تكفير أهل البيت وأمهات المؤمنين في بعض مصادر الإمامية

تُعد قضية موقف الفرق الإسلامية من الصحابة وأهل بيت النبي ﷺ من أخطر القضايا العقدية لما يترتب عليها من آثار في فهم الدين ونقل الشريعة وتفسير التاريخ الإسلامي. وقد نقلت بعض كتب الإمامية الاثني عشرية روايات تقرر أن جمهور الصحابة ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ، ولم يثبت منهم على الإيمان إلا عدد يسير لا يتجاوز في أكثر الروايات ثلاثة أو أربعة أشخاص. والمثير للانتباه أن هذه الروايات – في كثير من صيغها – لا تستثني أكثر أهل بيت النبي ﷺ ولا زوجاته أمهات المؤمنين، بل تدخلهم في دائرة الردة أو الضلال لعدم التزامهم بعقيدة الإمامة الاثني عشرية كما تشكلت لاحقًا.

ويظهر من هذه النصوص أن معيار الإيمان والكفر لم يعد هو التوحيد واتباع الرسول ﷺ، وإنما الإقرار بإمامة الأئمة الاثني عشر، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى الحكم على كثير من آل البيت أنفسهم – كآل العباس وآل جعفر وآل عقيل – وكذلك على أمهات المؤمنين بالكفر أو النفاق بزعم مخالفتهم لهذا الأصل. ويبلغ هذا المسلك ذروته في الروايات التي خصّت عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها بالطعن والقذف، مع محاولة تأويل آيات قرآنية نزلت في نساء الأنبياء على أنها تشير إليها، رغم أن القرآن قد نصّ على براءتها في سورة النور نصًّا قاطعًا.

ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه الروايات كما وردت في مصادر الإمامية، ثم دراستها دراسة نقدية من حيث دلالاتها العقدية وآثارها على مفهوم أهل البيت، ومكانة الصحابة، وموقف الإسلام من أعراض المؤمنين، مع بيان التناقض الظاهر بينها وبين نصوص القرآن القطعية والسيرة النبوية المتواترة.

إن هذه الرّوايات التي تحكم بالرّدة على ذلك المجتمع المثالي الفريد، ولا تستثني منهم جميعًا إلا سبعة في أكثر تقديراتها، لا تذكر من ضمن هؤلاء السّبعة أحدًا من أهل بيت رسول الله باستثناء بعض روايات عندهم جاء فيها استثناء علي فقط، وهي:

عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر قال:

صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي، والمقداد، وسلمان، وأبو ذر. فقلت: فعمار؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة...

(تفسير العياشي1/199 البرهان1/319 تفسير الصافي: 1/389).

وفي رواية أن عمار «حاص حيصة ثم رجع» (بحار الأنوار28/239).

وكأنه ارتد أو حاد عن الصواب عندهم ثم رجع.

لقد حكموا بالردة في نصوصهم التي مرّ ذكرها، على الحسن والحسين وآل عقيل وآل جعفر، وآل العباس، وزوجات رسول الله أمهات المؤمنين.

بل إن الشيعة خصت بالطعن والتكفير جملة من أهل بيت رسول الله r كعم النبي العباس، حتى:

قالوا بأنه نزل فيه قوله سبحانه: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً [رجال الكشي: ص53، والآية (72) من سورة الإسراء.].

وكابنه عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، فقد جاء في الكافي ما يتضمن تكفيره، وأنه جاهل سخيف العقل.

[أصول الكافي: 1/247.].

وفي رجال الكشي:

 "اللهم العن ابني فلان واعم أبصارهما، كما عميت قلوبهما.. واجعل عمى أبصارهم دليلاً على عمى قلوبهما".

[رجال الكشي: ص53.].

وعلق على هذا شيخهم حسن المصطفوي فقال: "هما عبد الله بن عباس وعبيد الله بن عباس".

[رجال الكشي: ص53 (الهامش).].

وبنات النبي r يشملهن سخط الشيعة وحنقهم، فلا يذكرن فيمن استثنى من التكفير، بل ونفى بعضهم أن يكن بنات للنبي r - ما عدا فاطمة [انظر: جعفر النجفي/ كشف الغطاء: ص5، حسن الأمين/ دائرة المعارف الإسلامية، الشيعة: 1/27.]

فهل يحب رسول الله r من يقول فيه وفي بناته هذا القول؟!

وقد نص صاحب الكافي في رواياته على أن كل من لم يؤمن بالاثني عشر فهو كافر، وإن كان علويًا فاطميًا [انظر: الكافي، باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ومن جحد الأئمة أو بعضهم، ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل: 1/372-374]، وهذا يشمل في الحقيقة التكفير لجيل الصحابة ومن بعدهم بما فيهم الآل والأصحاب؛ لأنهم لم يعرفوا فكرة "الاثني عشر" التي لم توجد إلا بعد سنة (260هـ)‍.

كما باءوا بتفكير أمهات المؤمنين أزواج رسول الله r ؟ إذ لم يستثنوا واحدة منهن في نصوصهم.. ولكنهم يخصون منهن عائشة، رضي الله عنهن جميعًا بالذم واللعن والتكفير وحفصة.

 [انظر: أصول الكافي: 1/300، رجال الكشي: ص57-60، بحار الأنوار: 53/90 بحار الأنوار: 22/246.].

وقد عقد شيخهم المجلسي بابًا بعنوان "باب أحوال عائشة وحفصة" ذكر فيه رواية [بحار الأنوار: 22/227-247.]، وأحال في بقية الروايات إلى أبواب أخرى حيث قال:

«قد مرّ بعض أحوال عائشة في باب تزويج خديجة، وفي باب أحوال أولاده r في قصص مارية وأنها قذفتها فنزلت فيها آيات الإفك (انظر كيف يقلبون الحقائق) (بحار الأنوار: 22/245).]، وقد آذوا فيها رسول الله r في أهل بيته أبلغ الإيذاء.

حتى اتهموا في أخبارهم عائشة التي برأها الله من فوق سبع سماوات؛ وهي الصديقة بنت الصديق بالفاحشة، فقد جاء في أصل أصول التفاسير عندهم (تفسير القمي) هذا القذف الشنيع، ونص ذلك ما قاله علي بن إبراهيم في قوله:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا [التّحريم، آية:11] ثم ضرب الله فيهما (يعني عائشة وحفصة زوجتي رسول الله مثلاً فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا [التّحريم، آية10] قال: والله ما عنى بقوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا إلا الفاحشة، وليقيمنّ الحدّ على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبّها، فلمّا أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان: لا يحلّ لك أن تخرجين كذا من غير محرم فزوّجت نفسها من فلان..

هذا نصّ القمّي كما نقله عنه المجلسي في بحار الأنوار: 22/240، أمّا تفسير القمّي فقد جاء فيه النّصّ، إلا أنّ المصحّح حذف اسم البصرة الذي ورد مرّتين ووضع مكانه نقط (انظر: تفسير القمّي 2/377).

والنص فيه عدم التصريح بالأسماء، فقوله: "ليقيمن الحد"

من الذي يقيم؟

وقوله: "فلان، وفلانة"

من هما؟

لكن شيخ الشيعة المجلسي كشف هذه التّقية وحلّ رموزها وذلك لأنه يعيش في ظل الدولة الصفوية فقال: قوله: وليقيمنّ الحدّ أي القائم عليه السلام في الرّجعة كما سيأتي (وقد نقلت ذلك عن المجلسي في فصل الغيبة، وصرّح بالاسم وأنّها عائشة أمّ المؤمنين، إلا أنه قال بأنه بسبب ما قالته في مارية، فلم يجرؤ أن يصرّح مع ذكر الاسم بما صرّح به هنا من القذف الصريح) والمراد بفلان طلحة ..

(بحار الأنوار: 22/241).