يمثل موضوع التكفير من أخطر القضايا العقدية التي أثّرت في تاريخ الأمة الإسلامية، لما يترتب عليه من أحكام دينية واجتماعية وسياسية جسيمة. وقد اختلفت الفرق الإسلامية في ضبط هذا المفهوم وتحديد ضوابطه الشرعية، بين من توسع فيه حتى جعله أداة لإقصاء المخالفين، وبين من تشدد في الاحتراز منه خشية الوقوع في تكفير المسلمين بغير حق.
ومن بين الفرق التي دار حولها جدل واسع في هذا الباب: الإمامية الاثنا عشرية، حيث نُقلت عن بعض علمائهم ومصادرهم التراثية أقوال تتعلق بتكفير طوائف من المسلمين، وموقفهم من الصحابة، إضافة إلى ما ورد في بعض كتبهم من روايات تتعلق بمسألة تحريف القرآن الكريم، وهي مسألة تمس أصل الدين وأساس الوحي.
ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه القضايا عرضًا علميًا موثقًا، مع بيان موقف أهل السنة والجماعة منها، والكشف عن التناقض الظاهر بين التشديد في قضايا الإمامة، والتساهل في بعض الأقوال المتعلقة بالقرآن الكريم، وذلك من خلال تتبع النصوص المنسوبة إلى علماء الإمامية وتحليلها في ضوء أصول الاعتقاد الإسلامي.
ولا يقصد هذا البحث إثارة الفتنة أو الدعوة إلى الخصومة، بل يهدف إلى بيان الحق بالحجة والدليل، والتحذير من المسالك العقدية التي تخالف صريح القرآن والسنة، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
الشيعة وتكفير فرق الشيعة:
وقد حكموا بكفر طوائف عديدة من فرق الإمامية الشيعية كالفطحية والواقفية والشيخية والناووسية والزيدية.
وكفروا صحابة رسول الله r. شكرا لهم على استثنائهم ثلاثة من الصحابة المرتدين أو سبعة من حكم الردة.
وكفروا من وقع في بدعة من البدع، مع أن البدع تنقسم إلى بدعة مكفرة وبدع غير مكفرة.
وكفروا الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان بالخلافة. واعتبروهم شرا من إبليس ووصفوهم بالأوثان وبالجبت والطاغوت.
وكفروا كل من أقر لهم بالخلافة وإن كان مقرا بخلافة علي بن أبي طالب بعدهم.
وكفروا أهل السنة واعتروهم مخلدين في النار مع المشركين وإن لم يكونوا ناصبوا أهل البيت العداء. بل مجرد الإقرار بإمامة أبي بكر وعمر كاف بكفرهم.
وكفروا الأشاعرة ووصفوهم بأنهم مجوس هذه الأمة وأنهم في معرفة الرب شر من اليهود والنصارى والمشركين.
وكفروا من أسموهم بالوهابية وصرحوا بأنهم لا علاقة لهم بالإسلام من قريب ولا من بعيد.
كل هذا وهم يظهرون للمسلمين بالبعد عن التكفير والحرص على التقارب والمطالبة بالتوحيد حفاظا على وحدة كلمة المسلمين مستغلين جهل الناس بما في كتبهم، مصرين في نفس الوقت على اعتقاد ما فيها.
متى يتورع الشيعة عن التكفير
يتورع الشيعة عن التكفير إذا قال مشايخهم بتحريف القرآن.
إذا قال الخميني بأن الله متحد بالحقيقة المحمدية، المتحدة هي أيضا بعلي بن أبي طالب
(شرح دعاء السحر ص78).
أين تكفير القائلين بتحريف القرآن؟
ومع هذا التكفير الصريح تعجز أن تجد نصاً صريحاً من كتب الشيعة بكفر من زعم أن القرآن وقع فيه النقصان والتغيير وتعرض للتحريف. والسبب أن القول بالتحريف من ضرورات المذهب لأنه كان وسيلة الصحابة لحرمان أهل البيت حق الإمامة.
ويقول هاشم البحراني في مقدمة البرهان «وعندي في وضوح صحة هذا القول (يعني بتحريف القرآن) بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وأنه من أكبر مقاصد غصب الخلافة»
(مقدمة البرهان – الفصل الرابع ص49).
يعني أنهم حرفوا القرآن ليتمكنوا من غصب الخلافة.
ولهذا جاء المجلسي ليتهم الصحابة بأنهم يضعون الآيات في غير مواضعها لمصالحهم الدنيوية. قال «فلعل آية التطهير أيضا وضعوها في موضع زعموا أنها تناسبه، أو أدخلوها في سياق مخاطبة الزوجات لبعض مصالحهم الدنيوية، وقد ظهر من الأخبار عدم ارتباطها بقصتهن... ولو سلم عدم التغيير في الترتيب فنقول: سيأتي أخبار مستفيضة بأنه سقط من القرآن آيات كثيرة... فلعله سقط مما قبل الآية وما بعدها آيات لو ثبتت لم يفت الربط الظاهري بينها، وقد وقع في سورة الأحزاب بعينها ما يشبه هذا»
(بحار الأنوار35/24).
تحريف القرآن ثابت عندهم بالتواتر
وقد جاء شارح الكافي (المازندراني) برواية في كتاب سليم بن قيس ليؤكد بها نقص القرآن وفيها « أن أمير المؤمنين (u) بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لزم بيته وأقبل على القرآن يجمعه ويؤلفه فلم يخرج من بيته حتى جمعه كله وكتب على تنزيله الناسخ والمنسوخ منه والمحكم والمتشابه والوعد والوعيد وكان ثمانية عشر ألف آية».
ثم قال « إن الزائد على ذلك مما في الحديث سقط بالتحريف وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها»
(شرح أصول الكافي11/87).
فلهذا تجدهم أطلقوا عنان التكفير في كل شيء إلا في حق من صرّح منهم بنقصان القرآن وتغييره وتحريفه. لأنهم كلهم متورطون بهذا القول. ولو أعلنوا هذا الحكم بالكفر لما تبقى من مشايخهم أحد إلا ودخل في هذا الحكم لأنهم متسالمون على القول بالتحريف.
التكفير عندهم مرتبط بمصلحة المذهب لا بحق الله
فالتكفير إذن عند الرافضة مرتبط بمدى تأثير المخالف على كيان المذهب. فمن كان مع المذهب فلا يمكن تكفيره حتى لو كان يقول بتحريف القرآن.
وفي هذه صور ومواقف متضادة:
القائلون بتحريف القرآن: لم نر من الرافضة إلا التستر عليهم، والدفاع عنهم والاعتذار بأنهم اجتهدوا فأخطأوا. فلماذا لا تعتبرون منكر إمامة الإثني مجتهداً حتى حكمتم بكفره وردته ونصبه وأحللتم دمه؟
وربما قالوا بأن هؤلاء القائلين بتحريف القرآن كانوا يقولون لا إله إلا الله. فكيف نكفرهم وهم يقولون كلمة التوحيد؟
وأبو بكر وعمر والصحابة ألم يكونوا يقولون لا إله إلا الله؟ فلماذا ارتدوا عندكم كما سوف تسمعون؟
فاسمعوا ماذا يقولون فيهم:
صورة حسين الفهيد: الذي يعتبرونه أسد الولاية. كما في موقع البينات الرافضي. وهو الذي زعم أن علياً أخذ العهد على بني آدم منذ الأزل ألست بربكم؟ وأنه منشئ الأنام وأنه خالق. وأنه مدبر النجوم وأنه المتكلم بالوحي.
صورة حسين فضل الله: الذي يعتبرونه ضالا مضلا بل لوحوا بكفره لأمور هي أقل بكثير من ضلالات الفهيد.
وهناك فرق أخرى كفرقة علي اللاهية التي يعتقد أبناؤها بأن عليا ليس بإله ولا دون الإله. حكم عليهم خامنيئي بأنهم غير كفار ما دام أنهم لا يشركون بالله تعالى. والصحيح أنهم ما داموا عندهم المغالاة في أهل البيت فلا يعود من الهين تكفيرهم.
فالقرآن هو الثقل الأكبر ولكن لا يكفر الطاعن فيه!!
أما الإمامة وهي الثقل الأصغر فيكفر الطاعن فيها!!