النهي عن كتابة اسم النبي محمد وموعد خروج المهدي عند الشيعة: خرافات وأوهام تاريخية
يتناول هذا المقال واحدة من أبرز العقائد الشيعية الخيالية، وهي النهي عن كتابة اسم النبي محمد ﷺ، إذ يضطر أتباع هذه الفرقة إلى كتابته بحروف متقطعة مثل (م ح م د)، وتنتشر هذه الظاهرة في كتبهم ومخطوطاتهم. كما يعرض المقال المسألة الأكثر جدلاً، وهي موعد خروج المهدي المزعوم عند الشيعة الإمامية، مع استعراض الروايات المتناقضة والمغلوطة التي حاولوا بها تحديد زمن ظهوره، والتي امتدت على مدى قرون دون تحقق. كما يناقش المقال تاريخ الغيبات الصغرى والكبرى للمهدي المزعوم، وطريقة نشأته، وأسباب غيبته، وأحداث ما قبل خروجه، وعلاقته بالملوك والسفياني والخراساني، مع تحليل نقدي لتلك الروايات التي تثبت مدى الاختلاق والتزييف فيها. هذا المقال يهدف إلى توضيح الحقائق وكشف الخرافات وتفنيد أوهام الشيعة الإمامية حول المهدي وخروج القائم، ويعتبر مرجعًا دقيقًا لمن يريد فهم الانحرافات العقائدية لهذه الفرقة الضالة.
أما متى يخرج؟
فهذه هي الطامة الكبرى والبلية العظمى، ولا زالت الشيعة تربى بالأماني إلى يومنا هذا، أما الاختلاف في ذلك فإليك بياناً موجزاً عنه:
فعن محمد بن الفضيل، عن أبي جعفر قال: ستبقون ستة من دهركم لا تعرفون إمامكم، قلت: وكم الستة جعلت فداك؟ قال: ستة أيام، أو ستة أشهر، أو ست سنين، أو ستون سنة[1].
ثم جاءت الروايات أكثر تحديداً، فعن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله قال: في القائم سنة من موسى بن عمران، فقلت: وما سنته من موسى بن عمران؟ قال: خفاء مولده وغيبته عن قومه، فقلت: وكم غاب موسى عن أهله وقومه؟ قال: ثمانياً وعشرين سنة[2].
وعن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله قال: إذا فقد الناس الإمام مكثوا سبتاً لا يدرون من أي، ثم يظهر الله عز وجل لهم صاحبهم[3].
وفي رواية: عن الباقر: ثم يقيم سبتاً من دهركم لا تدرون أياً من أي، فبينما أنتم كذلك إذ أطلع الله نجمكم فاحمدوه واقبلوه[4].
والسبت -كما مرَّ بك- ثلاثون سنة[5].
وعلى هذا فقد مرت عشرات السبتات منذ غيبة صاحبنا، ولم يظهر نجمه لنحمد الله ونقبله.
وعن الأودي قال: إن المهدي سأله: أتعرفني؟ فقلت: اللهم لا، قال: أنا المهدي، أنا قائم الزمان، أنا الذي أملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، إن الأرض لا تخلو من حجة، ولا يبقى الناس في فترة أكثر من تيه بني إسرائيل، وقد ظهر أيام خروجي، فهذه أمانة في رقبتك فحدِّث بها إخوانك من أهل الحق[6].
أقول: مضى على هذه الرواية حوالي (14) قرناً، وتيه بني إسرائيل كما في سورة المائدة: آية: (26) إنما كان أربعين سنة.
وعن الثمالي قال: قلت لأبي جعفر: إن علياً كان يقول: إلى السبعين بلاء، وكان يقول: بعد البلاء رخاء، وقد مضت السبعون ولم نر رخاء؟
فقال أبو جعفر: يا ثابت، إن الله تعالى كان وقت هذا الأمر في السبعين، فلما قتل الحسين اشتد غضب الله على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم قناع الستر فأخره الله[7].
أقول: سواء كان الأمر حسب التوقيت الأول (أي: أيام الحسين رضي الله عنه) أو الآخر (أي: أيام الصادق رحمه الله) فهما لا يستقيمان إذا علمنا أن المهدي هو ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر، فكيف يخرج من لم يولد بعد؟ وأين القول بالاثني عشر؟ ففي الرواية إسقاط ثمانية أئمة باعتبار التوقيت الأول، وخمسة باعتبار التوقيت الآخر، وهذا إشكال متروك حله إلى القوم، والغريب قول الصادق: كان هذا الأمر فيَّ فأخره الله، ويفعل بعدُ في ذريتي ما يشاء[8]!
وعن علي بن الحسين قال: يقوم قائمنا لموافاة الناس سنة، قال: يقوم القائم بلا سفياني، إن أمر القائم حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم إلا بسفياني، قلت: جعلت فداك، فيكون في هذه السنة؟ قال: ما شاء الله، قلت: يكون في التي يليها؟ قال: يفعل الله ما يشاء[9].
وهذه الرواية كسابقتها، فيها مع افتراض التوقيت المذكور إسقاط بقية الأئمة، أما مسألة حتمية السفياني فهي موضع نظر عند القوم؛ لاحتمال البداء فيه، كما يروي القوم عن داود بن أبي القاسم قال: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا، فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية أن أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: نعم[10].
وعن البزنطي قال: سمعت الرضا يقول: يزعم ابن أبي حمزة أن جعفراً زعم أن أبي القائم وما علم جعفر بما يحدث من أمر الله، فوالله لقد قال الله تبارك وتعالى يحكي لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأحقاف:9] وكان أبو جعفر يقول: أربعة أحداث تكون قبل قيام القائم تدل على خروجه، منها أحداث قد مضى منها ثلاثة وبقي واحد.
قلنا: جعلنا فداك، وما مضى منها؟ قال: رجب خلع فيه صاحب خراسان، ورجب وثب فيه علي بن زبيدة، ورجب يخرج فيه محمد بن إبراهيم بالكوفة، قلنا له: فالرجب الرابع متصل به؟ قال: هكذا قال أبو جعفر[11].
قال المجلسي في بيان الحديث: خلع صاحب خراسان كأنه إشارة إلى خلع الأمين المأمون عن الخلافة، وأمره بمحو اسمه عن الدراهم والخطب.
والثاني: إشارة إلى خلع محمد الأمين.
والثالث: إشارة إلى ظهور محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا بالكوفة لعشر خلون من جمادى الآخرة في قريب من مائتين من الهجرة، ويحتمل أن يكون المراد بقولـه: هكذا قال أبو جعفر، تصديق اتصال الرابع بالثالث، فيكون الرابع إشارة إلى دخوله خراسان، فإنه كان بعد خروج محمد بن إبراهيم بسنة تقريباً، ولا يبعد أن يكون دخوله خراسان في رجب[12].
أقول: مضى على هذه الحوادث الأربعة التي تكون قبل قيام القائم وتدل على خروجه كما في الرواية اثنا عشر قرناً.
وعن البزنطي أيضاً قال: سألت الرضا عن قرب هذا الأمر؟ فقال: قال أبو عبد الله، حكاه عن أبي جعفر قال: أول علامات الفرج سنة خمس وتسعين ومائة، وفي سنة ست وتسعين ومائة تخلع العرب أعنّتها، وفي سنة سبع وتسعين ومائة يكون الفنا، وفي سنة ثمانٍ وتسعين ومائة يكون الجلاء، فقال: أما ترى بني هاشم قد انقلعوا بأهاليهم وأولادهم؟ فقلت: لهم الجلاء؟ قال: وغيرهم، وفي سنة تسع وتسعين ومائة يكشف الله البلاء إن شاء الله، وفي سنة مائتين يفعل الله ما يشاء، فقلت له: جعلت فداك، إنك قلت لي في عامنا الأول: حكيت عن أبيك أن انقضاء ملك آل فلان على رأس فلان وفلان، وليس لبني فلان سلطان بعدهما، قال: قد قلت ذاك لك، فقلت: أصلحك الله، إذا انقضى ملكهم يملك أحد من قريش يستقيم عليه الأمر؟ قال: لا، قلت: يكون ماذا؟ قال: يكون الذي تقول أنت وأصحابك، قلت: تعني خروج السفياني؟ فقال: لا، فقلت: فقيام القائم، قال: يفعل الله ما يشاء، قلت: فأنت هو؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله[13].
هذه الرواية بالرغم من كل ما فيها من تورية وجهل بالقائم كسابقتها، ونحن الآن في القرن الخامس عشر للهجرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعن الباقر أنه سئل عن قول الله عز وجل: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [المعارج:1]؟ فقال: نار تخرج من المغرب، وملك يسوقها من خلفها حتى يأتي من جهة دار بني سعد بن همام عند مسجدهم، فلا تدع داراً لبني أمية إلا أحرقتها وأهلها، ولا تدع داراً فيها وتر لآل محمد إلا أحرقتها وذلك المهدي[14].
أقول: لعل بني أمية هؤلاء الذين جاءتهم النار من جهة دار بني سعد بن همام غير بني أمية الذين نعرف والذين ذهبت دولتهم، وكذا من جاء بعدهم من عباسيين وعثمانيين.
وعن الحسن بن إبراهيم قال: قلت للرضا: أصلحك الله، إنهم يتحدثون أن السفياني يقوم وقد ذهب سلطان بني العباس؟ فقال: كذبوا، إنه ليقوم وإن سلطانهم لقائم[15].
وعن الباقر قال: لا بد أن يملك بنو العباس، فإذا ملكوا واختلفوا وتشتت أمرهم خرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق، وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان[16].
وعن أبي بصير، عن أبي عبدالله قال: الله أجل وأكرم وأعظم من أن يترك الأرض بلا إمام عادل، قلت: جعلت فداك، فأخبرني بما أستريح إليه، قال: يا أبا محمد، ليس يرى أمة محمد فرجاً أبداً ما دام لولد بني فلان ملك حتى ينقرض ملكهم، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لأمة محمد برجلٍ منا أهل البيت، يسير بالتقى، ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرشا، والله إني لأعرفه باسمه واسم أبيه، ثم يأتينا الغليظ القصرة ذو الخال والشامتين القائد العادل الحافظ لما استودع، يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملأها الفجار جوراً وظلماً[17].
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: أتيت أمير المؤمنين خالياً، فقلت: يا أمير المؤمنين، متى القائم من ولدك؟ فتنفس الصعداء، وقال: إذا قتلت ملوك بني العباس، أولي العمى والالتباس، أصحاب الرمي عن الأقواس بوجوه كالتراس، وخربت البصرة، هناك يقوم القائم من ولدي الحسين[18].
أقول: انظر كم مضى على زوال الدولة العباسية ولم يخرج صاحبنا؟!
وعن ابن يقطين قال: قال لي أبو الحسن: يا علي، إن الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة.
وقال يقطين لابنه علي: ما لنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟ فقال له علي: إن الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد، غير أن أمركم حضركم فأعطيتم محضة، وكان كما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، ولو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب، ولرجعت عامة الناس عن الإسلام؛ ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه! تألفاً لقلوب الناس، وتقريباً للفرج[19].
ويقطين هذا كان من أتباع بني العباس، فقال لابنه علي الذي كان من خواص الكاظم: ما بالنا وعدنا دولة بني العباس على لسان الرسول والأئمة صلوات الله عليهم، فظهر ما قالوا، ووعدوا وأخبروا بظهور دولة أئمتكم فلم يحصل.
والرواية تتكلم عن قسوة القلوب والخوف من رجوع عامة الناس عن الإسلام لمئتي سنة أو ثلاثمائة سنة، لا أربعة عشر قرناً، ولعل في الروايات الآتية بياناً لكل ما مرَّ بك.
فعن أبي بصير قال: قلت له: ألهذا الأمر أمد نريح إليه أبداننا وننتهي إليه؟
قال: بلى، ولكنكم أذعتم فزاد الله فيه[20].
ولكن يبدو أن الموعد الجديد الذي أخر إليه قد أخر هو الآخر أيضاً، فعن إسحاق بن عمار قال: يا إسحاق، إن هذا الأمر قد أخر مرتين[21].
ولكن ماذا حصل للموعد الجديد، فقد مرَّت بك الرواية في قول الباقر: بأن الله تعالى قد وقَّت هذا الأمر في السبعين، فلما قتل الحسين اشتد غضب الله على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع الستر فأخره الله.
ثم حسمت المسألة بتكذيب التوقيت مطلقاً، فعن الفضيل قال: سألت أبا جعفر: هل لهذا الأمر وقت؟ فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون.
وعن منذر الجوار، عن أبي عبدالله قال: كذب الموقتون، ما وقتنا فيما مضى، ولا نوقت فيما يستقبل.
وعن مهزم الأسدي قال: سألت أبا عبدالله: أخبرني -جعلت فداك- متى يكون هذا الأمر الذي تنتظرونه فقد طال؟ فقال: يا مهزم، كذب الوقاتون، وهلك المستعجلون.
وعن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله قال: من وقت لك من الناس شيئاً فلا تهابن أن تكذبه، فلسنا نوقت لأحدٍ وقتاً.
وعن أبي عبدالله قال: كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نوقت، ثم قال: أبى الله إلا أن يخالف وقت الموقتين.
وعن إسحاق بن يعقوب أنه خرج إليه على يد محمد بن عثمان العمري: أما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقاتون.
وعن أبي عبدالله قال: إنا لا نوقت هذا الأمر.
وعنه أيضاً قال: حاشا لله أن يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا[22].
وعلى أي حال، فالروايات في الباب كثيرة، ولكن من الذي وقت لنا؟
[1] إثبات الهداة: (3/576)، البحار: (51/118، 134).
[2] كمال الدين: (303)، إثبات الهداة: (3/459، 471)، البحار: (51/216).
[3] غيبة النعماني: (102)، إثبات الهداة: (3/547).
[4] إثبات الهداة: (3/533)، البحار: (51/148).
[5] معاني الأخبار: (403)، الكافي: (1/452)، البحار:(15/263)(35/6، 77)(38/47)، إثبات الهداة: (1/153) (2/13).
[6] غيبة الطوسي: (63)، كمال الدين: (2/199)، البحار: (52/2).
[7] غيبة الطوسي: (263)، غيبة النعماني: (197)، الكافي: (1/368)، البحار: (4/114، 120) (42/223) (52/105).
[8] غيبة الطوسي: (263)، البحار: (4/114) (52/106).
[9] البحار: (52/182).
[10] غيبة النعماني: (205)، البحار: (52/250)، إثبات الهداة: (3/544).
[11] البحار: (52/182).
[12] البحار: (52/184).
[13] البحار: (52/184)، إثبات الهداة: (3/50).
[14] تفسير القمي: (2/374)، البرهان: (4/381)، نور الثقلين: (5/412)، الصافي: (5/224)، البحار: (52/188)، إثبات الهداة: (3/553).
[15] غيبة النعماني: (205)، البحار: (52/251).
[16] غيبة النعماني: (117)، البحار: (52/234).
[17] البحار: (52/269).
[18] البحار: (52/275).
[19] غيبة الطوسي: (207)، غيبة النعماني: (198)، البحار: (4/132) (52/102).
[20] غيبة الطوسي: (265)، غيبة النعماني: (194)، البحار: (52/105، 117).
[21] غيبة النعماني: (197)، البحار: (52/117).
[22] انظر هذه الروايات في: غيبة الطوسي: (262)، البحار: (4/132) (52/103، 104، 111، 118) (53/181) (78/380)، إثبات الهداة: (3/447، 544)، غيبة النعماني: (131، 195).