هذه المفاهيم الشيعية المنحرفة إلى بعض المنتسبين لأهل السنة، سواء عن جهل أو تأثر أو سوء تقدير للعواقب، مما أدى إلى الطعن في شرعية ولاة الأمور، والدعوة إلى بدائل فوضوية تُشبه في جوهرها نظرية ولاية الفقيه الخمينية، وإن تغيّرت الأسماء والشعارات. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال في كشف هذا الانحراف، وبيان موقف أهل السنة الصحيح من الإمامة، والتحذير من تبني الأفكار الشيعية التي تهدد وحدة الأمة واستقرارها.
تسربت آراء الشيعة المتعلقة بنظرية ولاية الفقيه إلى بعض أهل السنة فتبنوها جهلاً منهم بمقاصدها وإن أخذت صور أخرى كما يظهر في كتابات الشيخ ياسر البرهامي رغم معرفته بكثير من عقائد الشيعة الفاسدة. ولكن قبل بيان ذلك لا بد من الكلام في كيفية ثبوت الخلافة أو الولاية أو الإمامة في الإسلام عند أهل السنة. فهذه المسألة تثبت بأحد ثلاثة أمور:
الأول: اختيار أهل الحل والعقد له كما حصل لأبي بكر رضى الله تعالى عنه، فإن بيعته تمت بإجماع أهل الحل والعقد.
ثانيًا: إذا عهد ولى الأمر إلى أحد من بعده فإنه يلزم طاعته في ذلك كما عهد أبو بكر إلى عمر رضي الله عنهما.
الثالث: إذا تغلب على المسلمين بسيفه وأخضعهم لطاعته كما حصل لعبدالملك بن مروان وغيره من ملوك المسلمين الذين يخضعون الناس بالسيف حتى ينقادوا لهم، يلزم المسلمين طاعتهم في ذلك لأجل جمع الكلمة وتجنيب المسلمين سفك الدماء واختلاف الكلمة، بهذه الأمور الثلاثة تنعقد الولاية لولى الأمر[1].
فإذا انعقدت الولاية لأحد بأي صورة من هذه الصور كان للوالي كل الحقوق الشرعية الثابتة لولاة الأمور؛ لأنه في هذه الحالة يكون إمامًا شرعيًّا.
والذي ينظر إلى ولاة أمور المسلمين اليوم يجد أن أكثرهم قد تولوا الأمر بأحد هذه الصور، وعليه فلا يجوز لأحد أن يلغى ولايتهم الشرعية وإن فقدوا شيئًا من شروط الإمامة.
قال الإمام الشافعي:
كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه فهو خليفة[2].
وقال الحافظ ابن حجر: وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهما[3]ء.
ومن أجل ذلك يذهب علماء الأمة وأئمة السلف في هذا الزمان إلى إثبات إمامة ولاة أمور المسلمين، وأن ولايتهم ولاية شرعية، ويوجبون على الأمة طاعتهم في المعروف والصبر على ما يكون منهم من منكرات وظلم، وتحريم الخروج عليهم.
ومع ثبوت هذا الإجماع عن أهل السنة فقد خالفه ياسر برهامى وقال بقول الشيعة الاثنى عشرية وتبنى نظرية الخميني ولاية الفقيه. يقول في كتابه فقه الخلاف : وهذه المسألة، يعنى عدم اعتبارهم ولاة أمور شرعيين، ليست مبنية على تكفير أعيانهم من عدم تكفيرهم... اهـ. وغيره من النقول الكثيرة الموجودة في هذا الكتاب[4].
فلما انتهي من تقرير هذا الأصل الفاسد المخالف لإجماع أهل السنة، انتقل إلى المرحلة الثانية وهي الحديث عن الحل الذي يراه لهذه المعضلة العظيمة حتى يظهر الإمام. فيقول : والعلاج الذي نراه لهذا السبب من أسباب الاختلاف- أي عدم وجود الإمام- جمع الناس حول علمائهم، فهم في الحقيقة أولو الأمر منهم؛ لأنهم الذين يمكنهم أن يقودوهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. واجتماع الناس عليهم من أسباب قوة الصحوة وتأثيرها في المجتمعات المسلمة الجريحة بجراح الكفار والمنافقين، ثم هؤلاء العلماء عليهم أن يختاروا من بينهم أمثل من يقود المسلمين في ملماتهم ومهماتهم، ولا سبيل إلى أن يصبح أهل الحل والعقد الحقيقيون الذين هم أهل العلم من أهل السنة والجماعة أهل قوة وتأثير إلا بجمع الناس عليهم، ورد أمرهم إليهم، فإن واجب المسلمين حال غياب الإمام أن يكون العلماء هم ولاة الأمور[5].
وهذا بعينه كلام الخميني الذي قال :
فى عصر غيبة ولى الأمر وسلطان العصر يقوم نوابه العامة وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام عليه السلام إلا البدءة بالجهاد[6].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين الذين لهم سلطان يقدرون على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلا[7].
فلو طبقنا هذه النظرية مثلا في بلد كمصر حيث ينتمي لها ياسر البرهامي، فإن الواقع يشهد الآن أن كل مجموعة أو طائفة تعتقد أن شيخها أعلم وأفقه وأمثل من غيره، ولذلك فهي ستتخذه إمامًا، له كل الحقوق الشرعية للإمام، وعلى ذلك فسيكون في مصر وحدها آلاف إن لم يكن ملايين الأئمة والولاة، كل مجموعة لها والِ ورئيس، فكيف يعيش الناس وكيف تستقيم أمورهم؟ فكيف يكون التعامل إذا خرج من هذه المجموعة من هو أعلم من إمامها، هل تنزع الولاية من الأول وتعطى للثاني؟ أو من اقتنع بأن الثاني أعلم وأنه أحق بالولاية يكوِّن جماعة سرية ليخرجوا على الإمام الأول؟ وكيف يكون الحال إذا أصر على الولاية فاعتقلهم وعذبهم فهل يحل قتله وقلب نظام الحكم؟
سئل الشيخ ابن عثيمين[8]:
ما حكم إعطاء البيعة لأمير من أمراء الجماعات التي تدعو إلى الإسلام؟
فأجاب: أما بالنسبة لإعطاء البيعة لرجل فهذا لا يجوز؛ لأن البيعة للولى العام على البلد، وإذا أردنا أن نقول: كل إنسان له بيعة. تفرقت الأمة وأصبح البلد الذي فيه مائة حي من الأحياء له مائة إمام وولاية، وهذا هو التفرق فما دام في البلد حاكم شرعي فإنه لا يجوز إعطاء البيعة لأي واحد من الناس.
فهؤلاء الإخوة يريدون أن يكونوا طوائف لكل طائفة أمير بناء على أن الحاكم عندهم ليس حاكمًا شرعيًّا في نظرهم.
نقول لهم: لا يجوز لكم تفتيت الأمة بأن يكون لكل طائفة أمير، هذا خطأ عظيم، وقد أخبر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ليس من هؤلاء في شيء.[9]
والكلام في الباب فيه طول لا يناسبه هذا المختصر، ولعل مسك الختام عود على بدء لنذكر تجربة عاشها أحد المفكرين الشيعة الأحرار يلخص موضوع الكتاب، ننقلها جلها لما فيها من فائدة.
يقول أحمد الكاتب :
كانت صدمتي الكبرى عندما وجدت مشايخ الفرقة الاثني عشرية كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والنعماني والطوسي، يصرحون ويلوحون بعدم وجود دليل علمي تاريخي لديهم على وجود وولادة (ابن) للإمام الحسن العسكري، وانهم مضطرون لافتراض وجود ولد له لكي ينقذوا نظرية (الإمامة الإلهية) من الانهيار. ويقولون: نحن بالخيار بين الإيمان بذلك الولد المفترض، وبين رفض نظرية الإمامة، فإذا كانت نظرية الإمامة صحيحة وقوية وثابتة، علينا أن نسلم بوجود ولد في السر، حتى لو لم تكن توجد عليه أدلة شرعية كافية، وإذا لم نقتنع بوجود ذلك الولد، فعلينا التراجع عن نظرية الإمامة، وهذا أمر غير ممكن، فإذن علينا التسليم والقبول بوجود ولد في السر سوف يظهر في المستقبل، وأنه المهدي المنتظر...فوجدت نفسي أمام تحد داخلي رهيب، فإما أن تكون نظرية الإمامة صحيحة أو لا تكون. وبما أنى لم اقتنع بوجود (الامام الثاني عشر) فقد كان لزاما عليّ أن أبحث موضوع الإمامة لكي أرى مدى صحته. وتركت موضوع الامام المهدي جانبا، ورحت أقرأ ما يتعلق بموضوع الإمامة من مصادر كتب الشيعة القديمة التي لم أقرأها من قبل، ولا توجد ضمن البرنامج الدراسي للحوزة، ما عدا كراس صغير للشيخ نصير الدين الطبرسي، يعرف باسم (الباب الحادي عشر) فقرأت (الشافي) للسيد المرتضى، و(تلخيص الشافي) للشيخ الطوسي، وكتب الشيخ المفيد المتعددة وكذلك ما توفر من كتب حول الموضوع في مكتبات مدينة قم وطهران ومشهد.
وكانت مفاجأتي الثانية أو الثالثة عندما اكتشفت أن نظرية (الإمامة الإلهية) الطافية على سطح التاريخ والفكر السياسي الشيعي ما هي الا من صنع (المتكلمين) ولا علاقة لها بأهل البيت. وذلك لأنها تتعارض مع أقوالهم وسيرتهم، ولا يمكن تفسيرها الا تحت ستار (التقية) التي كان يقول بها (الباطنيون) الذين كانوا ينسبون الى أئمة أهل البيت ما يشاءون من نظريات وأقوال تتنافى مع مواقفهم الرسمية، بحجة الخوف من الحكام ومن إبداء رأيهم بصراحة.
ووجدت أن نظرية أهل البيت السياسية ترتكز على مبدأ (الشورى) في حين أن (الإمامة الإلهية) تقوم على تأويلات تعسفية للقرآن الكريم وعلى أحاديث مشكوك بصحتها، وأنها لا تمتلك أي سند تاريخي، حيث كان أئمة أهل البيت يرفضون النص على أحد من أبنائهم أو الوصية اليه بالإمامة، ولذلك قال (المتكلمون الباطنيون) بأن الإمامة تقوم على علم الأئمة بالغيب وعمل المعاجز، وهذا ما يصعب إثباته في التاريخ الشيعي وما كان يرفضه أهل البيت أنفسهم، فضلا عن العقل والشرع. إضافة الى تعرض نظرية الإمامة التي كان يقول بها فريق صغير باطني من الشيعة في القرنين الثاني والثالث الهجريين، الى امتحانات عسيرة تتعلق بمسألة عمر الأئمة الصغير مثل الامام الجواد والهادي والإمام الثاني عشر المفترض، حيث كان كل واحد منهم لا يتجاوز السابعة.
وأدركت عندها أن نظرية الإمامة المفتعلة والمنسوبة الى أهل البيت كذبا وزورا، وصلت الى طريق مسدود بوفاة الامام الحسن العسكري دون خلف من بعده، وأن بعض أعوانه الانتهازيين ادعوا وجود ولد له في السر وخلافا لقانون الأحوال الشخصية الإسلامي، من أجل إنقاذ نظريتهم الباطلة من الأساس. وهكذا أسسوا الفرقة (الاثني عشرية) في غيبة من وجود أحد من أئمة أهل البيت...وكان التوصل الى هاذين الموضوعين يشكل نقطة تحول جذرية في حياتي ومسيرتي وعلاقاتي. وبما أنى كنت أعيش في إيران في ظل نظام ولاية الفقيه، فلم يكن من السهل البوح بهذه النتائج الا لدوائر ضيقة جدا من الأصدقاء والزملاء والأساتذة. أول من حدثته عن الموضع كان والدي العزيز (رحمه الله) الذي تجاوب معي تماما وكأنه ينتظر ما أقول، أما والدتي فقد امتعضت كثيرا وحزنت وتأسفت على أن يكون ثمرة حياتها تأتي بهذه النتيجة وهي إنكار نظرية الإمامة لأهل البيت، ونفي وجود الامام الثاني عشر. ولكنها بعد فترة وبعد حوار طويل معي ومع والدي، قبلت بالفكرة بعد أن تفهمتها جيدا. لقد كانت امرأة مؤمنة جدا ومحبة لأهل البيت ومثقفة بالثقافة التقليدية، وقد ربتني هي على الإيمان بوجود الامام المهدي وانتظاره، ولكنها لم تكن انسانة متعصبة أو متحجرة، وأصبح والديّ كلاهما من أشد المدافعين عن أفكاري والمبشرين بها بين الأهل والأقارب والأصدقاء. وتحملا من أجل ذلك كثيرا من المعاناة والمقاطعة والأذى.
أبرز من ذهبت اليه للحوار معه، كان مؤسس الحركة المرجعية، المرجع السيد محمد الشيرازي، وكان قد سمع بعض الشيء عني، فطرح أثناء زيارته في مكتبه في قم، موضوع المصير البائس الذي يتعرض له من ينكر حقوق أهل البيت. وضرب لذلك مثلا بالشيخ المنتظري الذي أنكر حق السيدة فاطمة الزهراء في (فدك) فأصابه ما أصابه من العزل والحصار والضغط، وفهمت ما كان يقصد، فقلت له: إن موضوع فدك بسيط جدا وهامشي ولا يستحق التوقف كثيرا، وهناك قضايا أساسية تمس جوهر العقيدة الشيعية مثل موضوع وجود الامام الثاني عشر، فقال: إذا تريد أن تعمل في الساحة عليك أن تتجنب الخوض في هكذا مواضيع. وقلت له: ليس مهما العمل أو عدم العمل، المهم التحقق من عقيدتنا ومعرفة الحق من الباطل. وتجرأت فسألته فيما إذا كان قد بحث موضوع الامام المهدي بصورة مفصلة اجتهادية؟ فاعترف بصراحة أذهلتني قائلا: لا. وكان من المفترض به كمجتهد ومرجع قبل أن يبحث في القضايا الفقهية الفرعية أن يبحث ويجتهد في أساس العقيدة الشيعية الامامية الاثني عشرية التي يبني عليها بقية الأمور، وسألته سؤالا آخر: هل قرأت حول الموضوع؟ قال: نعم. ولم تكن أمامنا فرصة للحوار، فقلت له: إذن سوف أبعث لك بدراستي لكي تلقي عليها نظرة وتعطيني رأيك حول الموضوع.
الشخص الثالث المهم الذي قررت مفاتحته في طهران، كان هو أستاذي السيد محمد تقي المدرسي، زعيم منظمة العمل الإسلامي ومؤسس الحوزة القائمية، والكاتب والباحث والمفكر الإسلامي الكبير، ولكنه كان يومها في نهاية عام 1990 منهمكا في متابعة ذيول اجتياح صدام للكويت، واستطعت أن آخذ ساعة واحدة من وقته، وأحدثه بالتفصيل عن خلاصة دراستي، وطلبت منه أن يشرح لي كيف يؤمن بوجود الامام المهدي، وأن يقدم لي أية أدلة يملكها ولم اطلع عليها حول الموضوع. فقال لي: بان هذا الموضوع من أمور الغيب. قلت له: نحن المسلمين نؤمن بالغيب كالملائكة والجن والجنة والنار لأنا نؤمن بالقرآن الكريم، ولا يمكن أن نقبل بأي أمر آخر لا يوجد في القرآن، ولم يثبت من خلال السنة ولا من أحاديث أهل البيت. وإذا كان مشايخ الشيعة يقولون إن الإيمان بوجود ولد للامام العسكري هو افتراض فلسفي لا دليل عليه، فكيف يمكن اعتبار ذلك من أمور الغيب؟
قال لي وهو ينظر الى ساعته:
أرجو ان ترجئ الكتابة حول الموضوع حتى تبذل مزيدا من الوقت في البحث والتمحيص، ولا تستعجل، ثم اكتب بحثك وقدمه لي مكتوبا حتى أستطيع مناقشته. قلت له: عظيم.. وهذا ما أدركه أنا جيدا فان موضوعا مهما وخطيرا كموضوع وجود الامام الثاني عشر ليس أمرا سهلا يمكن التلاعب به، وأعدك بأني لن انشره الا بعد استكمال بحثي لسنة أخرى.
وهكذا وعدت عددا صغيرا آخر من أصدقائي واخواني. ولم أنس المحافظة على السرية المطلقة وحصر البحث حول الموضوع في أضيق دائرة من الاخوان المؤتمنين.
أكملت كتابة المسودة الأولى من الكتاب في نهاية عام 1992 وأرسلتها الى المدرسي كما وعدته، وقمت بكتابة رسائل الى حوالي ثلاثمائة الى أربعمائة عالم ومفكر من علماء الشيعة وقياداتهم أعرض عليهم خلاصة ما توصلت اليه من عدم صحة نظرية الإمامة وعدم وجود الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري)، واطلب منهم الاطلاع على مسودة كتابي ومناقشته، وتقديم ما لديهم من أدلة وبراهين قد لم اطلع عليها. أعلنت للجميع استعدادي للتراجع عن النتائج التي توصلت اليها فيما إذا حصلت على أي دليل مقنع. وقلت للكثير منهم بأني على استعداد لعمل حفلة وإحراق كتابي إذا ما اكتشفت أي دليل مخفي عني، وأيقنت بصحة النظرية الامامية وصحة وجود الإمام الثاني عشر.
ووجهت رسالة مفتوحة الى الحوزة العلمية في قم بعقد ندوة علمية لمناقشة هذا الموضوع، واستعدادي للمشاركة فيها. ولم أتلق بالطبع أي جواب.
وبعد فترة من المناقشة والحوار لمدة خمس سنوات قمت بطبع الكتاب سنة 1997 في لندن، فصدرت منذ ذلك الحين عشرات الكتب التي تحاول إثبات ولادة (الإمام محمد الحسن العسكري) ووجوده، وقد قمت بمراجعتها والرد على أهمها في كتاب خاص تحت عنوان (حوارات أحمد الكاتب مع العلماء والمراجع والمفكرين حول وجود الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) وطبعته سنة 2007 وقلت في ذلك الكتاب بأن معظم الردود يؤكد ما وصلت اليه من أن موضوع (الإمام الثاني عشر) ما هو إلا افتراض فلسفي وهمي أكثر منه حقيقة تاريخية، وإن أغلب الردود تحاول إثبات وجوده عن طريق الاستدلال النظري أو ما يسمى بالدليل العقلي، وتفتقر الى الأدلة العلمية التاريخية[10].
فهذه تجربة عاناها وخاضها من تحرر من ربقة التقليد الأعمى والموروثات الدينية فقادته إلى معرفة الحقيقة، ليخلص إلى نظرية أهل السنة والجماعة الذين يرون أن نظام الحكم في الإسلام يقوم على ركنين: السلطة للأمة، والسيادة للشريعة. وإنّ العصمة من شروط النبوّة، والرسالة، وليست من شروط الإمامة، وإنّما يشترط فيها عدالة ظاهرة، فمتى أقام في الظاهر على موافقة الشريعة، كان أمره في الأمّة منتظماً، ومتى زاغ عن ذلك كانت الأمّة عيناً عليه في العدول به من خطئه إلى صواب، أو في العدول عنه إلى غيره[11].
[1] شرح لمعة الاعتقاد للشيخ الفوزان، 264
[2] مناقب الشافعى للبيهقى، 1/4488
[3] فتح البارى، لإبن حجر العسقلاني، 13/8
[4] فقه الخلاف، 55، أنظر أيضاً ، 53، 54، 76
[5] فقه الخلاف، 56
[6] تحرير الوسيلة، للخميني، 1/482
[7] منهاج السنة النبوية، لإبن تيمية، 1/115
[8] لقاءات الباب المفتوح، 421
[9] نقلاً عن كتاب الإنصاف في نقد كتاب فقه الخلاف تصرف كبير
[10] انظرhttp،//ahmadalkatib.blogspot.com/2010/07/blog-post_1837.html
[11] أنظر أصول الدين، للبغدادي، 69