الشورى بديلاً لولاية الفقيه (1)
شكّلت مسألة شكل الحكم في الفكر السياسي الشيعي محوراً لنقاشات واسعة بين العلماء والمفكرين، خاصة في ظل غياب الإمام المعصوم بحسب الاعتقاد الإمامي. وقد برزت في هذا السياق نظريتان رئيسيتان: الأولى تقوم على ولاية الفقيه باعتباره نائباً عن الإمام الغائب، والثانية تقوم على مبدأ الشورى وولاية الأمة على نفسها بوصفه الأساس الشرعي والسياسي لإدارة الدولة.
ويرى فريق من الباحثين أن الأدلة النقلية التي استندت إليها نظرية النيابة العامة للفقهاء لا تنهض لإثبات ولاية سياسية مطلقة، وأن النصوص الدينية أقرب إلى بيان دور العلماء في الإرشاد وبيان الأحكام الشرعية، لا في احتكار السلطة السياسية. ومن هنا برزت الدعوة إلى اعتماد نظام الشورى باعتباره آلية شرعية وعقلية لاختيار الحاكم ومراقبة السلطة، بما يضمن مشاركة الأمة في القرار السياسي ويحول دون احتكار الحكم أو تقديس الحاكم.
ويؤكد هذا الاتجاه أن الشورى لا تقتصر على اختيار القيادة فحسب، بل تمتد إلى مجالات التنفيذ والتشريع والفصل بين السلطات، بحيث تقوم الدولة على دستور يحدد الصلاحيات ويضمن المراقبة والمحاسبة، ويجعل الحاكم مسؤولاً إمام الأمة. كما يناقش المقال نماذج من النقد الذي وُجّه إلى تطبيق نظرية ولاية الفقيه في التجربة المعاصرة، وما أفرزته من جدل حول حدود السلطة الدينية والسياسية وعلاقة الحاكم بالمجتمع.
ومن خلال هذا الطرح يسعى المقال إلى إبراز الرؤية التي ترى أن الشورى وولاية الأمة تمثلان الأساس الأجدر لإدارة الحكم في عصر الغيبة، مع الاستفادة من دور العلماء والفقهاء في الإرشاد الشرعي دون تحويلهم إلى سلطة سياسية مطلقة.
وإذا ثبت قانون الشورى كقاعدة وحيدة لشرعية الحكم في ظل غياب النص من الله وعدم صحة نظرية(النيابة العامة) فإنه ينعكس على عدة مجالات.
ويؤدي إلى ما يلي:
1 - الشورى في التنفيذ، وهذا يعني: ضرورة انتخاب الحاكم الأعلى للدولة الإسلامية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومبايعة الأمة له، وضرورة موافقة الأغلبية المطلقة على قراراته وسياسته العامة، وذلك بعرضها على مجلس الشورى أو التصويت عليها من قبل الشعب، وذلك لأن انتخابه الابتدائي لايعني التسليم إمام كل قرار يتخذه حتى إذا لم يحضَ برضا الأمة. ويعني ذلك أيضا: ضرورة تصويت مجلس الشورى على الهيئة التنفيذية (الوزارة ( التي ينتخبها الرئيس المنتخب لمساعدته في عملية التنفيذ.
وهنا لا بد أن نستشهد بقول الشيخ النائيني في (تنبيه الأمة وتنزيه الملة): أن رأي الأكثرية من المرجحات لدى التعارض، ويستفاد من مقبولة عمر بن حنظلة. وهو الحل الوحيد لحفظ النظام لدى اختلاف الآراء، وأدلة لزومه نفس أدلة لزوم حفظ النظام، وقد التزم الرسول الأكرم في موارد عديدة بآراء الأكثرية كما في أحد والأحزاب، والتزم الإمام علي بن أبى طالب في قضية التحكيم برأي الأكثرية وقال:· انها لم تكن ضلالة بل سوء رأي، ولأن الأكثر قالوا واتفقوا على ذلك فوافقت... فالحكام البشر العاديون لا بد من تحديدهم، وإذا كانت العصمة أو التقوى تحدد الحاكم وتمنعه من الطغيان والتجاوز والاعتداء فاننا يمكن أن نصل إلى هذه النتيجة بالقوانين المسددة التي تحدد الصلاحيات للحاكم، وذلك عن طريق:
1 - الدستور الذي يحدد الحقوق والواجبات للحاكم والمحكومين...
2 - ترسيخ مبدأ المراقبة والمحاسبة والمسئولية عبر مجلس شورى من العقلاء والخبراء والقانونيين والسياسيين، وهو الذي يمنع الولاية من التحول إلى الملك والمالكية....
ان طريقة الشورى تختلف عن عملية قيام الفقيه ( النائب العام المعين والمجعول من قبل الإمام المهدي) بتشكيل الحكومة الإسلامية، بمجرد حصوله على القوة والأنصار، حتى إذا لم تقبل به أكثرية الأمة. ويمتاز نظام الشورى عن نظام (النيابة العامة) في أن الحاكم الأعلى ( الإمام ) فيه، غير مقدس، وذلك بمعنى عدم اتخاذ الحاكم صفة دينية إلهية، حتى لو كان مجتهدا عادلا، وان قراراته غير مقدسة، وان كانت محترمة في إطار الدستور، وبعبارة أخرى: أن الحاكم في نظام الشورى يظل مدنيا وشعبيا ولا يرقى لكي يصبح ظل الله في الأرض.
و بعد.. فان الأدلة العقلية لا تحتم ضرورة تبوؤ (الفقهاء) بالمعنى المصطلح عليه، لمنصب القيادة العليا، مع إمكانية تصدي عدول المؤمنين الأكفاء لهذا المنصب وخضوعهم لمجلس تشريعي (برلمان ) يعتمد التفقه في الدين ويراعي تطابق الأحكام والقوانين مع الشرع المقدس.
2 - الشورى في التشريع، وهذا يعني: ضرورة انتخاب مجلس نواب من الأمة للقيام بمهمة تشريع الأحكام والقوانين الثانوية الجديدة التي لم ينص عليها الإسلام، والقابلة للاجتهاد.
وتختلف عملية التشريع هذه، عن عملية التشريع القائمة على نظرية (النيابة العامة) في أن عملية التشريع السابقة كانت تكتسي صفة الشرعية والقداسة والدين بمجرد قيام فقيه ما باستنباط حكم فقهي في قضية معينة، بينما تعتبر (الشورى ) كل عمل فقهي خارج حدود الشرعية والقانونية الدستورية مجرد رأي شخصي لا تتوفر فيه صفة الإلزام إلا بعد عرضه على مجلس الشورى والتصويت عليه حسب الدستور.
3 - الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
أن نظرية (ولاية الفقيه) القائمة على نظرية (النيابة العامة) كانت تركز عامة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يدي رجل واحد هو (الفقيه) باعتباره نائبا عن الإمام المهدي، بينما تتيح نظرية (الشورى) للامة القيام إذا شاءت بالفصل بين السلطات، وإعطاء الإمام أو الحاكم الأعلى مهمة القيادة والتنفيذ فقط، وايكال عملية التشريع إلى مجلس من النواب المنتخبين من قبل الأمة، وايكال مهمة القضاء إلى قضاة مختصين ومستقلين.
وفي هذه الحالة لا تشترط نظرية (الشورى) بأن يكون الحاكم الأعلى ( فقيها قانونيا )، كما كانت تفعل نظرية (النيابة العامة) وتكتفي باشتراط العلم والكفاءة الإدارية والسياسية والعدالة والأمانة، وذلك لخضوع الحاكم إلى مجلس من النواب الذين يعتمدون التفقه في الشريعة الإسلامية.
وهذه ليست صورة مبتكرة نقدمها عن الحكومة الإسلامية، بل هي مصداق للحديث الشريف الذي يثني على الأمراء الذين يقفون على أبواب العلماء ويذم العلماء الذين يقفون على أبواب الأمراء، والذي يفيد ضرورة خضوع السلطة التنفيذية (الأمراء) إلى السلطة التشريعية (العلماء) وينهى عن العكس.
والسؤال الآن هو: أين إذن موقع (الشورى) من نظرية (الإمامة الإلهية ) ولماذا رفض المتكلمون (الإماميون ) الإيمان بها؟.. ولماذا قالوا باشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في (الإمام)؟.. ومن أين جاؤا بأقوالهم تلك؟.. هل اختلقوها؟ أم اقتبسوها من أهل البيت (ع)؟.. وبالتالي فهل يشكل القول بنظرية (الشورى ) خروجا عن مذهب أهل البيت؟ أم عودة إلى صفوفهم؟
ان الإجابة عن هذه الأسئلة، والبحث عن اصل نظرية الإمامة ومنشئها وموقف أهل البيت منها هو موضوع الجزء الأول من هذا الكتاب: (تطور الفكر السياسي الشيعي) وقد بحثنا فيه بالتفصيل كل تلك المواضيع، واثبتنا التزام أهل البيت (ع) بمبدأ الشورى في الحكم والحياة، وعدم تبنيهم لنظرية المتكلمين:( العصمة والنص وتوارث السلطة في سلالتهم ).
و ختاما نقول: أن الفكر السياسي الشيعي لن يستطيع التقدم نحو الإمام وإرساء قواعد (الشورى) إلا بالسير على نهج الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام)، ولن يستطيع تحقيق ذلك إلا بالتخلص من أوهام المتكلمين وفرضياتهم الخيالية التي ادخلوها في تراث أهل البيت، وعلى رأسها فرضية ولادة ووجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) التي لم يقل بها أهل البيت (ع) ولم يعرفوها في حياتهم، والتي تسببت في أبعاد الشيعة عن مسرح التاريخ قرونا طويلة من الزمن [1].
يقول عبدالخالق حسين: الخميني يعطي صلاحيات واسعة للوليّ الفقيه، فيرى أن حكومة ولاية الفقيه هي شعبة من ولاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، ومقدَّمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج.. فالولي الفقيه فوق الدستور والقوانين الوضعية، وقراراته تعتبر قوانين إلهية واجبة التنفيذ.
لذلك نرى في جمهورية إيران الإسلامية، ورغم وجود رئيس جمهورية، ومجلس برلمان منتخبين من قبل الشعب، إلا أن هؤلاء ليسوا صناع القرارات السياسية المهمة الحقيقيين، فأي قرار يتخذه رئيس الجمهورية، أو قانون يصدره البرلمان لا يمكن وضعه موضع التنفيذ إلا بعد أن يوافق عليه الولي الفقيه ومجلس حماية الدستور الذي هو الآخر غير منتخب من قبل الشعب، ووظيفته اختيار المرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية والنيابية، ومن صلاحياته منع أي مرشح من الترشيح إذا شك في ولائه للولي الفقيه. ومن هنا نعرف أن الانتخابات البرلمانية والرئاسية وغيرها ما هي إلا إجراءات شكلية لا قيمة لها في ظل حكم ولاية الفقيه. وباختصار شديد، وعلى العكس من الديمقراطية، لا تؤمن ولاية الفقيه بقدرة الشعب على حكم نفسه، إذ يعتبر الولي الفقيه هو وحده الذي يمتلك ناصية الحقيقة والعقل والمعرفة والعدالة، والقيِّم على شؤون أبناء الشعب، ومعاملة الشعب كأطفال قاصرين ليس لهم القدرة على إدارة شؤونهم بأنفسهم. وهذا يؤكد بصورة واضحة ومن دون أي لبس عدم توافق حكم ولاية الفقيه مع الديمقراطية.
وخلص إلى القول:
1 - أن (نظرية ولاية الفقيه) عند الشيعة الإمامية تعادل نظرية (الحاكمية لله) عند الإسلام السياسي السني (الأخوان المسلمون). وقد تبناها حزب الله منذ تأسيسه كأيديولوجية دينية مرشدة في عمله، كما وتبناه المجلس الإسلامي الأعلى في العراق والذي تأسس في إيران في الثمانينات عندما كان معظم قادة المعارضة الشيعية فيها.
2 - ولاية الفقيه تكرس الحكم المطلق في يد رجل واحد تسبغ عليه صفة الكمال والعصمة قريبة من النبوة، تتوفر فيه العلوم الدينية والعدالة، ويكون نائباً للإمام الثاني عشر الغائب (المهدي المنتظر) وهو مرشد الثورة الإسلامية في إيران في الوقت الحاضر، وطاعته واجبة على كل مسلم ومسلمة، واعتبار الشعب كصغار قاصرين، وبذلك فالنظرية على الضد تماماً من النظام الديمقراطي.
3 - تكرس ولاية الفقيه الولاء للأجنبي وللطائفة، أي للحاكم المطلق في إيران بدلاً من الولاء للوطن وحكومته المنتخبة من الشعب، وبذلك فهي تكرس الطائفية وتؤجج الصراع الطائفي بين أبناء الشعب الواحد ذي المكونات الدينية والمذهبية المتعددة.
4 – الشعوب متعدد الأديان والطوائف، ولا يصلح لها إلا نظام ديمقراطي يشترك فيه ممثلو جميع مكوناته في إدارة شؤون البلاد بالتوافق في نظام دولة المواطنة، لذلك فإذا ما قيّض لأي حزب إسلامي شيعي مؤمن بولاية الفقيه أن يحكم البقية، فلا بد من أن يفرض هذه النظرية على بقية مكونات الشعب بالقوة، ولذلك نعتقد أن وصول هكذا حزب للسلطة وإنفراده بالحكم أمر مستحيل. وبالتأكيد سوف لن تقبل المكونات الأخرى هذا النوع من الحكم القسري الشمولي، لذلك فليس إمام هذه المكونات سوى مواصلة النضال من أجل حكم ديمقراطي ينصف الجميع[2].