تمثّل مسألة الصحابة ومكانتهم بعد رسول الله ﷺ إحدى القضايا المركزية في الخلاف العقدي بين أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية الاثني عشرية، إذ ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمفهوم الإمامة ومن هو الأَولى بالخلافة بعد النبي. وقد ترتب على هذا الخلاف اختلاف جذري في تقييم الجيل الأول من المسلمين الذين صاحبوا النبي ﷺ، ونقلوا الشريعة، وحملوا أمانة البلاغ من بعده.

وقد نقلت بعض مصادر الإمامية نصوصًا تقرر أن أكثر الصحابة ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ، ولم يثبت على الإيمان إلا أفراد معدودون، كما تضمنت روايات تصف أبا بكر وعمر وعثمان بالكفر أو الضلال أو الطغيان، وتربط ذلك بمخالفة مبدأ الإمامة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. وبناءً على هذا التصور، أصبح معيار الإيمان والكفر عندهم ليس مجرد التوحيد والإقرار بالرسالة، بل القبول بالإمامة على النحو الذي يقررونه.

وتثير هذه الرؤية إشكالات عقدية ومنهجية خطيرة؛ إذ تصادم ما ثبت من نصوص القرآن في الثناء على السابقين الأولين، وما تواتر من السيرة في فضل الصحابة، كما تفتح باب الطعن في حملة الشريعة ورواتها، وهو ما ينعكس بالضرورة على الثقة في الدين نفسه. ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه المقولات المنقولة في بعض مصادر الإمامية، وتحليلها تحليلاً نقديًا، وبيان أثر ربط الإيمان بالإمامة في الحكم على الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم.

أول من أسلم (أبو بكر) هو أول الكفار عندهم

وأول الكفار في المذهب الرافضي هم أول من آمن برسول الله e وهاجر معه وكان ملازماً له كالظل ثم كان خليفته بعد موته e ثم دفن معه. وهو أبو بكر رضي الله عنه.

وثاني الكفار في المذهب الشيعي هو عمر الفاروق الخليفة الثاني، والذي كان ملازماً لرسول الله e في حياته وحتى بعد مماته حيث دفن بجانبه.

ثم بعد هذا: كل من كان صحابياً بعد موت الرسول فهو عندهم كافر مرتد.

وقبل أن نذكر الأدلة نتساءل:

من لا يتورع عن تكفير أفضل الخلق بعد الأنبياء كيف نأمل منه أن يتقي الله في المسلمين؟

من لا نرجو منه خيرا في حق أصحاب رسول الله كيف نرجو منه خيرا في حق هذه الأمة من بعدهم؟

كل الناس مرتدون بعد الرسول

قال علماء الرافضة «كل الناس ارتدوا جميعا بعد الرسول إلا أربعة..

(جواهر الكلام21/347 الإمام علي ص657 لأحمد الرحماني الهمداني).

وهذا بناء على الرواية عن الكافي «كان الناس بعد رسول الله e أصحاب ردة إلا ثلاثة: أبو ذر وسلمان الفارسي» (أصول الكافي 245:2).

ووصف الكاشاني أسانيد هذه الرواية بأنها معتبرة..

(تفسير الصافي 1/148 وقرة العيون 1/148).

فالرافضة حكموا بكفر وردة أفضل الخلق بعد الأنبياء فكيف لا نتوقع منهم تكفير من دونهم.

لقد وصفوا أبا بكر وعمر باللات والعزى والجبت والطاغوت والأوثان والفحشاء والمنكر. وزعموا أن أبا بكر كان يصلي وراء رسول الله e والصنم معلق على رقبته.

أبو بكر وعمر كافران ومن أحبهما وتولاهما

روى المجلسي من كتاب الحلبي هذا وهو (تقريب المعارف) رواية عن علي بن الحسين أنه سئل عن أبي بكر وعمر فقال: كافران، كافر من أحبهما» وفي رواية أبي حمزة الثمالي «كافران كافر من تولاهما» وكرر المجلسي نفس كلام الحلبي

(بحار الأنوار30/384 69/137).

قال المجلسي «الأخبار الدالة على كفر أبي بكر وعمر وأضرابهما وثواب لعنهم والبراءة منهم أكثر من أن يذكر في هذا المجلد أو في مجلدات شتى وفيما أوردناه كفاية لمن أراد الله هدايته إلى الصراط المستقيم»

(بحار الأنوار30/399).

واستحسن المجلسي قول أبي الصلاح الحلبي بأن الروايات المروية عن الأئمة عليهم السلام وعن أبنائهم تفيد «أنهم يرون في المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام ومن دان بدينهم أنهم كفار»

(بحار الأنوار31/63).

فإن قالوا: هما ليسا مؤمنين وإنما مسلمين.

قيل لهم: قد وصفتموهما بأنهما الجبت والطاغوت. واللات والعزى. فهل الجبت والطاغوت مسلمان عندكم؟

وهل هما مسلمان عند الله أيضا؟ فإننا نقول عن المنافق إنه مسلم ظاهراً بالنسبة إلينا لأننا لا نعلم باطنه. لكنه عند الله ليس كذلك لأن الله يعلم باطنه فهو كافر عند الله ظاهراً وباطناً. فهل الله يأخذهم على ظاهرهم مع علمه بكفر بواطنهم بزعمكم؟

وعثمان عندهم نعثل كافر

وكذبوا على عائشة زاعمين أنها كانت تعتقد بكفر عثمان. وزعموا أنهم لم يقولوا بكفره وإنما عائشة هي التي فعلت حين قالت «أقتلوا نعثلاً فقد كفر»

(بحار الأنوار32/143).

وهذه الرواية مكذوبة وفيها نصر بن مزاحم قال فيه العقيلـي »كان يذهب إلى التشيع وفي حـديثه اضطراب وخطأ كثـير«وقال الذهـبي »رافضي جـلد، تركوه «

(الضعفاء للعقيلي4/300 ترجمة رقم (1899) ميزان الاعتدال للذهبي 4/253) ترجمة رقم (9046).

من هم الأوثان الأربعة:

يوجب الصدوق على المسلم أن يتبرأ من الأوثان الأربعة.

(الهداية ص44 للصدوق).

والأوثان الأربعة عند الرافضة هم أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية. ولكنهم يقلبون أسماءهم استهزاء وجريا على سنة اليهود، فكانوا يقولون «الأوثان الأربعة هم أبو فصيل ورمع ونعثل ومعاوية»

(بحار الأنوار31/607 تفسير العياشي2/116).

وقد افتضح أمر هذه التقية الجبانة حين كشف رموزها المجلسي والبروجردي والطريحي فقال المجلسي: أبو فصيل يعني أبو بكر.

(بحار الأنوار28/328 طرائف المقال2/599 السيد علي بروجردي مجمع البحرين1/233 و3/173 للشيخ الطريحي).

وحين تحدث التستري عما أسماه بخلافة «فصيل وخلافة ابن الخطاب» ثم رد على من ادعى أن خلافتهما أولى (الصوارم المهرقة ص3).

وأما عمر فقد قلبوا اسمه إلى (رمع) وكنوه بذلك لضرورة التقية كما أشار إليه مشايخهم..

(بحار الأنوار36/101 اختيار معرفة الرجال1/264 للطوسي الحدائق الناضرة18/124 للبحراني).

وكذلك علي بن يونس العاملي الذي وصف أبا بكر بذلك أثناء الكلام على خلافته..

(الصراط المستقيم3/153).

هل يبقى مع هذا الكفر إسلام؟

وزعم القمي أن الآية نزلت في سورة البقرة هكذا: «إن الذين كفروا وظلموا آل محمد »...

(أنظر تفسير القمي المقدمة1/10). وهذا يعني أنهم يعتقدون بكفر من ظلم عليا بزعمهم وأخذ منه الإمامة.

رووا عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل:

{إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفر لن تقبل توبتهم} قال: نزلت في فلان وفلان وفلان. آمنوا بالنبي e في أول الأمر حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي e من كنت مولاه فهذا علي مولاه. ثم بايعوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام ثم كفروا حيث مضى رسول الله e فلم يقروا بالبيعة ثم ازدادوا كفرا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم. فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء«

(الكافي 1/348 كتاب الحجة. باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية).

ولزمهم الطعن في علي رضي الله عنه والحكم عليه بالردة حين حكموا على مخالف عقيدة الإمامة بأنه مرتد كافر. فإن قالوا: كان مرغما. قيل لهم هاتوا دليلا صحيحا متواترا على أنه كان مرغما وإلا لزمكم تكفيره.