تعليمات النبي صلى الله عليه وسلم في الرد على المعتدي: لا تكوني فاحشة
في هذا المقال نسلط الضوء على أحد أبرز التوجيهات النبوية الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي جاءت عبر أم المؤمنين رضي الله عنها، عائشة، حين أمرها النبي قائلاً: "لا تكوني فاحشة"، بعد ردها على اليهود بطريقة شديدة في الكلمات. هذه الرواية، التي وردت في صحيح مسلم، تكشف عن أهمية ضبط النفس في الرد على المعتدين، وضبط الحياء والاعتدال في الكلام، حتى في مواجهة الظالمين والمتجاوزين.
ويظهر من دراسة الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن الدفاع عن الحق أو الرد على المعتدي، بل عن تجاوز الحد في الرد أو استخدام ألفاظ فاحشة، مما يشكل توجيهًا للأمة الإسلامية عامة في التعامل مع الاعتداء اللفظي أو الإهانات، مع مراعاة الأدب والخلق الحسن.
على النقيض من ذلك، تظهر كتب الشيعة الإمامية أن بعض الأئمة عليهم السلام استخدموا ألفاظاً قوية في الرد على المخالفين، بما في ذلك الألفاظ التي تصف الشخص بكونه ابن زنا أو غيره من الصفات الشديدة، وهو ما يبين تناقضات في تفسيرهم لمفهوم "الفحش" مقارنة بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
رواية لا تكوني فاحشة:
قال الإمام مسلم: "حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أتى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أبا الْقَاسِمِ قَالَ: «وَعَلَيْكُمْ» قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَائِشَةُ «لَا تَكُونِي فَاحِشَةً» فَقَالَتْ: مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: " أَوَلَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمِ الَّذِي قَالُوا، قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ "
صحيح مسلم - بَابُ النَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أهل الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ - ج 4 ص 1706
فالمراد من كلام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا تتعدي بالجواب عليهم لا اكثر، وهذا توجيه نبوي للامة من خلال أم المؤمنين رضي الله عنها في عدم الزيادة على المتعدي في اعتدائه، فأم المؤمنين رضي الله عنها من حبها، ونصرتها لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم اغلظت في ردها على هؤلاء اليهود فنبهها النبي صلى الله عليه واله وسلم بإنه رد عليهم بما يتناسب.
قال الإمام ابن منظور:
"ومنه الحديث قال لعائشة لا تقولي ذلك فإِن اللَّه لا يُحبُّ الفُحْشَ ولا التفاحُشَ أَراد بالفُحْش التعدّي في القول والجواب لا الفُحْشَ الذي هو من قَذَعِ الكلام ورديئه "
لسان العرب – محمد بن مكرم بن منظور - ج 6 ص 325، والنهاية في غريب الأثر - أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري - ج 3 ص 790
وقال الإمام النووي:
"وَأَمَّا سَبُّهَا لَهُمْ فَفِيهِ الِانْتِصَارُ مِنَ الظَّالِمِ وَفِيهِ الِانْتِصَارُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ مِمَّنْ يُؤْذِيهِمْ وَأَمَّا الْفُحْشُ فَهُوَ الْقَبِيحُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَقِيلَ الْفُحْشُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَغَافُلِ أهل الْفَضْلِ عَنْ سَفَهِ الْمُبْطِلِينَ إذا لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ "
شرح صحيح مسلم – يحيى بن شرف النووي – ج 14 ص 147
فالحديث كله يتعلق بنصرة أم المؤمنين ومحبتها لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ولكن النبي صلى الله عليه واله وسلم بين لها أن التجاوز في الرد لا يصح.
ولقد ورد في كتب الإمامية أن الائمة قد سبوا الاعراض، فهل سيقول الرافضة أن كلام الائمة فاحش؟!
قال الصفار:
" حدثنا إبراهيم بن إسحاق عن عبد الله بن حماد عن الحرث بن حصين عن الأصبغ بن نباته قال كنا وقوفا على رأس أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة وهو يعطى العطا في المسجد إذا جاءته أمراء فقالت يا أمير المؤمنين عليه السلام أعطيت العطا جميع الاحياء إلا هذا الحي من مراد لم تعطهم شيئا فقال لها اسكتي يا جرية يا بذية يا سلفع يا سلق أو يامن لا تحيض كما تحيض النساء قال فولت ثم خرجت من المسجد فتبعها عمرو بن حريث.... "
بصائر الدرجات - محمد بن الحسن الصفار - ص 377 – 378
وقال المجلسي:
" 16 - الاختصاص، بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن غير وأحد منهم بكار بن كردم وعيسى بن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعناه وهو يقول: جاءت امرأة شنيعة إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو على المنبر وقد قتل أباها وأخاها، فقالت: هذا قاتل الأحبة فنظر إليها فقال لها: يا سلفع يا جريئة يا بذية يا مذكرة، يا التي لا تحيض كما تحيض النساء، يا التي على هنها شيء بين مدلى قال: فمضت وتبعها عمرو بن حريث لعنه الله - وكان عثمانيا - فقال لها: أيتها المرأة ما يزال يسمعنا ابن أبي طالب العجائب فما ندري حقها من باطلها، وهذه داري فأدخلي فإن لي أمهات أولاد حتى ينظرن حقا أم باطلا، وأهب لك شيئا، قال: فدخلت، فأمر أمهات أولاده فنظرن، فإذا شيء على ركبها مدلى، فقالت: يا ويلها اطلع منها علي بن أبي طالب عليه السلام على شيء لم يطلع عليه إلا أمي أو قابلتي، قال: فوهب لها عمرو بن حريث لعنه الله شيئا. الخرائج: عنه عليه السلام مثله.
أقول: رواه ابن أبي الحديد من كتاب الغارات عن محمد بن جبلة الخياط عن عكرمة عن يزيد الأحمسي، وفيه " يا سلقلق ويا جلعة " ثم قال ابن أبي الحديد: السلقلق: السليط، وأصله من السلق، وهو الذئب.
والجلعة: البذية اللسان. والركب: منبت العانة "
بحار الأنوار - المجلسي - ج 41 - ص 293 – 294
هل يجوز لعلي رضي الله عنه أن يكلم امرأة في المسجد مثل هذا الكلام؟!
وقال الكليني:
" 538 - محَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أحمد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وأبو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ جَمِيعاً عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ كان أبو جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَذَكَرَ بَنِي أُمَيَّةَ ودَوْلَتَهُمْ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إِنَّمَا نَرْجُو أن تَكُونَ صَاحِبَهُمْ وأن يُظْهِرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذَا الْأمر عَلَى يَدَيْكَ فَقَالَ مَا أَنَا بِصَاحِبِهِمْ ولَا يَسُرُّنِي أن أَكُونَ صَاحِبَهُمْ أن أَصْحَابَهُمْ أَوْلَادُ الزِّنَا أن اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ سِنِينَ ولَا أَيَّاماً أَقْصَرَ مِنْ سِنِينِهِمْ وأَيَّامِهِمْ أن اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَأمر الْمَلَكَ الَّذِي فِي يَدِهِ الْفَلَكُ فَيَطْوِيهِ طَيّاً "
الكافي – الكليني – ج 8 ص 341
المعصوم جالس في المسجد الحرام ويطعن بالأعراض، هل كلمة اولاد الزنا كلمة فاحشة؟!.
وقال: " 16 - عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ ضُرَيْسٍ الْكُنَاسِيِّ قَالَ قَالَ أبو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) مِنْ أَيْنَ دَخَلَ عَلَى النَّاسِ الزِّنَا قُلْتُ لَا أَدْرِي جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ مِنْ قِبَلِ خُمُسِنَا أهل الْبَيْتِ إلا شِيعَتَنَا الْأَطْيَبِينَ فَإنه مُحَلَّلٌ لَهُمْ لِمِيلَادِهِمْ "
الكافي – الكليني – ج 1 ص 546
وفي الكافي:
" عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أبي حَمْزَةَ عَنْ أبي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ قُلْتُ لَهُ أن بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَفْتَرُونَ ويَقْذِفُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فَقَالَ لِي الْكَفُّ عَنْهُمْ أَجْمَلُ ثُمَّ قَالَ واللَّهِ يَا أبا حَمْزَةَ أن النَّاسَ كُلَّهُمْ أَوْلَادُ بَغَايَا مَا خَلَا شِيعَتَنَا "
الكافي – الكليني – ج 8 ص 325
وقال محمد تقي المجلسي:
«و قال الصادق عليه السلام إلخ» رواه الكليني في الحسن كالصحيح، عن حريز عنه عليه السلام «و إذا رماها المؤمن التقفها» أي أخذها «الملك» تيمنا «و إذا رماها الكافر» أي غير المؤمن فإنهم كفار مخلدون في النار وأن قلنا بطهارتهم «قال الشيطان باستك» أي بدبرك «ما رميت» "
روضة المتقين – محمد تقي المجلسي – ج 5 ص 381
وقال الصدوق:
"3171 - وقال الصادق عليه السلام: " أن الله تبارك وتعالى يبدأ بالنظر إلى زوار قبر الحسين بن علي عليهما السلام عشية عرفة، قيل له: قبل نظره إلى أهل الموقف؟ قال: نعم، قيل له وكيف ذاك؟ قال: لان في أولئك أولاد زنا وليس في هؤلاء أولاد زنا"
من لا يحضره الفقيه - الصدوق - ج 2 ص 580
وقال محمد تقي المجلسي:
«وقال الصادق عليه السلام» رواه المصنف في الصحيح والشيخ في القوي، عن عن علي بن أسباط، عن بعض أصحابنا عنه عليه السلام أي لا يوفق أولاد الزنا لزيارته عليه السلام فلهذا يبدأهم الله بنظر الرحمة والمغفرة "
روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه – محمد تقي المجلسي – ج 5 ص 381