يتناول هذا المقال روايات الشيعة الإمامية حول سيرة المهدي المنتظر عند خروجه، كما وردت في كتبهم، مع التركيز على الأحداث المروية عنه مثل نبش قبري أبي بكر وعمر، وإقامة النقمة على أعدائه، وإجراءات القتل والتعذيب والرجعة. نعرض النصوص كما هي دون تعليق إنشائي، لإظهار حجم التضارب والخرافة والاختلاف الواضح في هذه العقائد، مع تأكيد أن هذه الروايات باطلة ومفترَة، وأن الشيعة الذين يؤمنون بها يتبعون فرقة ضالة بعيدة عن الإسلام الصحيح. يهدف المقال إلى توضيح حقيقة ما يعتقده القوم عن المهدي عند خروجه، والتمييز بين الواقع والخيال في هذه الروايات، وتبيان فساد الاعتماد على هذه النصوص كأساس للعقيدة أو الانتظار.

سيرته عند خروجه:

وعلى أي حال، لنتغاض عن كل ما ذكرناه، ولننظر ماذا سيصنع صاحبنا إذا خرج بعد كل هذه القرون من الانتظار والحيرة، وبعد أن يسمي بعضنا بعضاً كذابين، ويتفل بعضنا في وجوه بعض.

يروي القوم أن أول ما يفعله المهدي عند خروجه نبش قبري الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويفعل بهما الأفاعيل!

فعن بشير النبال قال: قال أبو عبدالله: هل تدري أول ما يبدأ به القائم؟ قلت: لا، قال: يخرج هذين رطبين غضين فيحرقهما ويذرهما في الريح، ويكسر المسجد[1].

وفي رواية: إذا قدم القائم وثب أن يكسر الحائط الذي على القبر، فيبعث الله تعالى ريحاً شديدة وصواعق ورعوداً، حتى يقول الناس: إنما ذا لذا، فيتفرق أصحابه عنه حتى لا يبقى معه أحد، فيأخذ المعول بيده، فيكون أول من يضرب بالمعول، ثم يرجع إليه أصحابه إذا رأوه يضرب المعول بيده، فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم على بعض بقدر سبقهم إليه، فيهدمون الحائط ثم يخرجهما غضين رطبين، فيلعنهما ويتبرأ منهما ويصلبهما، ثم ينزلهما ويحرقهما، ثم يذريهما في الريح[2].

ويبدو أن هذا التخاذل سمة عند أصحاب الأئمة.

وعن عبد العظيم الحسني، عن الجواد قال: فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عز وجل، فقلت: يا سيدي، وكيف يعلم أن الله قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما[3].

والمجلسي لما أورد الرواية في بحاره، لم يزد على أن قال في بيانه وكله حماس: يعني باللات والعزى صنمي قريش: أبا بكر وعمر[4].

وفي رواية: عن الصادق قال: فيخرج اللات والعزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذٍ أشد من فتنة العجل والسامري[5].

أقول: روايات إخراجهما رضي الله عنهما وحرقهما عديدة، وقد ذكرها العديد من علماء القوم[6]، فلذا لا أرى بأساً من ذكر تفاصيلها ليكون القارئ على بينة من أول عمل يقوم به مهدي القوم عند خروجه ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

يروي القوم عن المفضل، عن الصادق في قصة طويلة فيها أحوال المهدي عند خروجه، قال: ثم يسير إلى مدينة جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا وردها كان فيها مقام عجيب يظهر فيه سرور المؤمنين وخزي الكافرين، قال المفضل: يا سيدي، ما هو ذاك؟ قال: يرد إلى قبر جدي صلى الله عليه وسلم، فيقول: يا معاشر الخلائق، هذا قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم يا مهدي آل محمد، فيقول: ومن معه في القبر؟ فيقولون: صاحباه وضجيعاه صلى الله عليه وسلم، فيقول:وكيف دفنا من بين الخلق مع جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعسى المدفون غيرهما؟ فيقول الناس: يا مهدي آل محمد صلى الله عليه وسلم، ماههنا غيرهما، إنهما دفنا معه لأنهما خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا زوجتيه، فيقول للخلق بعد ثلاث: أخرجوهما من قبريهما، فيخرجان غضين طريين لم يتغير خلقهما ولم يشحب لونهما، فيقول: هل فيكم من يعرفهما؟ فيقولون: نعرفهما بالصفة وليس ضجيعاً جدك غيرهما، فيقول: هل فيكم أحد يقول غير هذا أو يشك فيهما؟ فيقولون: لا، فيؤخر إخراجهما ثلاثة أيام، ثم ينشر الخبر في الناس ويحضر المهدي ويكشف الجدران عن القبرين، ويقول للنقباء: ابحثوا عنهما وانبشوهما، فيبحثون بأيديهم حتى يصلون إليهما، فيخرجان غضين طريين كصورتهما، فيكشف عنهما أكفانهما، ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها، فتحيى الشجرة وتورق ويطول فرعها، فيقول المرتابون من أهل ولايتهما: هذا -والله- الشرف حقاً، ولقد فزنا بمحبتهما وولايتهما، ويخبر من أخفى نفسه ممن في نفسه مقياس حبة من محبتهما وولايتهما، فيحضرونهما ويرونهما ويفتنون بهما، وينادي منادي المهدي: كل من أحب صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعيه، فلينفرد جانباً، فيتجزأ الخلق جزأين: أحدهما: موالٍ، والآخر: متبرئ منهما، فيعرض المهدي على أوليائهما البراءة منهما، فيقولون: يا مهدي آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن لم نتبرأ منهما، ولسنا نعلم أن لهما عند الله وعندك هذه المنزلة، وهذا الذي بدا لنا من فضلهما، أنتبرأ الساعة منهما وقد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت من نضارتهما وغضاضتهما وحياة الشجرة بهما؟ بل والله نتبرأ منك وممن آمن بك ومن لا يؤمن بهما، ومن صلبهما، وأخرجهما، وفعل بهما ما فعل، فيأمر المهدي ريحاً سوداء، فتهب عليهم فتجعلهم كأعجاز نخلٍ خاوية، ثم يأمر بإنزالهما، فينزلان إليه فيحييهما بإذن الله تعالى، ويأمر الخلائق بالاجتماع، ثم يقص عليهم قصص فعالهما في كل كور ودور حتى يقص عليهم قتل هابيل بن آدم عليه السلام، وجمع النار لإبراهيم عليه السلام، وطرح يوسف عليه السلام في الجب، وحبس يونس عليه السلام في الحوت، وقتل يحيى عليه السلام، وصلب عيسى عليه السلام، وعذاب جرجيس ودانيال عليهما السلام، وضرب سلمان الفارسي، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين لإحراقهم بها، وضرب يد الصديقة الكبرى فاطمة بالسوط، ورفس بطنها وإسقاطها محسناً، وسم الحسن، وقتل الحسين، وذبح أطفاله وبني عمه وأنصاره، وسبي ذراري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإراقة دماء آل محمد صلى الله عليه وسلم، وكل دم سفك، وكل فرج نكح حراماً، وكل رين وخبث وفاحشة وإثم وظلم وجور وغشم منذ عهد آدم عليه السلام إلى وقت قيام قائمنا، كل ذلك يعدده عليهما، ويلزمهما إياه، فيعترفان به ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر، ثم يصلبهما على الشجرة، ويأمر ناراً تخرج من الأرض فتحرقهما والشجرة، ثم يأمر ريحاً فتنسفهما في اليم نسفاً، قال المفضل: يا سيدي، ذلك آخر عذابهما؟ قال: هيهات يا مفضل، والله ليردن وليحضرن السيد الأكبر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصديق الأكبر أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة، وكل من محَّض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، وليقتصن منهما جميعاً حتى إنهما ليقتلان في كل يوم وليلة ألف قتلة ويردان إلى ما شاء ربهما[7].

ولعلَّ عمله الثاني هو ما سيفعله بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.

فعن عبدالرحيم القصير، عن أبي جعفر قال: أما لو قام قائمنا لقد ردت إليه الحميراء حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة منها، قلت: جعلت فداك، ولم يجلدها الحد؟ قال: لفريتها على أم إبراهيم عليه السلام، قلت: فكيف أخره الله للقائم؟ فقال له: إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة، وبعث القائم نقمة[8].

وحيث إن صاحبنا سيكون نقمة، لذا فليس من المستبعد أن يضع القوم ما يناسب نقمته وينسون اللطف والعدل، أو إن شئت الدقة فقل: نقمة القوم.

عن الصادق قال: إذا قام القائم من آل محمد صلى الله عليه وسلم أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات، قيل: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم منهم ومن مواليهم[9].

وفي رواية: تقول قريش: اخرجوا بنا إلى هذا الطاغية، فوالله أن لو كان محمدياً ما فعل، ولو كان علوياً ما فعل، ولو كان فاطمياً ما فعل[10].

وهذا مصداق لروايتهم عن الصادق: إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف وما يأخذ منها إلا السيف[11].

وللقوم في تفسير مثل هذه الروايات قول طريف يسمى بالرجعة، وهو أن الله تعالى يعيد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز فريقاً ويذل فريقاً آخر، وذلك عند قيام المهدي[12].

وعلى أي حال، ليس هذا الكتاب محل تناول هذه العقيدة، ولكن نواصل حديثنا عن سيرته عند خروجه حسب روايات القوم.

 

 

[1] البحار: (52/386).

[2] المصدر السابق.

[3] كمال الدين: (352)، البحار: (52/283)، إثبات الهداة: (3/469).

[4] البحار: (52/284).

[5] كمال الدين: (1/364)، عيون الأخبار: (1/58)، البحار: (36/245) (52/379).

[6] انظر إن شئت: إثبات الهداة: (1/476)(3/584)، عيون الأخبار:(1/61)، كمال الدين:(146)، دلائل الإمامة: (238)، نور الثقلين: (3/120).

[7] البحار: (53/12).

[8] علل الشرايع: (2/267)، البحار: (52/314)، إثبات الهداة: (3/498)، دلائل الإمامة: (256).

[9] الإرشاد: (343)، غيبة النعماني: (155)، البحار: (52/338، 349)، إعلام الورى: (431)، إثبات الهداة: (3/527، 540).

[10] تفسير العياشي: (2/57)، البحار: (52/342)، وانظر أيضاً: إثبات الهداة: (3/539).

[11] غيبة النعماني: (155)، البحار: (52/355)، إثبات الهداة: (3/540).

[12] عقائد الإمامية: (104).