تكذيب دعاوى مشاهدة المهدي في الغيبة الكبرى وفساد مفهوم اللطف عند الشيعة الإمامية

يعرض هذا المقال تحليلًا دقيقًا لما يروجه الشيعة الإمامية حول المهدي المنتظر وادعاءات من زعموا رؤيته خلال غيبته الكبرى. من خلال الروايات نفسها، يتضح أن هذه الدعوى باطلة ومفترَة، وأن الشخص الذي يزعم مشاهدة المهدي قبل ظهور السفياني والصيحة يكون كاذبًا وضمان ذلك وارد في توقيع المهدي نفسه. كما يناقش المقال مفهوم اللطف الإلهي والإمامة كما يفهمه الشيعة، وكيف حاولت الروايات التمويه على العقل والنقل لإثبات استمرار الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، مع الإشارة إلى انقطاع اللطف بعد وفاة العسكري، وضرورة الالتزام بالحجة والواقع بدل التأويلات الكلامية الفلسفية. هذا المقال يقدّم للقارئ صورة واضحة عن تضارب الروايات وتعقيد عقائد الفرقة الضالة، بعيدًا عن أي تجميل أو تحريف.

تكذيبه لمن سيدعي مشاهدته في غيبته الكبرى:

ويؤيد عدم الرؤية هذه ما أورده القوم عن المهدي نفسه في ذلك، حيث قال في التوقيع الذي خرج إلى السمري: يا علي بن محمد السمري، اسمع أعظم الله أجر إخوانك فيك، فأنت ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم[1].

فما رأي القوم أن نقول لهؤلاء الذين ادعوا مشاهدته والفوز بلقائه ممن مضى وممن سيأتي، كما ملأ القوم كتبهم بقصصهم بأنهم كذابون ومفترون بضمانة هذه الرواية.

وعن الصادق قال: يفقد الناس إمامهم فيشهدهم الموسم فيراهم ولا يرونه[2]؟

وفي رواية: إن للقائم غيبتين يرجع في إحداهما والأخرى لا يدرى أين هو؟ يشهد المواسم، يرى الناس ولا يرونه[3].

وفي رواية: إن صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كل سنة، فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه[4].

الكلام في اللطف:

تقودنا هذه الروايات الصريحة بافتتان الخلق بغيبته، والصريحة باستحالة رؤيته، والمكذبة لمدعي رؤيته أو الفوز بلقائه إلى مسألة اللطف.

وقد مرَّ بك تعريف موجز عن مفهوم اللطف في أول الكتاب، حيث ذكرنا هناك أن الشيعة يعتقدون أن الإمامة كالنبوة لطف من الله تعالى، فلا بد أن يكون في كل عصرٍ إمام هادٍ يخلف النبي، من وظائفه: هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامة على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم، وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم، وعلى هذا فالإمامة استمرار للنبوة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب نصب الإمام بعد الرسول[5].

وحيث إننا التزمنا في هذا الكتاب الابتعاد عن التأويلات الفلسفية والكلامية والترهات العقلية التي لا تجدي ولن تجدي، والتزمنا بالاقتصار على إيراد النصوص لما لها من وقع على نفس القارئ من حيث القبول والمصداقية، ولحجيتها الملزمة في مثل هذه المسائل عوضاً عن المتاهات الكلامية التي يعرف أصحابها سلفاً أنها ترويج لبضائع كاسدة لم يقتنع واضعوها بها فضلاً عمن وضعت له، نورد هنا بعضاً مما ذكره القوم ليتبين لنا حقيقة القول بهذا اللطف الذي صدعوا به الرءوس، ولبسوا فيه على النفوس.

رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية[6].

وعن الصادق: الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حي يعرف[7].

وفي رواية: من مات وليس عليه إمام حي ظاهر مات ميتة جاهلية، قيل: إمام حي؟ قال: إمام حي، إمام حي[8].

وعن يعقوب السراج قال:

 قلت لأبي عبدالله: تخلو الأرض من عالم منكم حي ظاهر تفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال: لا، إذاً لا يعبد الله يا يوسف[9].

وعن عمر بن يزيد، عن أبي الحسن الأول قال:

 من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية، إمام حي يعرفه، فقلت: لم أسمع أباك يذكر هذا، يعني: إماماً حياً، فقال: قد والله قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية[10].

وعن الصادق:

إن الله لا يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنون شيئاً ردهم، وإذا نقصوا أكمله لهم، فقال: خذوه كاملاً، ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم ولم يفرق بين الحق والباطل[11].

والروايات كهذه كثيرة، وأقوال القوم فيها مضطربة[12]، ولكن من منهم اليوم يعرف إمام زمانه الحي والظاهر حتى يفزع إليه في حلاله وحرامه أو يسمع له ويطيع؟

وهكذا نجد أن القوم قد عادوا بنا إلى أصل الدعوى، وأصل الخلاف بإسقاط القول باللطف ووجوب العصمة، إقراراً منهم بعدم جدوى الحلول المتمثلة عند القوم بوجوب النص من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على نصب الإمام بالتأويلات التي ذكرناها، إذ إن ذلك اللطف انتهى بوفاة العسكري، حيث عدنا إلى إلزامهم بالقول بالاضطرار إلى الحجة تماماً كحال المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بإسقاط أحد الأمرين للآخر.

ومعنى ذلك أن وجوب اللطف من الله، والمتمثل في نصب إمام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم قائم تماماً بذات الأسباب بعد العسكري، وقد عرفت الحال بعده إلى يومنا هذا.

اقرأ معي هذه الروايات أيضاً: عن المغيرة قال: قلت لأبي عبدالله: يكون فترة لا يعرف المسلمون إمامهم فيها؟ قال: يقال ذلك، قلت: فكيف نصنع؟ قال: إذا كان ذلك فتمسكوا بالأمر الأول حتى يتبين لكم الآخر.

وفي رواية: إذا أصبحت وأمسيت يوماً لا ترى فيه إماماً من آل محمد، فأحب من كنت تحب، وأبغض من كنت تبغض، ووال من كنت توالي، وانتظر الفرج صباحاً ومساءً.

وفي أخرى: كيف أنتم إذا صرتم في حال لا يكون فيها إمام هدى ولا علم يرى، فلا ينجو من تلك الحيرة إلا من دعا بدعاء الغريق، فقيل: هذا والله البلاء فكيف نصنع -جعلت فداك- حينئذٍ؟ قال: إذا كان ذلك ولن تدركه، فتمسكوا بما في أيديكم حتى يصح لكم الأمر.

وفي أخرى: تمسكوا بالأمر الأول الذي أنتم عليه حتى يتبين لكم[13].

وعن عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن خاله الصادق قال: قلت له: إن كان كون ولا أراني الله يومك فبمن أأتم؟ فأومأ إلى موسى، فقلت له: فإن مضى فإلى من؟ قال: فإلى ولده، قلت: فإن مضى ولده وترك أخاً كبيراً وابناً صغيراً فبمن أأتم؟ قال: بولده، ثم هكذا أبداً، فقلت: فإن أنا لم أعرفه ولم أعرف موضعه فما أصنع؟ قال: تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك، من ولد الإمام الماضي، فإن ذلك يجزيك[14].

فالدلالة واضحة في هذه الروايات وأمثالها بانتفاء استمرارية اللطف الذي ألزمنا القوم به.

وكذلك لا تغتر بالقائل بالتمسك بأقوال الأئمة الماضين، فإن ذلك إن كان حاصلاً فكذلك في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته سواء بسواء.

وفيه فساد القول بالعصمة؛ لاحتمال تطرق الخطأ والزلل والنسيان والسهو من الناقلين لعلم الأئمة دون الإمام المعصوم عند القوم، وهذا ظاهر في اختلاف المراجع في العصر الواحد، كما لا يفوتك من هذه الروايات قول الصادق: يقال ذلك، ولا يفوتنك أيضاً جهل عيسى بن عبدالله بتسلسل الأئمة، فتدبر في ذلك.

وعن الصادق قال: يأتي على الناس زمان يصيبهم فيها سبطة، يأرز العلم فيها كما تأرز الحية في حجرها، فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم نجم، قلت: فما السبطة؟ قال: الفترة، قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ قال: كونوا على ما أنتم عليه، حتى يطلع الله عليكم نجمكم.

وفي رواية: كيف أنتم إذا وقعت السبطة بين المسجدين، يأرز العلم فيها كما تأرز الحية في جحرها، واختلف الشيعة بينهم، وسمى بعضهم بعضاً كذابين، ويتفل بعضهم في وجوه بعض؟ فقلت: ما عند ذلك من خير؟ قال: الخير كله عند ذلك -يقوله ثلاثاً- وقد قرب الفرج[15].

وعنه أيضاً قال: ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى[16].

فهذه الروايات -وهي غيض من فيض- واضحة الدلالة على فساد التأويلات التي خلصت إلى القول بوجوب اللطف والتي أدت إلى وجوب القول بإمامة علي بن أبي طالب والأئمة من بعده وكفر من خالف ذلك، وقد رأيت انقطاع هذا اللطف بعد سنة (260) للهجرة، كما هو الحال الآن، فكيف ألزمونا بوجوب الأول دون الآخر، وإذا قالوا بالآخر فكيف ألزمونا بالأول، وهذا لا يخفى على من تدبر.

 

[1] كمال الدين: (2/193)، غيبة الطوسي: (243)، البحار: (51/361) (52/151) (53/318).

[2] كمال الدين: (325، 330، 404)، غيبة الطوسي: (102)، غيبة النعماني: (116)، الكافي: (1/337، 339)، البحار: (52/151)، إثبات الهداة: (3/443، 500).

[3] غيبة النعماني:(117)، البحار:(52/156)، الكافي: (1/339)، إثبات الهداة: (3/444).

[4] كمال الدين:(2/114)، البحار:(52/152)، من لا يحضره الفقيه:(2/520)، إثبات الهداة:(3/452).

[5] عقائد الإمامية للشيخ محمد رضا المظفر: (ص:89)، وانظر أيضاً: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية: (273، 287) وما بعدها.

[6] الاختصاص: (268، 269)، البحار: (23/92).

[7] الاختصاص: (268، 269)، قرب الإسناد: (153)، البصائر: (143)، البحار: (23/2، 3، 30، 51) (49/267)، إثبات الهداة: (1/138، 139).

[8] الاختصاص: (269)، البحار: (23/92)، إثبات الهداة: (1/139).

[9] البصائر: (143)، علل الشرايع: (76)، البحار: (23/21، 51) (24/217)، إثبات الهداة: (1/120).

[10] الاختصاص: (269)، البحار: (23/92)، إثبات الهداة: (1/129، 139).

[11] علل الشرايع: (76، 77، 78)، البصائر: (96، 143، 289)، الاختصاص: (289)، كمال الدين: (117، 118، 128، 129)، غيبة النعماني:(68)، المحاسن:(235)، البحار:(23/21، 24-27،39) = = (26/178)، إثبات الهداة: (1/106، 108).

[12] انظر مثلا: إثبات الهداة: (1/139).

[13] غيبة النعماني: (105)، الكافي: (1/342)، البحار: (52/132، 148، 149)، كمال الدين: (327، 328، 329)، إثبات الهداة: (3/446، 474، 475، 534).

[14] كمال الدين: (328، 383)، البحار: (27/297) (48/16) (52/148)، إثبات الهداة: (3/157، 228، 321)، الكافي: (1/309).

[15] غيبة النعماني: (105، 138)، الكافي: (1/340)، البحار: (52/134)، غيبة الطوسي: (267).

[16] البحار: (52/149) (95/326).