التكفير في التراث الإمامي: قراءة نقدية في نصوص الكافي ومرآة العقول وأقوال المتقدمين

تُعد مسألة التكفير من أخطر القضايا العقدية التي تناولتها المدارس الإسلامية عبر تاريخها، لما يترتب عليها من آثار دينية وفقهية واجتماعية بالغة الخطورة. ومن هنا كان لزامًا دراسة النصوص المنقولة في المصادر المعتمدة عند الإمامية الاثني عشرية، وعلى رأسها كتاب الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، وما أورده شُرّاحه مثل محمد باقر المجلسي في مرآة العقول، وغيرهما من كتب المتأخرين.

هذا المقال لا يهدف إلى الطعن أو التحريض، وإنما إلى عرض النصوص كما وردت، وتحليل دلالاتها، وبيان ما يترتب عليها من إشكالات عقدية، خاصة فيما يتعلق بالحكم على المخالفين، وحدود مفهوم "ملة الإسلام" في بعض الروايات، ومدى اتساق ذلك مع الأصول العامة في باب الإيمان والكفر.

سنقف عند نصوص صريحة وردت في الكافي، وما قرره المجلسي من دلالتها، ثم نعرض أقوال علماء آخرين مثل المفيد والصدوق، مع تحليل علمي هادئ لمفهوم "المخالف" وحدوده.

ورد في الكافي:

 " عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُهْتَدِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنْدَبٍ إنه كَتَبَ إِلَيْهِ الرِّضَا (عليه السلام) أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) كان أَمِينَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فَلَمَّا قُبِضَ (صلى الله عليه وآله) كُنَّا أهل الْبَيْتِ وَرَثَتَهُ فَنَحْنُ أُمَنَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ عِنْدَنَا عِلْمُ الْبَلَايَا والْمَنَايَا وأَنْسَابُ الْعَرَبِ ومَوْلِدُ الْإسلام وأنا لَنَعْرِفُ الرَّجُلَ إذا رَأَيْنَاهُ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وحَقِيقَةِ النِّفَاقِ وإِنَّ شِيعَتَنَا لَمَكْتُوبُونَ بِأَسْمَائِهِمْ وأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْنَا وعَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ يَرِدُونَ مَوْرِدَنَا ويَدْخُلُونَ مَدْخَلَنَا لَيْسَ عَلَى مِلَّةِ الْإسلام غَيْرُنَا وغَيْرُهُمْ......."

الكافي – الكليني - ج1 ص223 – 224، قال المجلسي في مرآة العقول – حسن – ج 3 ص 14

قال المجلسي في شرحه للرواية:

 " ليس على ملة الإسلام غيرنا" (8) يدل على كفر المخالفين " مرآة العقول – محمد باقر المجلسي - ج 3 ص15

وفي الحدائق الناضرة:

" ثم الترجيح بالعرض على مذهب القوم والأخذ بخلافهم، لاستفاضة الأخبار بالأخذ بخلافهم وإن لم يكن في مقام التعارض أيضًا كما تدل عليه جملة من الأخبار.

 (منها) رواية علي بن أسباط المروية في التهذيب وعيون الأخبار، وفيها ما يدل على " إنهم متى أفتوا بشيء فالحق في خلافه " وفي صحيحة محمد بن إسماعيل ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام): " إذا رأيت الناس يقبلون على شيء فاجتنبه " وفي صحيحة أبي بصير المروية فرسالة الراوندي المتقدم ذكرها عن أبي عبد الله (عليه السلام): " ما أنتم والله على شيء ولا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء " وفي بعض الأخبار: " والله لم يبق في أيديهم إلا استقبال القبلة "

الحدائق الناضرة - يوسف البحراني - ج 1 ص 110

وقال الحر العاملي:

 "باب 30 - عدم جواز العمل بما يوافق العامة وطريقتهم ولو من أحاديث الأئمة ع مع المعارض وأن ما لا نص فيه إذا احتاج الإنسان إلى حكمه وجب أن يسأل عنه علماء العامة ويأخذ بخلاف قولهم........

[880] 9 - وقوله ع: ما أنتم والله على شيء مما هم فيه ولا هم على شيء مما أنتم فيه فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء "

الفصول المهمة في أصول الأئمة - الحر العاملي - ج 1 ص 575 – 577

وفي الكافي:

" عَنْهُ عَنْ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَأَلْتُ أبا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُخَالِفِينَ فَقَالَ مَا هُمْ عِنْدِي إلا بِمَنْزِلَةِ الْجُدُرِ "

الكافي – الكليني - ج 3 ص 37، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – صحيح – ج 15 ص 255

وقال المجلسي معلقا على الرواية: " قوله عليه السلام:" بمنزلة الجدر "

(2) أي لا يعتد بصلاتهم وقراءتهم ولا يضر قربهم، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن الاقتداء بهم " مرآة العقول – محمد باقر المجلسي – ج 15 ص 255

وفي الكافي:

 " 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن منصور بن يونس عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أهل الشام شر من أهل الروم وأهل المدينة شر من أهل مكة وأهل مكة يكفرون بالله جهرة"

الكافي – الكليني – ج 2 ص 410، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق – ج 11 ص 219

وفي الكافي أيضًا: " 4 -عدةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام قال: أن أهل مكة ليكفرون بالله جهرة وإن أهل المدينة أخبث من أهل مكة، أخبث منهم سبعين ضعفا "

الكافي – الكليني – ج 2 ص 410، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق – ج 11 ص 220

قال المفيد:

" القول في أصحاب البدع وما يستحقون عليه من الأسماء والأحكام واتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم، فإن تابوا عنبدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لرددتهم عن الإيمان، وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار " اهـ

أوائل المقالات - المفيد - ص 49

قال الزنجاني:

" قوله في القول 16 (في أصحاب البدع وما يستحقون عليه من الأسماء والأحكام).

 أقول: المراد بأصحاب البدع أصحاب المذاهب الباطلة التي تدعي الإسلام، ولكنها زادت فيه أو نقصت بما جعلته مذهبا آخر غير الشيعة الإمامية التي هي الإسلام الصحيح وعليه فإن كان لشخص أو جماعة آراء شاذة قليلة في أمور من فروع الدين أو في جزئيات أصول الدين لا في أصلها بحيث لا يلزم إنكار ضروري الدين فهم ليسوا من أصحاب البدع، وإن كان لهم آراء مخالفة في فروع الدين أو أصوله في الأمور الضرورية، فهؤلاء من أصحاب البدع سواء صدق عليهم اسم فرقة من الفرق الموجودة، أو لا بأن اخترع مذهبا جديدا لا يصدق عليه شيء منها.

والنسبة بين هذا البحث والبحث السادس الذي بحث فيه عن كفر من أنكر وأحدا من الأئمة نسبة العموم والخصوص مطلقا، فإن من أنكر وأحدا من الأئمة يكون من أهل البدع، غاية الأمر لأهمية مسألة الإمامة وكونها الفارق الأصلي للإمامية عن غيرها عنونه مستقلا " اهـ

تعليقات على أوائل المقالات – ابراهيم الانصاري الزنجاني - ص 294 – 295

بل أن الصدوق يصرح بان من خالفهم في شيء وأحد من امور الدين فقد خالفهم في جميع امور الدين، حيث قال: " واعتقادنا فيمن خالفنا في شيء من أمور الدين كاعتقادنا فيمن خالفنا في جميع امور الدين " اهـ

الاعتقادات في دين الإمامية - الصدوق - ص 110

في الكافي:

 "عَنْهُ عَنْ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَأَلْتُ أبا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُخَالِفِينَ فَقَالَ مَا هُمْ عِنْدِي إلا بِمَنْزِلَةِ الْجُدُرِ " اهـ

الكافي – الكليني - ج 3 ص 373، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – صحيح – ج 15 ص 255

قال المجلسي:

" قوله عليه السلام:" بمنزلة الجدر" أي لا يعتد بصلاتهم وقراءتهم ولا يضر قربهم، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن الاقتداء بهم " اهـ

مرآة العقول – محمد باقر المجلسي - ج‏ 15 - ص 255

وقال البحراني:

 " وفي صحيحة أبي بصير المروية في رسالة الراوندي المتقدم ذكرها عن أبي عبد الله (عليه السلام): " ما أنتم والله على شيء ولا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء " وفي بعض الأخبار والله لم يبق في أيديهم إلا استقبال القبلة " اهـ

الحدائق الناضرة - البحراني - ج 1 - ص 110

وقال الحر العاملي:

 " باب 30 - عدم جواز العمل بما يوافق العامة وطريقتهم ولو من أحاديث الأئمة ع مع المعارض وأن ما لا نص فيه إذا احتاج الإنسان إلى حكمه وجب أن يسأل عنه علماء العامة ويأخذ بخلاف قولهم

[880] 9 - وقوله ع: ما أنتم والله على شيء مما هم فيه ولاهم على شيء مما أنتم فيه فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء" اهـ.

الفصول المهمة في أصول الأئمة – الحر العاملي - ج 1 ص 575 – 577

وفي الكافي:

" 1 - عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُهْتَدِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنْدَبٍ إنه كَتَبَ إِلَيْهِ الرِّضَا (عليه السلام) أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) كان أَمِينَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فَلَمَّا قُبِضَ (صلى الله عليه وآله) كُنَّا أهل الْبَيْتِ وَرَثَتَهُ فَنَحْنُ أُمَنَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ عِنْدَنَا عِلْمُ الْبَلَايَا والْمَنَايَا وأَنْسَابُ الْعَرَبِ ومَوْلِدُ الْإسلام وأنا لَنَعْرِفُ الرَّجُلَ إذا رَأَيْنَاهُ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وحَقِيقَةِ النِّفَاقِ وإِنَّ شِيعَتَنَا لَمَكْتُوبُونَ بِأَسْمَائِهِمْ وأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْنَا وعَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ يَرِدُونَ مَوْرِدَنَا ويَدْخُلُونَ مَدْخَلَنَا لَيْسَ عَلَى مِلَّةِ الْإسلام غَيْرُنَا وغَيْرُهُمْ نَحْنُ النُّجَبَاءُ النُّجَاةُ ونَحْنُ أَفْرَاطُ الْأَنْبِيَاءِ ونَحْنُ أَبْنَاءُ الْأَوْصِيَاءِ ونَحْنُ الْمَخْصُوصُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ونَحْنُ أَوْلَى النَّاسِ بِكِتَابِ اللَّهِ ونَحْنُ أَوْلَى النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) ونَحْنُ الَّذِينَ شَرَعَ اللَّهُ لَنَا دِينَهُ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ شَرَعَ لَكُمْ يَا آلَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً قَدْ وَصَّانَا بِمَا وَصَّى بِهِ نُوحاً والَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ وما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى فَقَدْ عَلَّمَنَا وبَلَّغَنَا عِلْمَ مَا عَلِمْنَا واسْتَوْدَعَنَا عِلْمَهُمْ نَحْنُ وَرَثَةُ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ أن أَقِيمُوا الدِّينَ يَا آلَ مُحَمَّدٍ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وكُونُوا عَلَى جَمَاعَةٍ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَنْ أَشْرَكَ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ وَلَايَةِ عَلِيٍّ أن اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ مَنْ يُجِيبُكَ إلى وَلَايَةِ عَلِيٍّ (عليه السلام) " اهـ.

الكافي – الكليني - ج 1 ص 223 - 224، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن – ج 3 ص 14