ولاية الفقيه عند أهل السنة
تُعد مسألة نظام الحكم في الإسلام من القضايا الكبرى التي دار حولها جدل طويل بين المدارس الفكرية المختلفة داخل العالم الإسلامي. فقد قرر أهل السنة والجماعة أن الإمامة أو الولاية السياسية تقوم على أسس واضحة دلّت عليها النصوص الشرعية وسيرة الصحابة، مثل الشورى واختيار أهل الحل والعقد، أو العهد من الخليفة السابق، أو تغلّب الحاكم الذي تجتمع عليه الأمة دفعًا للفتنة وحفظًا لوحدة المسلمين. وعلى هذا الأساس نشأ عبر التاريخ نظام سياسي يقوم على بيعة الحاكم وطاعته في المعروف مع النصح له والصبر على ما قد يقع منه من جور.
وفي مقابل هذا التصور، ظهرت عند الشيعة الإمامية نظرية ولاية الفقيه التي تجعل للفقيه سلطة دينية وسياسية واسعة بوصفه نائبًا عن الإمام الغائب، وقد بلغت هذه النظرية ذروتها مع طرحها بصورتها المطلقة في الفكر الخميني وتطبيقها في النظام الإيراني المعاصر. ومع مرور الزمن تسربت بعض ملامح هذه الفكرة إلى بعض الكتابات المعاصرة التي تنتسب إلى أهل السنة، فظهرت دعوات تجعل العلماء بمنزلة ولاة الأمور عند غياب الإمام، وهو ما أثار نقاشًا علميًّا واسعًا حول مدى موافقة هذه التصورات لأصول أهل السنة وإجماع علمائهم.
ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث الذي يسلط الضوء على الفرق الجوهري بين منهج أهل السنة في تقرير الإمامة القائمة على الشورى ووحدة الجماعة، وبين نظرية ولاية الفقيه التي تقوم على منح الفقيه سلطة دينية وسياسية خاصة، مع بيان آثار ذلك على واقع الأمة ووحدتها واستقرارها السياسي.
الشورى أم ولاية الفقيه؟
تسربت آراء الشيعة المتعلقة بنظرية ولاية الفقيه إلى بعض أهل السنة فتبنوها جهلاً منهم بمقاصدها وإن أخذت صور أخرى كما يظهر في كتابات الشيخ ياسر البرهامي رغم معرفته بكثير من عقائد الشيعة الفاسدة. ولكن قبل بيان ذلك لا بد من الكلام في كيفية ثبوت الخلافة أو الولاية أو الإمامة فى الإسلام عند أهل السنة.
فهذه المسألة تثبت بأحد ثلاثة أمور:
الأول: اختيار أهل الحل والعقد له كما حصل لأبى بكر رضى الله تعالى عنه، فإن بيعته تمت بإجماع أهل الحل والعقد.
ثانيًا: إذا عهد ولى الأمر إلى أحد من بعده فإنه يلزم طاعته فى ذلك كما عهد أبو بكر إلى عمر رضي الله عنهما.
الثالث: إذا تغلب على المسلمين بسيفه وأخضعهم لطاعته كما حصل لعبدالملك بن مروان وغيره من ملوك المسلمين الذين يخضعون الناس بالسيف حتى ينقادوا لهم، يلزم المسلمين طاعتهم فى ذلك لأجل جمع الكلمة وتجنيب المسلمين سفك الدماء واختلاف الكلمة، بهذه الأمور الثلاثة تنعقد الولاية لولى الأمر[1].
فإذا انعقدت الولاية لأحد بأى صورة من هذه الصور كان للوالى كل الحقوق الشرعية الثابتة لولاة الأمور؛ لأنه فى هذه الحالة يكون إمامًا شرعيًّا.
والذى ينظر إلى ولاة أمور المسلمين اليوم يجد أن أكثرهم قد تولوا الأمر بأحد هذه الصور، وعليه فلا يجوز لأحد أن يلغى ولايتهم الشرعية وإن فقدوا شيئًا من شروط الإمامة.
قال الإمام الشافعى:
كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه فهو خليفة[2].
وقال الحافظ ابن حجر:
وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما فى ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهما[3]ء.
ومن أجل ذلك يذهب علماء الأمة وأئمة السلف فى هذا الزمان إلى إثبات إمامة ولاة أمور المسلمين، وأن ولايتهم ولاية شرعية، ويوجبون على الأمة طاعتهم فى المعروف والصبر على ما يكون منهم من منكرات وظلم، وتحريم الخروج عليهم.
ومع ثبوت هذا الإجماع عن أهل السنة فقد خالفه ياسر برهامى وقال بقول الشيعة الاثنى عشرية وتبنى نظرية الخمينى ولاية الفقيه. يقول في كتابه فقه الخلاف: وهذه المسألة، يعنى عدم اعتبارهم ولاة أمور شرعيين، ليست مبنية على تكفير أعيانهم من عدم تكفيرهم... اهـ. وغيره من النقول الكثيرة الموجودة فى هذا الكتاب[4].
فلما انتهى من تقرير هذا الأصل الفاسد المخالف لإجماع أهل السنة، انتقل إلى المرحلة الثانية وهى الحديث عن الحل الذى يراه لهذه المعضلة العظيمة حتى يظهر الإمام. فيقول: والعلاج الذى نراه لهذا السبب من أسباب الاختلاف- أى عدم وجود الإمام- جمع الناس حول علمائهم، فهم فى الحقيقة أولو الأمر منهم؛ لأنهم الذين يمكنهم أن يقودوهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. واجتماع الناس عليهم من أسباب قوة الصحوة وتأثيرها فى المجتمعات المسلمة الجريحة بجراح الكفار والمنافقين، ثم هؤلاء العلماء عليهم أن يختاروا من بينهم أمثل من يقود المسلمين فى ملماتهم ومهماتهم، ولا سبيل إلى أن يصبح أهل الحل والعقد الحقيقيون الذين هم أهل العلم من أهل السنة والجماعة أهل قوة وتأثير إلا بجمع الناس عليهم، ورد أمرهم إليهم، فإن واجب المسلمين حال غياب الإمام أن يكون العلماء هم ولاة الأمور[5].
وهذا بعينه كلام الخميني الذي قال:
فى عصر غيبة ولى الأمر وسلطان العصريقوم نوابه العامة وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه فى إجراء السياسات وسائر ما للإمام عليه السلام إلا البدءة بالجهاد[6].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أمر النبى صلى الله عليه وآله وسلم بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين الذين لهم سلطان يقدرون على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شىء أصلا[7].
فلو طبقنا هذه النظرية مثلا في بلد كمصر حيث ينتمي لها ياسر البرهامي، فإن الواقع يشهد الآن أن كل مجموعة أو طائفة تعتقد أن شيخها أعلم وأفقه وأمثل من غيره، ولذلك فهى ستتخذه إمامًا، له كل الحقوق الشرعية للإمام، وعلى ذلك فسيكون فى مصر وحدها آلاف إن لم يكن ملايين الأئمة والولاة، كل مجموعة لها والِ ورئيس، فكيف يعيش الناس وكيف تستقيم أمورهم؟ فكيف يكون التعامل إذا خرج من هذه المجموعة من هو أعلم من إمامها، هل تنزع الولاية من الأول وتعطى للثانى؟ أو من اقتنع بأن الثانى أعلم وأنه أحق بالولاية يكوِّن جماعة سرية ليخرجوا على الإمام الأول؟ وكيف يكون الحال إذا أصر على الولاية فاعتقلهم وعذبهم فهل يحل قتله وقلب نظام الحكم؟
سئل الشيخ ابن عثيمين[8]:
ما حكم إعطاء البيعة لأمير من أمراء الجماعات التى تدعو إلى الإسلام؟
فأجاب: أما بالنسبة لإعطاء البيعة لرجل فهذا لا يجوز؛ لأن البيعة للولى العام على البلد، وإذا أردنا أن نقول: كل إنسان له بيعة. تفرقت الأمة وأصبح البلد الذى فيه مائة حى من الأحياء له مائة إمام وولاية، وهذا هو التفرق فما دام فى البلد حاكم شرعى فإنه لا يجوز إعطاء البيعة لأى واحد من الناس.
فهؤلاء الإخوة يريدون أن يكونوا طوائف لكل طائفة أمير بناء على أن الحاكم عندهم ليس حاكمًا شرعيًّا فى نظرهم.
نقول لهم: لا يجوز لكم تفتيت الأمة بأن يكون لكل طائفة أمير، هذا خطأ عظيم، وقد أخبر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ليس من هؤلاء فى شىء.[9]
والكلام في الباب فيه طول لا يناسبه هذا المختصر، ولعل مسك الختام عود على بدء لنذكر تجربة عاشها أحد المفكرين الشيعة الأحرار يلخص موضوع الكتاب، ننقلها جلها لما فيها من فائدة.
[1] شرح لمعة الاعتقاد للشيخ الفوزان، 264
[2] مناقب الشافعى للبيهقى، 1/4488
[3] فتح البارى، لإبن حجر العسقلاني، 13/8
[4] فقه الخلاف، 55، أنظر أيضاً ، 53، 54، 76
[5] فقه الخلاف، 56
[6] تحرير الوسيلة، للخميني، 1/482
[7] منهاج السنة النبوية، لإبن تيمية، 1/115
[8] لقاءات الباب المفتوح، 421
[9] نقلاً عن كتاب الإنصاف في نقد كتاب فقه الخلاف تصرف كبير