الفتنة من المشرق لا من بيت عائشة
تُثار شبهة حول حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «هنا الفتنة… من حيث يطلع قرن الشيطان»، ويُحاول بعضهم ربطه ببيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، زاعمين أن الإشارة النبوية كانت إلى داخل بيتها، وهذا فهم خاطئ مبني على اجتزاء النصوص وعدم الجمع بين الروايات.
وهذه الشبهة من المسالك التي تسلكها بعض الفرق الضالة للطعن في الصحابة وأمهات المؤمنين، مع أن النصوص الصحيحة الصريحة تُفسر بعضها بعضًا، وتُبيّن أن المقصود هو جهة المشرق، لا بيت عائشة ولا المدينة عمومًا.
كما أن هذا الفهم السقيم يصطدم بالعقل والنقل معًا، إذ كيف يُعقل أن يكون مكان نزول الوحي ومقام النبي صلى الله عليه وسلم موضعًا لقرن الشيطان؟! لذلك كان لزامًا بيان المعنى الصحيح للحديث وفق فهم الصحابة وشُرّاح الحديث.
هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان:
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله رضي الله عنه قال قام النبي خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان».
وفي رواية: «رأس الكفر قِبَل المشرق»
[مسلم رقم (52) والبخاري (3301)].
وعن ابن عمر قال:
«سمعت رسول الله r يشير بيده نحو المشرق ويقول: «ها إن الفتنة هاهنا» (مسلم2905).
فالرواية تشير إلى الجهة التي فيها بيت عائشة وليس إلى داخل بيت عائشة.
ولكن: هل يمكن ان يقول لنا الرسول بأن قرن الشيطان في نفس المكان الذي كان يتنزل عليه الوحي؟
وهل سوف يقبل نصراني أن يدخل في دين قال نبي هذا الدين بأنه مقر الشيطان ومركزه مع انه هو نفسه مكان هذا النبي؟
وقد سأل الصحابة رسول الله e «يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان»
(رواه البخاري حديث رقم6262).
ولم يحدث ولا زلزال واحد في المدينة فضلا عن بيت عائشة، وإنما تكثر الزلازل في مستنقع زلازل العقائد الفاسدة في إيران التي هي المشرق المعني في الحديث. والعراق كان جزءا تابعا لها.
وقال سالم بن عبد الله بن عمر:
«يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله r يقول: إن الفتنة تجيء من ههنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان»
(مسلم2905).
ولقد حارب الصحابة مسيلمة وكانوا يسمون تلك الحرب بحرب اليمامة ولم يوقعوا حديث «نجد قرن الشيطان» على حربهم مع مسيلمة وإنما كانوا يوقعونها على العراق كما تقدم من الروايات الثابتة عنهم.
وقد جاء النصر صريحًا بأنها العراق كما عند أبي نعيم في الحلية عن توبة العنبري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر أن رسول الله r قال: «اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا فرددها ثلاث مرات، فقال الرجل: يا رسول الله يا رسول الله: وفي عراقنا؟
[وهذا يفسر الرواية الأخرى (ونجدنا) كما عند أحمد في (المسند2/118).
وفي رواية عند الطبراني «وفي عراقنا؟». فقال رسول الله r بها «الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان».
رواه الطبراني في (المعجم الكبير13422) وأبو نعيم في (الحلية6/133)
والحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق من طرق عن توبة العنبري عن سالم بن عبد الله عن أبيه.
قال الألباني «إسناده صحيح على شرط الشيخين»
(سلسلة الصحيحة رقم2246 و2494)
◘ وقال الهيثمي «رجاله ثقات» (مجمع الزوائد 3/305).
وفي رواية عند الطبراني في الأوسط «وفي مشرقنا فقال: من هناك قرن الشيطان وبه تسعة أعشار [الشر] الكفر وبه الداء العضال».
ولذا روى مالك في الموطأ حديث «الفتنة ههنا من حديث يطلع قرن الشيطان» ثم روى أنه لما أراد عمر الخروج إلى العراق قال له كعب الأحبار: «لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين. فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال»
(رواه مالك في الموطأ 2/975 كتاب الاستئذان: باب ما جاء في المشرق ورواه أبو نعيم في الحلية 6/23 وانظر إتحاف السادة المتقين9/671).
ولننظر: أين جهة المشرق من المدينة؟ الرياض: أم العراق؟
ولئن كانت اليمامة أو نجد الرياض هي المقصودة في الحديث فلماذا لم يحتج أحد من الصحابة به مع انهم يعلمون بشأن مسيلمة وحرب الردة هناك.
ثم لماذا ذكّر سالم بن عبد الله بن عمر أهل العراق بحديث رسول الله r؟ أليس هذا دليلاً على أن هؤلاء يحرفون معنى الحديث ويحرّف الجهة التي أشار إليها حتى لا يقال بأن دعوة الأشعري خرجت من حيث يطلع قرن الشيطان؟
قال الخطابي: «نجد من جهة المشرق، ومن كان نجده بادية العراق ونوحيها وهي جهة أهل المشرق»
(فتح الباري13/47).
عن يسير بن عمرو قال:
«سألت سهل بن حنيف: هل سمعتَ رسول الله r يذكر هؤلاء الخوارج؟ قال: سمعته: وأشار بيده نحو المشرق يخرج منه قوم يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"»
(رواه ابن أبي شيبة في السنة بإسناد صحيح 2/440).
◘ ومعلوم أن وقعة الجمل وصفّين لم تكن بنجد الرياض ولا كان خروج الخوارج على عليّ رضي الله عنه إلا بحروراء من جهة العراق.
وعند البخاري أن يسير بن عمرو سأل سهلاً:
«هل سمعت النبي r يقول في الخوارج شيئًا؟ قال: سمعته يقول: وأهوى بيده قِبَل العراق "يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية»
(البخاري 6934).
◘ وكذلك عند أحمد في المسند 3/486. وأكدت الرواية في مسلم أنهم في المشرق «يتيه قوم قِبَل المشرق محلقة رؤوسهم»
(مسلم 1068).
وهذه الرواية مدرجة عند مسلم تحت باب (باب الخوارج شر الخلق والخليقة).
ماذا فهم الصحابة من أحاديث نجد؟
وأمر r أصحابه بقتالهم وعزم إن هو أدركهم أن يقتلهم قتل عاد وإرم. قال أبو سعيد الخدري رضي الله: «فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله r وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه»
(مسلم 2/745 رقم 1064).
قال أبو سعيد: «وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق»
(مسلم 2/745 رقم 1065).
فالصحابة فهموا أنهم الخوارج وحققوا أمر النبي r بقتلهم فقاتلوهم. وأن قتالهم لهم كان في المشرق حيث أشار النبي r . وفهموا أن المراد بالمشرق العراق كما جاء صريحاً على ألسنتهم.
ماذا فهم شراح الحديث:
◘ وفي البخاري: «يخرج ناس من قبل المشرق ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
◘ قال الحافظ: «تقدم في كتاب الفتن أنهم الخوارج» ونعود للحديث «قيل: ما سيماهم؟ قال: سيماهم التحليق».
◘ قال الحافظ: «قال الكرماني: الخوارج اتخذوا [تحليق الرأس] ديدنًا فصار شعارًا لهم وعُرفوا به»
(رواه البخاري7562 فتح الباري13/536)..
ولم يكن التحليق شعارًا عُرف به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا أتباعه.
◘ وقال الكرماني في شرحه على البخاري: «هي الأرض المرتفعة من تهامة إلى العراق»
(صحيح البخاري بشرح الكرماني24/168).
◘ نص ابن حجر على أن نجد هي العراق لا سيما وأنها في جهة المشرق من المدينة كما نص عليه الحديث. ونقل نص الخطابي والداوودي وغيرهما أن نجد هي العراق
[فتح الباري 13/47].
فالعراق هي الجهة التي أشار النبي r إليها وفهمها الصحابة هكذا. وشرّاح أحاديث (نجد قرن الشيطان) تحدثوا عن فتنة الخوارج بالعراق، ثم هذا الذي فهمتموه لم يقله حتى سلفكم من الأشاعرة كالسبكي وغيره: من أئمتكم في تفسير هذا الحديث؟ نحن نأتيكم بصريح اسم العراق من البخاري ومن شرحه للحافظ.