ولاية الفقيه عند أهل السنة

يُعد موضوع الإمامة ونظام الحكم من أبرز القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي عبر القرون، لما يترتب عليه من آثار دينية وسياسية تمس وحدة الأمة واستقرارها. وقد قرر أهل السنة والجماعة أن الإمامة شأنٌ تنظيمي تقوم عليه مصالح المسلمين، وتثبت بوسائل شرعية معروفة مثل الشورى واختيار أهل الحل والعقد، أو العهد من الخليفة السابق، أو اجتماع الناس على الحاكم المتغلب حفظًا للجماعة وحقنًا للدماء. ولهذا أكد علماء السلف على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف، وتحريم الخروج عليهم لما يفضي إليه ذلك من الفتن والاضطراب.

وفي المقابل نشأت في الفكر الشيعي الإمامي نظريات سياسية مختلفة أبرزها نظرية ولاية الفقيه التي تقوم على منح الفقيه سلطة دينية وسياسية بوصفه نائبًا عن الإمام الغائب، وهي نظرية تطورت تاريخيًا حتى بلغت صورتها المطلقة في العصر الحديث مع طرحها في الثورة الإيرانية. وقد أثارت هذه النظرية جدلًا واسعًا داخل الفكر الإسلامي، خاصة عندما تسربت بعض أفكارها إلى بعض الكتابات المعاصرة التي حاولت جعل العلماء بمنزلة ولاة الأمور عند غياب الإمام، وهو تصور يخالف ما استقر عليه إجماع أهل السنة عبر تاريخهم.

يقول أحمد الكاتب:

 كانت صدمتي الكبرى عندما وجدت مشايخ الفرقة الاثني عشرية كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والنعماني والطوسي، يصرحون ويلوحون بعدم وجود دليل علمي تاريخي لديهم على وجود وولادة (ابن) للإمام الحسن العسكري، وانهم مضطرون لافتراض وجود ولد له لكي ينقذوا نظرية (الإمامة الإلهية) من الانهيار. ويقولون: نحن بالخيار بين الإيمان بذلك الولد المفترض، وبين رفض نظرية الإمامة، فإذا كانت نظرية الإمامة صحيحة وقوية وثابتة، علينا أن نسلم بوجود ولد في السر، حتى لو لم تكن توجد عليه أدلة شرعية كافية، وإذا لم نقتنع بوجود ذلك الولد، فعلينا التراجع عن نظرية الإمامة، وهذا أمر غير ممكن، فإذن علينا التسليم والقبول بوجود ولد في السر سوف يظهر في المستقبل، وإنه المهدي المنتظر...فوجدت نفسي إمام تحد داخلي رهيب، فاما أن تكون نظرية الإمامة صحيحة أو لا تكون. وبما أنى لم اقتنع بوجود (الإمام الثاني عشر) فقد كان لزاما عليّ أن أبحث موضوع الإمامة لكي أرى مدى صحته. وتركت موضوع الإمام المهدي جانبا، ورحت أقرأ ما يتعلق بموضوع الإمامة من مصادر كتب الشيعة القديمة التي لم أقرأها من قبل، ولا توجد ضمن البرنامج الدراسي للحوزة، ما عدا كراس صغير للشيخ نصير الدين الطبرسي، يعرف باسم (الباب الحادي عشر) فقرأت (الشافي) للسيد المرتضى، و(تلخيص الشافي) للشيخ الطوسي، وكتب الشيخ المفيد المتعددة وكذلك ما توفر من كتب حول الموضوع في مكتبات مدينة قم وطهران ومشهد.

  وكانت مفاجأتي الثانية أو الثالثة عندما اكتشفت أن نظرية (الإمامة الإلهية) الطافية على سطح التاريخ والفكر السياسي الشيعي ما هي إلا من صنع (المتكلمين) ولا علاقة لها بأهل البيت. وذلك لأنها تتعارض مع أقوالهم وسيرتهم، ولا يمكن تفسيرها إلا تحت ستار (التقية) التي كان يقول بها (الباطنيون) الذين كانوا ينسبون إلى أئمة أهل البيت ما يشاءون من نظريات وأقوال تتنافى مع مواقفهم الرسمية، بحجة الخوف من الحكام ومن إبداء رأيهم بصراحة.

  ووجدت أن نظرية أهل البيت السياسية ترتكز على مبدأ (الشورى) في حين أن (الإمامة الإلهية) تقوم على تأويلات تعسفية للقرآن الكريم وعلى أحاديث مشكوك بصحتها، وأنها لا تمتلك أي سند تاريخي، حيث كان أئمة أهل البيت يرفضون النص على أحد من أبنائهم أو الوصية اليه بالإمامة، ولذلك قال (المتكلمون الباطنيون) بأن الإمامة تقوم على علم الأئمة بالغيب وعمل المعاجز، وهذا ما يصعب إثباته في التاريخ الشيعي وما كان يرفضه أهل البيت أنفسهم، فضلا عن العقل والشرع. إضافة إلى تعرض نظرية الإمامة التي كان يقول بها فريق صغير باطني من الشيعة في القرنين الثاني والثالث الهجريين، إلى امتحانات عسيرة تتعلق بمسألة عمر الأئمة الصغير مثل الإمام الجواد والهادي والإمام الثاني عشر المفترض، حيث كان كل واحد منهم لا يتجاوز السابعة.

  وأدركت عندها أن نظرية الإمامة المفتعلة والمنسوبة إلى أهل البيت كذبا وزورا، وصلت إلى طريق مسدود بوفاة الإمام الحسن العسكري دون خلف من بعده، وأن بعض أعوإنه الانتهازيين ادعوا وجود ولد له في السر وخلافا لقانون الأحوال الشخصية الإسلامي، من أجل إنقاذ نظريتهم الباطلة من الأساس. وهكذا أسسوا الفرقة (الاثني عشرية) في غيبة من وجود أحد من أئمة أهل البيت...وكان التوصل إلى هاذين الموضوعين يشكل نقطة تحول جذرية في حياتي ومسيرتي وعلاقاتي. وبما أنى كنت أعيش في إيران في ظل نظام ولاية الفقيه، فلم يكن من السهل البوح بهذه النتائج إلا لدوائر ضيقة جدا من الأصدقاء والزملاء والأساتذة. أول من حدثته عن الموضع كان والدي العزيز (رحمه الله) الذي تجاوب معي تماما وكإنه ينتظر ما أقول، أما والدتي فقد امتعضت كثيرا وحزنت وتأسفت على أن يكون ثمرة حياتها تأتي بهذه النتيجة وهي إنكار نظرية الإمامة لأهل البيت، ونفي وجود الإمام الثاني عشر. ولكنها بعد فترة وبعد حوار طويل معي ومع والدي، قبلت بالفكرة بعد أن تفهمتها جيدا. لقد كانت امرأة مؤمنة جدا ومحبة لأهل البيت ومثقفة بالثقافة التقليدية، وقد ربتني هي على الإيمان بوجود الإمام المهدي وانتظاره، ولكنها لم تكن انسانة متعصبة أو متحجرة، وأصبح والديّ كلاهما من أشد المدافعين عن أفكاري والمبشرين بها بين الأهل والأقارب والأصدقاء. وتحملا من أجل ذلك كثيرا من المعاناة والمقاطعة والأذى.

  أبرز من ذهبت اليه للحوار معه، كان مؤسس الحركة المرجعية، المرجع السيد محمد الشيرازي، وكان قد سمع بعض الشيء عني، فطرح أثناء زيارته في مكتبه في قم، موضوع المصير البائس الذي يتعرض له من ينكر حقوق أهل البيت. وضرب لذلك مثلا بالشيخ المنتظري الذي أنكر حق السيدة فاطمة الزهراء في (فدك) فأصابه ما أصابه من العزل والحصار والضغط، وفهمت ما كان يقصد، فقلت له: أن موضوع فدك بسيط جدا وهامشي ولا يستحق التوقف كثيرا، وهناك قضايا أساسية تمس جوهر العقيدة الشيعية مثل موضوع وجود الإمام الثاني عشر، فقال: إذا تريد أن تعمل في الساحة عليك أن تتجنب الخوض في هكذا مواضيع. وقلت له: ليس مهما العمل أو عدم العمل، المهم التحقق من عقيدتنا ومعرفة الحق من الباطل. وتجرأت فسألته فيما إذا كان قد بحث موضوع الإمام المهدي بصورة مفصلة اجتهادية؟ فاعترف بصراحة أذهلتني قائلا: لا. وكان من المفترض به كمجتهد ومرجع قبل أن يبحث في القضايا الفقهية الفرعية أن يبحث ويجتهد في أساس العقيدة الشيعية الإمامية الاثني عشرية التي يبني عليها بقية الأمور، وسألته سؤالا آخر: هل قرأت حول الموضوع؟ قال: نعم. ولم تكن إمامنا فرصة للحوار، فقلت له: إذن سوف أبعث لك بدراستي لكي تلقي عليها نظرة وتعطيني رأيك حول الموضوع.

  الشخص الثالث المهم الذي قررت مفاتحته في طهران، كان هو أستاذي السيد محمد تقي المدرسي، زعيم منظمة العمل الإسلامي ومؤسس الحوزة القائمية، والكاتب والباحث والمفكر الإسلامي الكبير، ولكنه كان يومها في نهاية عام 1990 منهمكا في متابعة ذيول اجتياح صدام للكويت، واستطعت أن آخذ ساعة واحدة من وقته، وأحدثه بالتفصيل عن خلاصة دراستي، وطلبت منه أن يشرح لي كيف يؤمن بوجود الإمام المهدي، وأن يقدم لي أية أدلة يملكها ولم اطلع عليها حول الموضوع. فقال لي: بان هذا الموضوع من أمور الغيب. قلت له: نحن المسلمين نؤمن بالغيب كالملائكة والجن والجنة والنار لأنا نؤمن بالقرآن الكريم، ولا يمكن أن نقبل بأي أمر آخر لا يوجد في القرآن، ولم يثبت من خلال السنة ولا من أحاديث أهل البيت. وإذا كان مشايخ الشيعة يقولون أن الإيمان بوجود ولد للإمام العسكري هو افتراض فلسفي لا دليل عليه، فكيف يمكن اعتبار ذلك من أمور الغيب؟

  قال لي وهو ينظر إلى ساعته: أرجو أن ترجئ الكتابة حول الموضوع حتى تبذل مزيدا من الوقت في البحث والتمحيص، ولا تستعجل، ثم اكتب بحثك وقدمه لي مكتوبا حتى أستطيع مناقشته. قلت له: عظيم.. وهذا ما أدركه أنا جيدا فان موضوعا مهما وخطيرا كموضوع وجود الإمام الثاني عشر ليس أمرا سهلا يمكن التلاعب به، وأعدك بأني لن انشره إلا بعد استكمال بحثي لسنة أخرى.

  وهكذا وعدت عددا صغيرا آخر من أصدقائي واخواني. ولم أنس المحافظة على السرية المطلقة وحصر البحث حول الموضوع في أضيق دائرة من الاخوان المؤتمنين.

  أكملت كتابة المسودة الأولى من الكتاب في نهاية عام 1992 وأرسلتها إلى المدرسي كما وعدته، وقمت بكتابة رسائل إلى حوالي ثلاثمائة إلى أربعمائة عالم ومفكر من علماء الشيعة وقياداتهم أعرض عليهم خلاصة ما توصلت اليه من عدم صحة نظرية الإمامة وعدم وجود الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري)، واطلب منهم الاطلاع على مسودة كتابي ومناقشته، وتقديم ما لديهم من أدلة وبراهين قد لم اطلع عليها. أعلنت للجميع استعدادي للتراجع عن النتائج التي توصلت اليها فيما إذا حصلت على أي دليل مقنع. وقلت للكثير منهم بأني على استعداد لعمل حفلة وإحراق كتابي إذا ما اكتشفت أي دليل مخفي عني، وأيقنت بصحة النظرية الإمامية وصحة وجود الإمام الثاني عشر.

  ووجهت رسالة مفتوحة إلى الحوزة العلمية في قم بعقد ندوة علمية لمناقشة هذا الموضوع، واستعدادي للمشاركة فيها. ولم أتلق بالطبع أي جواب.

  وبعد فترة من المناقشة والحوار لمدة خمس سنوات قمت بطبع الكتاب سنة 1997 في لندن، فصدرت منذ ذلك الحين عشرات الكتب التي تحاول إثبات ولادة (الإمام محمد الحسن العسكري) ووجوده، وقد قمت بمراجعتها والرد على أهمها في كتاب خاص تحت عنوان (حوارات أحمد الكاتب مع العلماء والمراجع والمفكرين حول وجود الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) وطبعته سنة 2007 وقلت في ذلك الكتاب بأن معظم الردود يؤكد ما وصلت اليه من أن موضوع (الإمام الثاني عشر) ما هو إلا افتراض فلسفي وهمي أكثر منه حقيقة تاريخية، وإن أغلب الردود تحاول إثبات وجوده عن طريق الاستدلال النظري أو ما يسمى بالدليل العقلي، وتفتقر إلى الأدلة العلمية التاريخية[1].

  فهذه تجربة عاناها وخاضها من تحرر من ربقة التقليد الأعمى والموروثات الدينية فقادته إلى معرفة الحقيقة، ليخلص إلى نظرية أهل السنة والجماعة الذين يرون أن نظام الحكم في الإسلام يقوم على ركنين: السلطة للأمة، والسيادة للشريعة. وإنّ العصمة من شروط النبوّة، والرسالة، وليست من شروط الإمامة، وإنّما يشترط فيها عدالة ظاهرة، فمتى أقام في الظاهر على موافقة الشريعة، كان أمره في الأمّة منتظماً، ومتى زاغ عن ذلك كانت الأمّة عيناً عليه في العدول به من خطئه إلى صواب، أو في العدول عنه إلى غيره[2].

النبذة:0000
مقالة علمية تناقش مفهوم الإمامة والولاية السياسية عند أهل السنة والجماعة، وتبيّن طرق انعقادها في الفقه السني، وتقارن ذلك بنظرية ولاية الفقيه في الفكر الشيعي، مع بيان تسرب بعض أفكارها إلى بعض الكتابات المعاصرة، وبيان تعارض ذلك مع منهج السلف وإجماع علماء الأمة ومن هنا يهدف هذا المقال إلى بيان حقيقة نظام الحكم عند أهل السنة والجماعة، وطرق انعقاد الإمامة لديهم، مع مناقشة نظرية ولاية الفقيه وأثرها الفكري والسياسي، وبيان الفروق الجوهرية بين المنهجين، مع إيضاح ما يترتب على كل تصور من نتائج تمس وحدة الأمة واستقرارها.

الكلمات المفتاحية:

ولاية الفقيه، الشورى في الإسلام، نظام الحكم في الإسلام، الإمامة عند أهل السنة، الخلافة الإسلامية، الإمامة السياسية، الفقه السياسي الإسلامي، حكم الإسلام، الفكر السياسي الشيعي، الإمامة الإلهية، غيبة الإمام المهدي، نظرية الخميني، النظام الإيراني، نقد ولاية الفقيه، الشورى والديمقراطية، السلطة في الإسلام، أهل الحل والعقد، بيعة الإمام، الفكر الشيعي السياسي، الفرق بين السنة والشيعة، الإمامة عند الشيعة، الحاكمية في الإسلام، الفكر السياسي الإسلامي، نقد الفكر الشيعي، تاريخ الإمامة، الخلافة الراشدة، طاعة ولي الأمر، السمع والطاعة، وحدة الأمة الإسلامية، الحكم الشرعي، نظرية الحكم في الإسلام، الفقه السياسي السني.


[1] انظر http،//ahmadalkatib.blogspot.com/2010/07/blog-post_1837.html

[2] أنظر أصول الدين، للبغدادي، 69