الصدوق يتهم الكليني بالقول بتحريف القرآن – والمرتضى يعرض على القمي: تناقضات الرواية والدفاع المتأخر
تُعدّ مسألة القول بتحريف القرآن من أخطر القضايا العقدية التي ابتُلي بها التراث الإمامي، لما يترتب عليها من الطعن في أصل الوحي وإسقاط مرجعية القرآن الكريم. وقد كشفت كتبهم المعتمدة عن جدلٍ داخليٍّ واسعٍ بين أعلام المذهب حول نسبة هذا القول إلى كبار المحدثين، وعلى رأسهم محمد بن يعقوب الكليني صاحب الكافي. ويزداد هذا الجدل تعقيدًا حين يُنسب إلى الشيخ الصدوق – وهو من أعمدة الإمامية – أنه اتهم الكليني بالقول بتحريف القرآن، مستندًا إلى روايات أوردها في الكافي دون التعرض لردّها أو الطعن فيها.
وتحاول اتجاهاتٌ لاحقة نفي هذه النسبة، بزعم أن نقل الروايات لا يستلزم اعتقاد مضمونها، وأن الكليني قد يكون حملها على التقية أو فوض علمها إلى الراسخين. غير أن هذا الدفاع يصطدم بإشكالاتٍ جوهرية، أهمها أن الصدوق كان أعرف بمذهب الكليني من غيره، وأن إنكاره للتحريف جاء متأخرًا بدافع الحفاظ على أساس الإسلام ودفع الوهن عن المذهب، لا لعدم ورود روايات التحريف في مصادرهم.
تهدف هذه المقالة إلى تفكيك هذا الجدل، وبيان أن الاتهام المتبادل بين أعلام الإمامية، مع اعتراف السيد المرتضى بوجود «قوم من أصحاب الحديث» قالوا بالتحريف – وعلى رأسهم علي بن إبراهيم القمي ومن كان على شاكلته – يكشف تناقضًا بنيويًا في المذهب، ويؤكد أن القول بتحريف القرآن لم يكن وهمًا أو افتراءً، بل رأيًا حاضرًا في مصادرهم الأولى، قبل أن تبدأ محاولات الإنكار والدفاع المتأخر.
الــوثــيــــــــــــــــقــة:
والعجب مع هذا الكلام من الصدوق إنه نسب إلى الكليني رضوان الله عليه الذي هو من مجددي المذهب الجعفري القول بتحريف القرآن "، مستنداً إلى نقله بعض الروايات التي وردت في هذا المعنى، وعدم تعرضه للقدح فيها، مع ذكره في أول الكافي إنه كان بيق بما رواه فيه، فإنه لا دلالة لنقل الروايات والوثوق بصدورها على اعتقاد الناقيل بمضمونها أو إفتائه به، لإمكان حملها على محامل كالتقية أو غيرها، أو رد الناقل علمها إلى الراسخين في العلم، مع أن الصدوق الله كان أعرف بمذهب الكليني الله من غيره، وكيف يمكن تكذيبه نسبة التحريف إلى الإمامية مع قول شيخه به.
والظاهر أن الصدوق له لعلمه بإجماع الإمامية، ودلالة روايات كثيرة، بل الكتاب المجيد على عدم تحريفه، وملاحظة لزوم الوهن من القول به في أساس الإسلام، وتواتر الكتاب أعرض عن الروايات الكثيرة الدالة على وقوع التحريف فيه، مع إنه لغاية تعبده بظواهر الأخبار ذهب إلى القول بجواز السهو على النبي.
نعم، نسب السيد المرتضى الله الخلاف في ذلك إلى قوم من أصحاب الحديث من الإمامية مع تخطيئة لهم قال: أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته..
ولعل في قوله: (مضاف إلى قوم دلالة على عدم ثبوت النسبة عنده، والمراد من (أصحاب الحديث علي بن إبراهيم القمي الله ومن هَذَا حَذْوَه
قال القمي له في تفسيره:
وأما ما كان خلاف ما أنزل الله، فقوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أخرجتْ...﴾
اعتقادات الصدوق: ۹۳
.. لم تجد في سائر مصنفات الشيخ الصدوق أي تصريح أو تلميح بنسبة القول بالتحريف إلى ثقة الإسلام الكليني، كما لم نجد أحداً نقله عن الشيخ الصدوق، وقد استند بعض المحدثين الذين نسبوا إلى الشيخ الكليني القول بالتحريف (كالفيض في الصافي (٤٧:١) على جمله من روايات الكافي، مع إنه لا توجد في الكافي رواية وأحدة تدل دلالة صريحة على التحريف، ولكن اشتبه عليهم حالى بعض الروايات، وهي أحدى وستون رواية فقط بجميع أجزاء الكافي، لظهورها باختلاف القراءة أو التفسير، فعدوا ذلك من أصل المصحف، وقد بينت بعض الدراسات الحديثة
ذلك بكل تفصيل راجع دفاع عن الكافي ٢١٩:٣ - ٥٠١
مجمع البيان: ٨٣ تفسير الصافي ٤٧:١