تُعدّ التقية من أبرز المعتقدات التي تميز الفرقة الشيعية الضالة عن سائر الطوائف، إذ جعلوها ركناً من أركان دينهم، وأساساً يقوم عليه كيانهم الفكري والسياسي. فبينما يُعدّ إظهار الحق والثبات عليه من أعظم القربات في الإسلام، ترى الشيعة يرفعون شعار التقية ليُخفوا معتقداتهم الحقيقية، ويُمارسوا الكتمان حتى بين أتباعهم. وقد بالغت كتبهم في الترهيب من ترك التقية قبل ظهور مهديهم المنتظر، حتى وصل الأمر إلى تكفير من يتركها، وجعلها شرطاً في الانتساب إليهم.
بل إنّ المفارقة العجيبة أنّ مهديهم نفسه – بزعمهم – يعيش في تقية دائمة، ويُحرم ذكر اسمه أو مكانه، خوفاً من انكشاف أمره، مما يجعل التقية عقيدة لازمة في فكرهم، لا وسيلة وقتية كما يدّعون.
في هذا المقال نقف على أبرز رواياتهم في الترهيب من ترك التقية، وكيف جعلوا منها أصلاً لا ينفك عنهم، ونكشف التناقضات التي تكتنف هذه العقيدة، وما تحمله من خفاء وازدواجية لا تمت إلى الإسلام بصلة.
|
مهدي الشيعة في تقية: |
والطريف أن مهدي القوم نفسه في تقية كما يزعمون[1]، بل ويروون النهي عن تسميته وذكره خوفاً وتقيةً، كروايتهم عن أبي عبد الله الصالحي قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبى محمد (ع) أن أسأل عن الاسم والمكان،
فخرج الجواب: إن دللتم على الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلوا عليه[2].
وعن محمد بن عثمان العمري - في حديث - أنه قال له: أنت رأيت الخلف بعد أبي محمد عليه السلام؟ قال: أي والله... إلى أن قال: فالاسم؟ قال: محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول ذلك من عندي، فليس لي أن أحلل ولا أحرم، ولكن عنه (ع)؛ فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمد مضى ولم يخلف ولداً... إلى أن قال: وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله وأمسكوا عن ذلك[3].
|
مختارات من مقالات السقيفة |
|
- هل ينفع النبي عندكم أيها الشيعة؟ - الكذب والغيبة عند الشيعة من مفطرات الصيام - إلزام (إسحاق هو ذبيح الله وليس اسماعيل عليهما السلام) |
وعن علي بن عاصم الكوفي قال: خرج في توقيعات صاحب الزمان: ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس[4].
وعن محمد بن عثمان العمري قال: خرج توقيع بخط أعرفه: من سماني في مجمع من الناس فعليه لعنة الله[5].
وعن أبي خالد الكابلي قال: لما مضى علي بن الحسين (ع) دخلت على محمد بن علي الباقر (ع) فقلت: «جعلت فداك، قد عرفت انقطاعي إلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس. قال: صدقت يا أبا خالد، تريد ماذا؟ قلت: جعلت فداك، قد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفة لو رأيته في بعض الطرق لأخذت بيده: قال: فتريد ماذا يا أبا خالد؟ قال: أريد أن تسميه لي حتى أعرفه باسمه. فقال: سألتني - والله - يا أبا خالد عن سؤال مجهد، ولقد سألتني بأمر ما لو كنت محدثاً به أحداً لحدثتك، ولقد سألتني عن أمر لو أن بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة» [6].
والروايات في هذا الباب كثيرة، رغم ذكرهم لعشرات الروايات المصرحة باسمه وأنه محمد بن الحسن العسكري.
وعلى أية حال فإنَّ الروايات السابقة لم تخل من أخرى معارضة لها، كشأن جميع عقائدهم، ولكن ليس هذا مكان بسطها.
ثم يزعمون أنه لا فرق بين غيبة الإمام وحضوره في زمان التقية، لاستوائهما في كونه عليه السلام موجوداً ممنوعاً من التصرف، والأخبار وكلام الأصحاب يومئ إلى ذلك، وإباحتهم - عليهم السلام - لشيعتهم إنما وقع في زمانهم عليهم السلام، وكذا الأمر في الجمعة، وقد احتج الأصحاب بذلك، بثبوتهما في زمان الغيبة، وفي الواقع لا فرق بينهما[7].
وبهذا نكون قد وقفنا على شيء من حقيقة التقية ومنزلتها عند الشيعة، ولا شك في أنك لن تجد أحداً من القوم يذكر عند كلامه عن التقية هذه الحقائق، فغالبا ما تراهم يرددون أقوال أهل السُنة في المسألة ويظهرونها بأنها من المسلمات عند الفريقين، وأنهم - أي: الشيعة - لا يختلفون عن سائر فرق المسلمين في التقية بأنها رخصة وقتية يلجأ اليها المسلم في حال الضرورة لرفع ضرر كبير يقع عليه ويودي به إلى النطق بكلمة الكفر أو إظهار خلاف ما يبطن، شريطة أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان.
|
روايات من طرق الشيعة في الترهيب من ترك التقية: |
ثم وضع القوم روايات عديدة ترهب من ترك التقية قبل خروج المهدي المنتظر:
فعن الصادق عليه السلام أنه قال: «ليس منا من لم يلزم التقية» [8].
وقال: «إذا قام قائمنا سقطت التقية» [9].
وعن الرضا أنه قال: «من ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا» [10].
[1] الفصول المختارة (76).
[2] القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي (1/497)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/487).
[3] الكافي، للكليني (1/330)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/487، 18/100)، الغيبة، للطوسي (360)، بحار الأنوار للمجلسي (51/348)، إعلام الورى، للطبرسي (2/219)
[4] كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق (482)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/489)، بحار الأنوار للمجلسي (51/33، 53/184)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/561)، مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي (5/392)، معجم رجال الحديث، للخوئي (13/70).
[5] القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي (1/495، 499)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/489)، بحار الأنوار للمجلسي (51/33، 53/184)، جامع أحاديث الشيعة للبرجرودي (14/561)، مستدرك سفينة البحار للنمازي (10/506).
[6] القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي (1/499)، كتاب الغيبة، للنعماني (300)، بحار الأنوار للمجلسي (51/31، 52/98)، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، للكوراني (3/229)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (2/44)، موسوعة شهادة المعصومين (ع)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع)،( 3/380).
[7] الخراجيات، للكركي (60)، رسائل الكركي، للكركي (1/258).
[8] القواعد الفقهية، لناصر مكارم الشيرازي (1/410، 478)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/466)، الأمالي، للطوسي (281)، الصراط المستقيم، للعاملي (3/71)، بحار الأنوار للمجلسي (72/395)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (10/93).
[9] إثبات الهداة (3/564)، بحار الأنوار للمجلسي (24/47)، كنزالفوائد، للكراجكي (282)، تأويل الآيات (2/540).
[10] بحار الأنوار للمجلسي (75/411، 396) كمال الدين للصدوق (371)، وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (16/212)، كشف الغمة، للإربلي (3/331)، مشكاة الأنوار لعلي الطبرسي (90).