الخلاف بين الإخباريين والأصوليين في الإمامية الاثني عشرية وأثره في التكفير والتنازع الداخلي

شهدت الإمامية الاثنا عشرية في القرون المتأخرة انقسامًا داخليًا بارزًا تمثّل في ظهور اتجاهين رئيسين: الاتجاه الإخباري الذي يرفض الاجتهاد القياسي ويقصر الاستدلال على الأخبار والروايات، والاتجاه الأصولي الذي اعتمد قواعد أصول الفقه والاجتهاد العقلي في استنباط الأحكام. وقد تحوّل هذا الخلاف المنهجي من اختلاف علمي في وسائل الاستدلال إلى صراع عقدي واجتماعي حاد، نتجت عنه حملات تشنيع متبادلة، وأحكام قاسية بلغت حدّ التكفير والتبديع، والطعن في العلماء، والتشكيك في ديانتهم ومؤلفاتهم.

وتشير المصادر الإمامية نفسها إلى أن هذا الانقسام لم يكن مجرد تباين في الرأي، بل تطوّر إلى قطيعة بين أتباع الاتجاهين، حتى وصل الأمر إلى تحريم الصلاة خلف المخالف، والنهي عن مجالسته، بل واعتبار كتبه نجسة لا يجوز لمسها عند بعض الإخباريين. كما شهدت الساحة العلمية صراعًا حول شخصيات بارزة، واتهامات متبادلة بالغلو أو الكفر أو إفساد الدين، مما أوجد بيئة من التوتر والانقسام داخل البيت الإمامي ذاته.

ويهدف هذا المقال إلى تتبع جذور هذا الخلاف، وبيان أبرز مظاهره في التراث الإمامي، مع تحليل آثاره العقدية والاجتماعية، وإبراز كيف تحوّل الخلاف المنهجي إلى معيار للحكم على الإيمان والانتماء. كما يسعى إلى إظهار أن ظاهرة التكفير أو الإقصاء لم تقتصر عند الإمامية على مخالفيهم من خارج المذهب، بل امتدت إلى صراع داخلي بين طائفتين تشتركان في الأصل العقدي العام، مما يكشف عن اضطراب في ضبط معايير الاختلاف وحدود الاجتهاد داخل هذا الإطار المذهبي.

ولا يرمي هذا البحث إلى إثارة الخصومة أو النزاع، بل إلى قراءة هذه المرحلة قراءة نقدية علمية، تُظهر خطورة تحويل الخلاف العلمي إلى صراع عقدي، وأثر ذلك في تمزيق الصف الداخلي وإضعاف الثقة بالخطاب الديني نفسه.

التكفير بين الإخبارية والأصولية:

أما بداية افتراق الاثني عشرية إلى أصولية وأخبارية فيذكر البحراني أن شيخهم محمد أمين الاستراباذي (ت 1033هـ)‍ هو أول من فتح باب الطعن على المجتهدين، وتقسيم الفرقة.. إلى أخباري ومجتهد

(لؤلؤة البحرين: ص117).

ومنهم من يذكر أنه أقدم من ذلك وأن الاستراباذي هو الذي جدده

(انظر الأصوليون والأخباريون فرقة واحدة ص4).

مجتمع الكراهية من الداخل

هذا وقد جرى بين هاتين الفرقتين ردود ومنازعات وتكفير وتشنيع حتى إن بعضهم يفتي بتحريم الصلاة خلف البعض الآخر

(انظر: محمد جواد مغنية/ مع علماء النجف: ص74).

وكان من شيوخ طائفة الأخبارية من لا يلمس مؤلفات الأصوليين بيده تحاشياً من نجاستها، وإنما يقبضها من وراء ملابسه

[محمد آل الطلقاني/ الشيخية: ص 9.].

وقد كفر الاستراباذي (الأخباري) بعض الأصوليين ونسبهم إلى تخريب الدين [انظر: لؤلؤة البحرين/ للبحراني: ص 118.] - على حد تعبيره - كما نسب الكاشاني (الأخباري) صاحب الوافي - إلى أحد مصادرهم الثمانية - جمعاً من علمائهم إلى الكفر

[انظر: لؤلؤة البحرين/ للبحراني: ص 121.]

ورد عليه بعضهم بأن له من المقالات التي جرى فيها على مذهب الصوفية والفلاسفة ما يوجب الكفر كقوله بوحدة الوجود

[ وهو البحراني/ انظر لؤلؤة البحرين: ص121.].

وهكذا يكفر بعضهم بعضاً كما كان أسلافهم من قبل، كما صورته جملة من رواياتهم مع أن الطائفتين كلاهما من الاثني عشرية.

كتب الأصوليين نجسة لا يجوز لإخباري مسها

يقول السيد محمد حسن آل الطالقاني:

« وأوغل الأخباريون في الازدراء بالأصوليين إلى درجة عجيبة حتى أننا سمعنا من مشايخنا والأعلام وأهل الخبرة والاطلاع على أحوال العلماء: أن بعض فضلائهم كان لا يلمس مؤلفات الأصوليين بيده تحاشيا من نجاستها، وإنما يقبضها من وراء ملابسه»

(جامع السعادات ص1 الشيخية ص39).

ويقول السيد الطالقاني:

« وكان علماء كربلاء قد صمموا على تكفير كل عالم يرأس ويتزعم ويخافون تقدمه وقد كفروا عددا من العلماء ولكنهم لم ينجحوا مما اضطرهم إلى الخجل»

(الشيخية ص93).

تكفيرهم للأحسائي

ويضيف السيد الطالقاني قائلا:

« بدأ البرغاني يعمل للانتقام من الأحسائي والوقيعة به، وأخذ يتحين الفرص ويتسقط كلامه للحصول على مدخل يلج منه وممسك يتذرع به... وحانت الفرصة للبرغاني أن يلعب لعبته ويحقق رغبته فأضاف إلى الآراء بعض الكفريات ونشرها بين العوام، ونسب الإحسائي إلى تضليل العوام بآرائه وغلوه في الأئمة وكفره، وانتشرت أخبار تكفير الإحسائي في بقية المدن الإيرانية، وواصل الإحسائي سفره إلى خراسان، وكلما مرّ بمدينة وجد الانقسام حوله واضحاً، ففريق يتجاهله ويعرض عنه وآخر يبالغ في تعظيمه تعصباً، وكتب البرغاني الشهيد الثالث إلى علماء كربلاء بأنه كفر الإحسائي وطلب متابعتهم في ذلك، فاستجابوا وارتفعت الأصوات معلنة كفره وصار الناس في حيرة مما حدث، ثم سادت الخصومة وتوسع الخلاف، وظهر لدى الشيعة مبدأ جديد، وقبرت خلافات الأخباريين والأصوليين وحلت محلها الشيخية وخصومها»

(الشيخية ص100).

وتوالت التكفيرات من كل من:

السيد علي الطباطبائي.

السيد مهدي.

الشيخ محمد جعفر شريعة مداري.

والمولى أغا الدربندري.

والمازندراني.

والسيد إبراهيم القزويني.

والشيخ حسن النجفي.

والشيخ محمد حسين الصفهاني.

وقد وقف الشيخ علي بن جعفر كاشف الغطاء موقفا حاسماً في نصرة الرشتي والدفاع عنه، إلا أن هذا الدفاع لم يستمر إثر خلاف بين الرشتي والشيخ علي بن جعفر كاشف الغطاء على أموال أيتام طالب بها الشيخ كاشف الغطاء، فاعترض الرشتي بأن هذه الأموال لصغار قصر ولا يمكنه التفريط فيها أو هبتها له! فغضب الشيخ كاشف الغطاء ورضي بتكفير الرشتي وذم الناس له..

(الشيخية ص145).

يقول السيد الطالقاني:

« ولم يردع ذلك - أي الزلزال - القوم ولم يكفوا عن عملهم بل عادوا إلى سابق وضعهم بعد أن هدأت الأوضاع بعض الشيء. وعمد بعضهم إلى تأليف كتاب حشاه بالفضائح والكفر والإفك وقول الزور وأقوال الملاحدة والزنادقة ونسبه إلى الإحسائي، وكان له مجلس عصر كل يوم يقرأ فيه تلك الفضائح على ملأ من الناس فتتعالى الأصوات من أرجاء المكان بلعن الإحسائي والبراءة منه ومن معتقداته، وبوجوب مقاومته والقضاء عليه»

(هداية الطالبين ص112 الشيخية ص102).