اختلاف الشيعة في المهدي المنتظر وغياب الأئمة: دراسة نقدية للروايات الباطلة

يتناول هذا المقال بشكل علمي ونقدي الاختلافات الشديدة لدى الشيعة الإمامية حول المهدي المنتظر، مستعرضًا الروايات الشيعية نفسها دون إسقاط أو تعليق إنشائي، ليتضح للقارئ حجم التناقض والتكلف الذي يحيط بهذه المسألة. يبين المقال اختلافهم في تاريخ ولادته، وعمره عند الخروج، ومدة ملكه، وأماكن خروجه، وأيام ظهوره، والغيبوتين اللتين يتحدثون عنهما، مع توضيح الأحكام العجيبة والخيالية التي ينسجونها لتفسير هذه الغيبات الطويلة، مثل مصفاة الناس والانتظار الطويل للفرج. هذا المقال يهدف إلى كشف هذه الخرافات وتحليل الروايات الباطلة التي اعتمدت عليها هذه الفرقة الضالة، ليقف القارئ على حقيقة تضارب أحاديثهم واختلافاتهم التي لا يمكن الجمع بينها إلا بالتأويل المتكلف أو إسقاط العقل والنقل معًا.

في هذا المقال نعرض ـ من خلال الروايات الشيعية نفسها ـ صورة متكاملة لاختلاف الإمامية في شأن المهدي المنتظر، دون تعليق إنشائي أو إسقاط خارجي، بل نترك النصوص تتكلم، ليقف القارئ على حجم التناقض الذي لا يمكن الجمع بين أطرافه إلا بالتأويل المتكلف أو إسقاط العقل والنقل معاً.

اضطربت الإمامية في شأن المهدي اضطراباً شديداً لا يكاد ينضبط بحالٍ من الأحوال، حتى إنه لم يغادر من شئونه وأحواله شيء، ويصعب علينا إيراد ذلك كله في هذه العجالة من أمر كتابنا هذا، إلا أننا -إن كان في العمر بقية- أن سنوفي هذا الموضوع حقه.

 ولكن إليك بيان ذلك بإيجازٍ شديد:

أول اختلاف يفاجأ به الباحث في مسألة مهدي القوم، هو الاختلاف الشديد عندهم في مولده، فاقرأ معي هذه الروايات، فهي واضحة الدلالة وتغني عن التعليق والإضافة.

عاد بنا الحديث إلى الاختلاف في شئونه، ومنها: في أي يوم سيكون خروجه وأين؟ عن الصادق قال: يوم النيروز هو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا أهل البيت، وما من يوم نيروز إلا ونحن نتوقع فيه الفرج؛ لأنه من أيامنا حفظته الفرس وضيعتموه [1].

لا يفوتك أن تتدبر في مسألة انتظار الإمام السادس للثاني عشر في حياته، كما لا يفوتك مغزى الولاء لهذه الأعياد.

وفي قول: يوم عاشوراء يوم السبت[2].

وفي آخر: يوم الجمعة[3].

أما أين؟

ففي رواية: من قرية في اليمن تسمى كرعة[4].

وفي أخرى: مكة[5].

وكذلك الاختلاف في عمره عند خروجه، ففي بعض الروايات أنه ابن ثلاثين سنة.

وفي أخرى: اثنتين وثلاثين سنة.

وفي أخرى: ابن أربعين سنة.

وأخرى: ابن ثمانين سنة.

وأخرى: إن ذلك إلى الله عز وجل.

عن المفضل أنه سأل الصادق: يا سيدي، يعود شاباً أو يظهر في شيبته؟ فقال: سبحان الله! وهل يعرف ذلك؟ يظهر كيف شاء وبأي صورة شاء[6].

وكذا اختلف القوم في كم يملك عند خروجه، بين (7) سنوات، و(19) سنة، و(19) سنة وأشهر، و(40) سنة، و(70) سنة، و(120) سنة، و(309) سنوات[7].

نعود إلى حديثنا عن غيبة المهدي وحال المسلمين فيها، ونورد بعضاً مما أورده القوم عن الأئمة في ذلك حتى تنجلي الغمة ثم نعلق على ذلك بما يفتح الله علينا.

عن أمير المؤمنين رضي الله عنه قال:

 للقائم منا غيبة أمدها طويل، كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه[8].

وقال: كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى، ولا علم يرى، يبرأ بعضكم من بعض[9].

وقال: لا تنفك هذه الشيعة حتى تكون بمنزلة المعز لا يدري الخابس على أيها يضع يده، فليس لهم شرف يشرفونه، ولا سناد يستندون إليه في أمورهم[10].

وعن الباقر قال:

 لا يزالون ولا تزالون حتى يبعث الله لهذا الأمر من لا تدرون خلق أم لم يخلق[11].

وعن الصادق:

 إن للقائم غيبتين، يقال في أحدهما هلك، ولا يدرى في أي وادٍ سلك[12].

ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: المهدي من ولدي تكون لـه غيبة وحيرة تضل فيها الأمم[13].

وعن الصادق قال: أما والله ليغيبن عنكم مهديكم، حتى يقول الجاهل منكم: ما لله في آل محمد حاجة[14].

وعنه أيضاً قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين: إحداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات، ويقول بعضهم: قتل، ويقول بعضهم: ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره، إلا المولى الذي يرى أمره[15].

وعن الكاظم قال: لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة؛ حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به[16].

وعنه أيضاً لما سُئِلَ عن تأويل قول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ [الملك:30]؟ فقال: إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا تصنعون[17].

وعن الصادق قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبةً، المتمسك فيها بدينه كالخارط لشوك القتاد بيده[18].

وعن العسكري قال: أما إنه له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون[19].

وعن الصادق قال: ثم يغيب في آخر يوم من سنة ست وستين ومائتين، فلا تراه عين أحد[20].

 

[1] البحار: (52/276، 308) (59/119)، إثبات الهداة: (3/571).

[2] غيبة النعماني: (189)، الإرشاد: (362)، غيبة الطوسي: (274)، منتخب الأثر: (464، 365)، البحار:(52/285، 290، 297)، إثبات الهداة:(3/453، 491، 514، 543، 570).

[3] الخصال: (394)، البحار: (52/279)، إثبات الهداة: (3/496).

[4] كفاية الأثر: (20)، منتخب الأثر: (466)، النجم الثاقب: (ح:62)، البحار: (36/335) (51/95) (52/380).

[5] غيبة الطوسي: (112)، الكافي: (1/340)، غيبة النعماني: (119)، البحار: (52/153، 157)، منتخب الأثر: (467)، إثبات الهداة: (3/562، 565، 586).

[6] غيبة الطوسي: (258، 259)، البحار: (52/279، 285، 287، 319) (53/7)، غيبة النعماني:(99، 158)، كمال الدين:(2/366)، إثبات الهداة:(3/575)، إعلام الورى:(401).

[7] انظر هذه الروايات في: غيبة الطوسي: (273، 283)، العياشي: (2/326)، البصائر: (130)، البحار: (52/280، 287، 291، 298، 299، 337، 338، 339، 340، 386، 390) (53/145، 146)، إثبات الهداة: (3/299، 512، 517، 528، 529، 547، 556، 557، 575، 584)، إعلام الورى:(342، 432، 434)، الإرشاد:(363)، غيبة النعماني: (99، 231، 232)، الاختصاص: (257).

[8] كمال الدين: (286)، غيبة النعماني: (127)، البحار: (51/109، 110، 114، 119)، إثبات الهداة: (3/463، 464، 486)، إعلام الورى: (400).

[9] غيبة الطوسي: (207)، البحار: (51/111) (52/112)، كمال الدين: (326)، إثبات الهداة: (3/473، 511).

[10] غيبة النعماني: (127)، روضة الكافي: (263)، البحار: (51/114) (52/110، 263).

[11] غيبة النعماني: (121، 122)، البحار: (51/139).

[12] غيبة النعماني: (115، 76)، كمال الدين: (2/16)، الكافي: (1/336)، غيبة الطوسي: (217، 205)، البحار:(52/156، 157، 228، 281)، إثبات الهداة: (3/473، 514، 533).

[13] البحار: (51/72).

[14] كمال الدين: (285، 287)، غيبة الطوسي: (207)، البحار: (51/68، 119، 135، 145) (52/101)، إثبات الهداة: (3/459، 463، 464، 472، 510، 532)، إعلام الورى: (400).

[15] غيبة الطوسي: (111)، غيبة النعماني: (89)، البحار: (52/153) (53/324).

[16] كمال الدين: (358)، غيبة الطوسي: (204)، البحار: (51/150) (52/113)، إثبات الهداة: (3/476).

[17] البحار: (24/100) (51/151)، نور الثقلين: (5/387)، الصافي: (5/206)، البرهان: (4/367)، إثبات الهداة: (3/476).

[18] البحار: (52/111، 135)، إثبات الهداة: (3/473).

[19] البحار: (51/160)، إثبات الهداة: (3/482).

[20] البحار: (53/6).