يتناول هذا المقال العقائد الشيعية حول المهدي المنتظر بعد خروجه من الغيبة، وفق ما ورد في كتبهم الإمامية، بما في ذلك أعماله على الأرض من قتل وأحكام النقمة على أعدائه، إضافةً إلى روايات عن اثني عشر مهدياً يتبعونه بعد خروجه. كما نعرض قضية استمرار وجود إمام على الأرض، ومفارقات هذه الروايات، ومدى تعارضها مع العقل والمنطق. هذه النصوص تمثل أساسًا لما يسميه الشيعة الإمامة والمهدي، لكنها مليئة بالتناقضات والخرافات، وتبين مدى البعد عن الإسلام الصحيح، وهو ما يجعل هذه الفرقة ضالة عن الدين الحق. المقال يهدف لتسليط الضوء على هذه الروايات وتفكيك ادعاءاتها، مع توضيح فساد الاعتماد عليها كعقيدة شرعية.
عن الهروي قال: قلت للرضا:
يا ابن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق أنه قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائها؟
فقال: هو كذلك[1].
وعن بدر بن خليل الأزدي قال:
سمعت أبا جعفر يقول: إذا قام القائم وبعث إلى بني أمية بالشام هربوا إلى الروم، فيقول لهم الروم: لا ندخلكم حتى تتنصروا، فيعلقون في أعناقهم الصلبان ويدخلونهم، فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصلح، فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا، قال: فيدفعونهم إليهم[2].
وعن الصادق: ثلاثة عشر مدينة وطائفة يحارب القائم أهلها ويحاربونه: أهل مكة، وأهل المدينة، وأهل الشام، وبنو أمية، وأهل البصرة، وأهل دميسان، والأكراد، والأعراب، وضبة، وغني، وباهلة، وأزد، وأهل الري[3].
ولـه في الكوفة حكايات، فمن ذلك:
عن الباقر قال: إذا قام القائم سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس، يدعون البترية، عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة، فيقتل بها كل منافق مرتاب، ويهدم قصورها، ويقتل مقاتليها، حتى يرضى الله عز وعلا[4].
وفي حقيقة الأمر أن تناول مسألة المهدي يطول، وهذا الايجاز الشديد والشديد جداً في ذكر أموره وأحواله قطرة من بحر إن لم يكن محيطاً، ويقيني أن ما أوردته يعد اختصاراً مخلاً، وكذلك أخشى التطويل الممل؛ لأن كتابنا هذا -كما ذكرت في المقدمة- يتناول مسائل الإمامة بإيجاز، ولكن إذا كان في العمر بقية سيكون لنا مع مهدي القوم -إن شاء الله- بحث مستقل.
يكون بعد المهدي اثنا عشر مهدياً:
ولكن قبل أن أنهي حديثي عن المهدي، أورد هنا بعض روايات القوم المتصلة بموضوعه، وهي روايات أجزم بأن أكثر قراء هذا الكتاب لم يسمع بها من قبل ولم يقف عليها.
عن أبي بصير قال: قلت للصادق: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت من أبيك أنه قال: يكون بعد القائم اثنا عشر مهدياً، فقال: إنما قال: اثني عشر مهدياً ولم يقل: اثني عشر إماماً، ولكنهم قوم من شيعتنا، يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقنا[5].
وفي رواية: إن منا بعد القائم اثني عشر مهدياً من ولد الحسين[6].
وعن أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي، إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أول الاثني عشر الإمام[7].
وعن الباقر: والله ليملكن رجل منا أهل البيت الأرض بعد موته ثلاثمائة سنة، ويزداد تسعة، قال: قلت: فمتى ذلك؟ قال: بعد موت القائم[8].
وقد اضطرب القوم في رد هذا الإشكال أو المأزق إن شئت أن تسميه، وأوردوا في ذلك وجوهاً لا تستحق الذكر[9].
والغريب أن مهدينا لن يمضي إلا قبل القيامة بأربعين يوماً[10].
وكل ما مرَّ بك من روايات الاثني عشر الذين يكونون بعد القائم، والرجل من أهل البيت الذي سيحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً، يجب أن يكون في هذه الأربعين يوماً المتبقية من عمر الدنيا!
والأغرب أن هذا المضي قبل القيامة بأربعين يوماً يخالف ما أورده القوم من عدم خلو الأرض من حجة، كقولـهم عن الصادق: ما تبقى الأرض يوماً واحداً بغير إمام منا تفزع إليه الأمة[11].
بل ولا ساعة؛ لقولـهم عن الباقر: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله[12].
ورووا أن الصادق سئل: تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت[13].
بل ولا أقل من ذلك، فلما سئل الرضا، قال: لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها[14].
وعن الصادق قال: لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام، وإن آخر من يموت الإمام؛ لئلا يحتج أحدهم على الله عز وجل أنه تركه بغير حجة[15].
بل ويبدو أن ذلك كان مثار خلاف بين الأئمة، ففي رواية محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا، قال: قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قال: قلت: فإنا نروي عن أبي عبدالله أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله على أهل الأرض أو على العباد، قال: لا، لا تبقى، إذاً لساخت.
وفي رواية: معاذ الله لا تبقى ساعة، إذاً لساخت[16].
والروايات في الباب كثيرة[17].
ولا يسعف القوم القول بأن روايات الاثني عشر الذين يكونون بعد القائم وكذا الرجل من أهل البيت الذي يحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً، إنما يكون في هذه الأربعين يوماً، ففساد هذا القول بيِّن، وذلك أن روايات عدم خلو الأرض إنما هي من إمامٍ وليس من مهدي، ولعل في قول الصادق كما في رواية أبي بصير الأولى، حيث قال: إنما قال اثني عشر مهدياً، ولم يقل: اثني عشر إماماً، أو رواية الرضا: إن الأرض لا تخلو من أن يكون فيها إمام منا[18] وغيرها.. دليل على هذا التفريق، هذا وناهيك عن كون المدة المتبقية من عمر الدنيا وهي أربعون يوماً لا تستوعب كل هؤلاء، فضلاً عن الرجل من أهل البيت الذي سيحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً.
فتبين لك -أيها القارئ العزيز- أن هؤلاء الأئمة من آل البيت رحمهم الله ورضي عنهم، كُذب عليهم ونُسب إليهم من الكذب مالا يعلمه إلا الله، وهم ولا شك أناس صالحون لكن قوّلوا مالم يقولوا، وافتري عليهم الكثير والكثير، وعند الله يجتمع الخصوم.
هذا وإن الدين باقٍ إلى قيام الساعة بنقل العلماء الصالحين له، فالله قد أمر بسؤال أهل الذكر والعلم، وأمر بأن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، دون أن يخصها بأناس دون أناس.
وفي البابين التاليين يتضح لك حقيقة الأمر، وهل نص على الأئمة الاثني عشر في القرآن والسنة أم لا؟ والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
خلاصة الباب:
لا شك -عزيزي القارئ- أن النتيجة التي خرجنا منها في هذا الباب مؤداها: أن الذي وضع عقيدة الإمامة، وأوجب النص على الأئمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وحدد أساميهم، ونسب كل هذا إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وإلى الأئمة عليهم السلام وهم منها براء.
أقول: إن هذا الذي وضع هذه العقائد لم تستقيم له الأمور في إثبات: متى كان النص على فرضه؟ ولا بد؛ فالباطل يحطم بعضه بعضاً، حيث رأينا كيف أن آلاف الراويات التي وضعها كل فريق من فرق الشيعة تتعارض مع مسيرة التاريخ، وبعد موت كل إمام، وكيف أن عظماء أصحاب الأئمة اختلفوا في تحديد الإمام اللاحق مما أدى إلى افتراقهم وتشتتهم.
ومن غرائب الأمور: أن الإمامية قد وضعوا كل تلك الروايات التي تذكر تسلسل الأئمة بأسمائهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المهدي، ومع ذلك يأتي كبير مراجعهم في هذا العصر وينفي وجود نص على تسمية هؤلاء الأئمة، حيث يقول الخوئي: الروايات المتواترة الواصلة إلينا من طريق العامة والخاصة قد حددت الأئمة عليهم السلام باثني عشر من ناحية العدد ولم تحددهم بأسمائهم عليهم السلام واحداً بعد واحد، حتى لا يمكن فرض الشك في الإمام اللاحق بعد رحلة الإمام السابق، بل قد تقتضي المصلحة في ذلك الزمان اختفاءه والتستر عليه لدى الناس؛ بل لدى أصحابهم عليهم السلام إلا أصحاب السر لهم، وقد اتفقت هذه القضية في غير هذا المورد والله العالم[19].
فهل الخوئي -وهو من هو في علم الحديث عند الشيعة، وصاحب أكبر موسوعة في علم الرجال عندهم- لم يقف على شيء مما أوردناه في مقدمة الباب؟
وصدق الله القائل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:82]
[1] علل الشرايع: (1/219)، عيون الأخبار: (1/247)، البحار: (45/295، 296، 298) (52/313)، إثبات الهداة: (3/455، 497، 530).
[2] روضة الكافي: (51)، العياشي: (343)، البحار: (52/377، 388)، إثبات الهداة: (3/450).
[3] البحار: (52/363)، إثبات الهداة: (3/544).
[4] الإرشاد: (364)، البحار: (52/338) (والبترية من طوائف الزيدية تنسب إلى المغيرة بن سعيد، كان يلقب بالأبتر)، إعلام الورى: (431)، إثبات الهداة: (3/528).
[5] كمال الدين: (335)، البحار: (53/145).
[6] البحار: (53/148)، غيبة الطوسي: (285).
[7] غيبة الطوسي: (105)، البحار: (36/261) (53/148).
[8] تفسير العياشي: (2/352)، مختصر البصائر: (130)، البحار:(53/146)، غيبة النعماني:(231)، غيبة الطوسي: (286)، الاختصاص: (257)، البرهان: (2/465).
[9] انظر إن شئت: البحار: (53/148)، الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة، باب: في أنه هل بعد دولة المهدي دولة أم لا؟ للحر العاملي: (392)، إثبات الهداة: (1/110)، غيبة الطوسي: (285) (الحاشية).
[10] الإرشاد: (345)، إعلام الورى: (435)، كمال الدين: (220)، المحاسن: (236)، الكافي: (1/329)، البصائر: (141)، البحار: (23/41) (53/145، 146)، إثبات الهداة:(1/110)، غيبة الطوسي: (146، 218).
[11] كمال الدين: (221)، البصائر: (143، 150)، البحار: (23/42، 50، 53)، إثبات الهداة: (1/130).
[12] كمال الدين:(194، 195، 196)، غيبة النعماني:(88)، البصائر:(124)، البحار:(23/34، 35).
[13] علل الشرايع: (76، 77)، كمال الدين: (194، 195، 197)، غيبة الطوسي: (99،132،142) غيبة النعماني: (89)، عيون الأخبار: (1/246، 247)، البصائر: (144)، البحار: (23/21، 24، = = 28، 29، 34، 35، 37)، المناقب: (1/245).
[14] عيون أخبار الرضا: (1/247)، إثبات الهداة: (1/101، 106)، كمال الدين: (197)، البحار: (23/29)، علل الشرايع: (77)، البصائر: (144).
[15] علل الشرايع: (76)، كمال الدين: (117، 134، 135)، البصائر: (134)، البحار: (23/21، 22، 36، 43، 52، 53)، الكافي: (1/180)، إثبات الهداة: (1/80).
[16] الكافي: (1/179)، إثبات الهداة: (1/78، 100، 105، 106) (وعلل الرواية بالتقية -ولا أدري أي فرق بين القولين حتى استوجبت إحداها التقية دون الأخرى)، علل الشرايع: (77)، عيون الأخبار: (150)، غيبة النعماني: (99)، البحار: (23/24، 28).
[17] انظر مثلاً: البحار: ج (23) باب: الاضطرار إلى الحجة وأن الأرض لا تخلو من حجة، وفيه(118) رواية، إثبات الهداة: (1/77) وما بعدها، (97، 98، 100، 101)، والباب السادس وفيه عشرات الروايات، غيبة الطوسي: (111، 132، 134)، البصائر: (331، 484، 485، 486، 487، 488، 489، 511، 516)، نور الثقلين: (3/44) (4/369، 370)، أمالي الصدوق: (157)، الكافي:(1/178) وما بعدها، غيبة النعماني: (19، 87-91)، كمال الدين: (194-225، 695).
[18] كمال الدين: (133)، البحار: (23/42)، إثبات الهداة: (1/110).
[19] صراط النجاة: (ج:2/452).