ما يجب فيه الخمس غنيمة الحرب مع الكفار
يُعدّ موضوع الخُمُس في غنيمة الحرب مع الكفار من أكثر المسائل التي تكشف بوضوح منهج الشيعة في التعامل مع النصوص الشرعية، حيث يظهر فيه الاضطراب الشديد في الروايات، والتناقض الصريح في التأويلات، ومحاولات الجمع المتكلفة بين نصوص لا تستقيم لا لغةً ولا شرعًا. فعلى الرغم من وجود روايات صريحة في مصادرهم تحصر الخمس في غنائم الحرب فقط، إلا أن علماءهم لم يلتزموا بمقتضاها، بل لجؤوا إلى التأويل، والتخصيص، والحصر الإضافي، بل وادّعاء التقية، كل ذلك من أجل تثبيت مذهبٍ مسبق يقوم على توسيع موارد الخمس.
إن المتأمل في هذا الباب يدرك أن الشيعة لم يبنوا قولهم على نصوص محكمة، وإنما على أحاديث موضوعة أو مضطربة، نُسبت زورًا إلى أئمتهم لتحقيق غاية مالية وتشريعية، ثم أُجبر علماؤهم لاحقًا على ترقيع التناقضات الواقعة بينها. وهذا المنهج يختلف جذريًا عن منهج الإسلام الصحيح الذي يلتزم بظاهر القرآن، وصحيح السنة، وفهم السلف الصالح دون تحريف أو تلاعب.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، الذي يتناول خمس الغنيمة عند الشيعة، ويعرض نصوصهم، ثم يكشف اضطرابهم في فهمها وتأويلها، ويُبرز بوضوح أن ما يرفعونه من دعاوى في هذا الباب لا يقوم على أصل ثابت، بل هو نتاج فرقة ضالة خالفت جماعة المسلمين في أصول الاستدلال والدين.
وسوف نتعرض هنا للموضوعات السبعة بنحو من الإجمال فنقول:
النوع الأول: غنيمة الحرب مع الكفار (ويسمى خمس الغنيمة)
وهذا النوع يجب في كل ما يغنم من دار الحرب في ما يحويه العسكر، وما لم يحوه، وما يمكن نقله إلى دار الإسلام، وما لا يمكن، من الأموال والذراري والأراضين، والعقارات، والسلاح، والكراع، وغير ذلك مما يصح تملكه، وكان في أيديهم على وجه الإباحة، أو الملك، ولم يكن غصباً لمسلم.
وهم يوافقون أهل السنة في هذا، واستدلوا على ذلك بروايات من طرقهم منها:
الرواية الأولى: عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة»[1].
وهذه الرواية كما ترى نص صريح في حصر الغنائم بالحرب، وقد اضطرب الشيعة في تأويل هذه الرواية، ونحن ننقل لكم طرفاً من هذا الاضطراب:
قال بعضهم: إنها لا تسقط نهائياً، لأن فيها ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يكون المراد من الغنائم فيها مطلق الفائدة، لا خصوص غنائم دار الحرب، فعندئذ لا معارضة بينها وبين غيرها من الروايات الدالة على وجوب الخمس في غير غنائم الحرب من الفوائد.
الاحتمال الثاني: أن تكون في مقام بيان أن فريضة الخمس التي فرضها الله تعالى في كتابه العزيز منحصرة بغنائم الحرب دون غيرها من الفوائد كالمعادن وأرباح التجارات، وما شاكل ذلك، فإن وجوب الخمس فيها قد ثبت بالسنة والروايات لا بالكتاب. وإن شئت قلت: إن الآية الكريمة ولو بقرينة السياق ظاهرة في أن المراد من الغنيمة فيها هو غنيمة دار الحرب، و عليه فالخمس الذي فرضه الله تعالى بنص القرآن إنما هو خمس الغنيمة المذبورة دون مطلق الفائدة، على أساس أنها في مقام بيان ذاك الخمس الموجود في الكتاب وحصره بما عرفناه فلا تدل على نفي ثبوته في غيرها من الفوائد بالسنة، وإنما تدل على نفي ثبوته بالكتاب، فإذن لا تنافي بينها وبين غيرها من الروايات الدالة على وجوبه في مطلق الفائدة.
الاحتمال الثالث: أن الرواية تنحل إلى قضيتين:
الأولى: قضية إيجابية - وهي وجوب الخمس في غنائم دار الحرب -.
الثانية: قضية سلبية - وهي عدم وجوب الخمس في غيرها من الفوائد... إلخ[2].
وقال آخر: (فهذا الخبر الوجه فيه أحد شيئين:
أحدهما: أن يكون المعنى فيه أنه ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة بظاهر القرآن؛ لأن ما عدا الغنائم إنما علم وجوب الخمس فيه في السنة، ولم يعن أنه ليس في ذلك خمس أصلاً.
والوجه الثاني: أن تكون هذه المكاسب والفوائد التي تحصل للإنسان هي من جملة الغنائم التي ذكرها الله تعالى في القرآن)[3].
وأكد ذلك في موضع آخر قائلاً: (فالمراد به ليس الخمس بظاهر القرآن إلا في الغنائم خاصة، لأن ما عدا الغنائم التي أوجبنا فيها الخمس إنما يثبت ذلك كله بالسنة، ولم يرد عليه السلام أنه ليس فيه الخمس على كل حال)[4].
وأضاف آخر: (ويمكن إرادة الحصر الإضافي بالنسبة إلى ما يسرق من الكفار أو يأخذ على وجه الغيلة كما سيجيء، بأن يراد من الغنائم هو ما يؤخذ قهراً بالسيف بإذن الإمام)[5].
وقال: (ويحتمل أن يكون الحصر فيها بالإضافة إلى الفيء والأنفال، ومحط النظر فيها خصوص ما يصل إلى المسلمين من أموال الكفار، فيكون المراد أنَّ ما يصل إليهم من أموال الكفار لا تخمس إلا الغنائم التي تقسم بين المقاتلين، وأما الفيء والأنفال فكلها للإمام ولا خمس فيها)[6].
الرواية الثانية:
عن محمد بن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام: «أن الخمس على خمسة أشياء: الكنوز، والمعادن، والغوص، والغنيمة- ونسي ابن أبي عمير الخامسة-»[7].
وفي الرواية دليل على خروج الباقي من الخمس. ويدل على هذا أيضاً روايتهم عن علي رضي الله عنه أنه قال: «وأما ما جاء في القرآن من ذكر معايش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه: وجه الإمارة، ووجه العمارة، ووجه الإجارة، ووجه التجارة، ووجه الصدقات، فأما وجه الإمارة فقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الأنفال: 41] فجعل الله خمس الغنائم، والخمس يخرج من أربعة وجوه: من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين، ومن المعادن، ومن الكنوز، ومن الغوص»[8].
وقد أدرك القوم ذلك فقالوا: (حصر الخمس في هذه الأشياء مبني على دخول الباقي في الغنائم، أو حصر إضافي بالنسبة إلى ما عدا المنصوصات)[9].
وقال آخرون: (إن كان المراد بالغنيمة خصوص غنيمة دار الحرب كان مخالفاً لما هو الثابت قطعاً بالأخبار الكثيرة من أن الخمس في جميع الفوائد، وأن المراد بالغنيمة هو الفائدة يوماً بيوم، فلا بد أن يكون المراد منها مطلق الفوائد) ثم قال:
والجواب عنه: إما بالحمل على التقية وصدور روايات العدد على نحو يناسب مذاق فقهاء العامة من حيث ورود الدليل عندهم على تعلق الخمس بالركاز...، وإما بالحمل على أن غير الخمسة من سائر الفوائد مورد للتحليل، كما ينبئ عن ذلك غير واحد من الأخبار المتقدمة من كون خمس الأرباح كان مورداً للتحليل إلى عصر أبي الحسن الرضا عليه السلام أو إلى عصر أبي الحسن الأول عليه السلام، وأن الذي لا بد منه أداء الخمس تلك الخمسة. والجوابان كلاهما مبنيان على كون المراد بالغنائم غنائم دار الحرب. ويمكن أن يكون المراد بالغنائم ما يستفاد من مكاتبة علي بن مهزيار وأن المقصود بها هو الفوائد غير المترقبة التي لا يبنى عليها أساس المعيشة في العرف، وأن يكون الاقتصار على الخمسة من حيث التحليل، وأن الغنائم بالمعنى المذكور لا يكون مورداً للتحليل أصلاً فهي واجبة عليهم في كل عام)[10].
الرواية الثالثة:
وعن العبد الصالح عليه السلام قال: «الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم، والغوص، ومن الكنوز، ومن المعادن والملاحة»[11].
الرواية الرابعة:
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: «كل شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلمفإن لنا خمسه، ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا حقنا»[12].
الرواية الخامسة:
عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة، قال: «يؤدي خمساً ويطيب له»[13].
الرواية السادسة:
عن أبي عبد الله عليه السلام في الغنيمة قال: «يخرج منه الخمس، ويقسم ما بقي بين من قاتل عليه وولى ذلك»[14].
[1] تهذيب الأحكام، للطوسي (4/124)،من لا يحضره الفقيه، للصدوق (2/40)،الاستبصار، للطوسي (2/56)، المعتبر، للحلي (2/625)، مختلف الشيعة، للحلي (3/314)، منتهى المطلب، للحلي (1/549)، الحدائق الناضرة، للبحراني (12/321)، غنائم الأيام، للميرزا القمي (4/282، 334)، مستند الشيعة، للنراقي (10/12)، جواهر الكلام، للجواهري (16/46)، الخمس،لمرتضى الحائري (19)(ش)، كتاب الخمس، الأول، للخوئي (35)(ش)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/338)، منتقى الجمان، لحسن صاحب المعالم (2/436).
[2] الأراضي، لمحمد إسحاق الفياض (234).
[3] الاستبصار، للطوسي (2/56).
[4] تهذيب الأحكام، للطوسي (4/124).
[5] غنائم الأيام، للميرزا القمي (4/283).
[6] دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (3/48).
[7] المقنع، للصدوق (171)، الحدائق الناضرة، للبحراني (12/343)، الخصال، للصدوق (291)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/339) (344)، مستدرك الوسائل، للطبرسي (7/282)، بحار الأنوار، للمجلسي (93/189)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/539).
[8] وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/341)، بحار الأنوار، للمجلسي (90/46)، حاشية المكاسب، لليزدي (1/4)، كتاب البيع، للخميني (2/657)، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (3/111)، نظام الحكم في الإسلام، للمنتظري (480)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/529).
[9] وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/341).
[10] الخمس، لمرتضى الحائري (186-187)(ش).
[11] الكافي، للكليني (1/539)، تهذيب الأحكام، للطوسي (4/128)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/339،340، 358)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/536، 564)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (5/13)، الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (12/343، 371، 421).
[12] المقنعة، للمفيد (280)، مستند الشيعة، للنراقي (10/15) (90) (14/215)، الكافي، للكليني (1/545)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/339، 378)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/529، 578).
[13] تهذيب الأحكام، للطوسي (4/124)،وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/340)، مجمع الفائدة، للأردبيلي (4/320)(ش)، مدارك الأحكام، لمحمد العاملي (5/360)(ش) (418)(ش)، الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (12/422، 478)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/530، 578).
[14] تهذيب الأحكام، للطوسي (4/132)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/341، 374)،بحار الأنوار، للمجلسي (93/192)، الخمس، لمرتضى الحائري (19)(ش)، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري، ج (3/326، 495).