حين نتأمل كتب الفرقة الشيعية الضالة نجد أن عقيدة التقية ليست مجرد فرعٍ فقهي كما يزعمون، بل أصلٌ عقدي قامت عليه بقية معتقداتهم. ولتثبيت هذا الأصل الهش، وضع القوم روايات عديدة ينسبونها إلى أئمتهم المزعومين، ثم اشترطوا لقبول الحديث أن يتصل سنده إلى "الإمام المعصوم" عبر سلسلة من الرواة "العدول الإمامية"، مع أن كثيراً من رجالهم مطعون في عدالتهم أو متهم بالغلو والكذب والوضع.

وفي هذا الباب، نجد عشرات الروايات التي يرفعونها في فضل التقية والترهيب من تركها، حتى زعموا أن "لا دين لمن لا تقية له". غير أن النظر في أسانيد هذه الروايات يكشف هشاشتها، وضعف رواتها، واضطراب أقوال علمائهم حولها، ما يفضي في النهاية إلى سقوطها من جهة السند والمعنى.

في هذا المقال نستعرض عدداً من رواياتهم في باب التقية من مصادرهم الأساسية كالكليني والصدوق والطوسي، مع دراسة نقدية لأسانيدها وفق معاييرهم أنفسهم، لنرى هل يصح منها شيء، وهل يصح بناء أصل عقدي بهذا الحجم على روايات واهية لا تثبت حتى بشروطهم التي وضعوها.

وضع القوم شروطاً لقبول الحديث، وهو مـا اتصل سنده إلى الإمام المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات.

ووضعوا معايير علمية تثبت بها الوثاقة أو الحسن، منها: نص أحد أئمتهم المعصومين، ونحن في هذا الباب - إن شاء الله - سنورد جميع ما وقفنا عليه من روايات في باب التقية من طرق الشيعة، ثم ننظر في أسانيدها لنرى هل يصح منها شيء باعتبارات الصحة التي مرت بك آنفاً، ناهيك عن وجوب التواتر الذي يراه الشيعة في مرويات عقائدهم.

الرواية السادسة:

الصدوق: أبي رحمه الله قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن هشام بن سالم، قال: سمعت الصادق عليه السلام قال: «ما عبد الله بشيء أحب إلي من الخبء. قلت: وما الخبء؟ قال: التقية» [1].

الصدوق نفسه لم يسلم من الطعن فيه، والخلاف في توثيقه، حتى توقف فيه البعض بحجة أنه لم يصرح بتوثيقه أحد من علماء الرجال[2].

مختارات من مقالات السقيفة

  - هل ينفع النبي عندكم أيها الشيعة؟

- الكذب والغيبة عند الشيعة من مفطرات الصيام

- إلزام (إسحاق هو ذبيح الله وليس اسماعيل عليهما السلام)

- إلزام: لماذا الولاية ليست ضمن أركان الإسلام الخمس

- روايات الشيعة في تفسير "أولي الإربة" وتناقضها

 

علي بن إبراهيم مر ذكره، ومحمد بن عيسى اليقطيني ضعفه البعض، وقيل: إنه يذهب مذهب الغلاة، ومن وثقه رد رواياته عن يونس كروايتنا هذه [3]، ويونس هذا وردت فيه روايات متعارضه[4].

الرواية السابعة:

الكليني: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي عمرو الكناني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «أبى الله عز وجل لنا ولكم في دينه إلا التقية» [5].

مر ذكر بعض رجال السند، والكناني مجهول الحال[6].

الرواية الثامنة:

الكليني: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: «التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له» [7].

وقد مر ذكر بعض رجال السند.

الرواية التاسعة:

الكليني: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن يحيى عن حريز عن معلى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:«يا معلى! أكتم أمرنا ولا تذعه؛ فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا وجعله نوراً بين عينيه في الآخرة يقوده إلى الجنة، يا معلى! من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة، وجعله ظلمة تقوده إلى النار. يا معلى! إن التقية من ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له» [8].

مر ذكر معظم رجال السند، وعبد الله بن يحيى لم يمكن تمييزه [9]، وابن خنيس اختلفت الأقوال فيه، حيث ذهب إلى ضعفه النجاشي والغضائري وغيرهما، وتوقف فيه الحلي[10].

الرواية العاشرة:

أبان بن عياش عن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له في حديث طويل جداً: «والتقية من دين الله، ولا دين لمن لا تقية له» [11].

أبان بن أبي عياش، تابعي ضعيف كما قال الطوسي، وقال فيه ابن الغضائري: ضعيف لا يلتفت اليه، وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه[12].

وسليم نفسه اضطربت أقوال القوم فيه وفي كتابه الذي حوى مسائل تخالف التاريخ وما عليه القوم، مثل جعله الأئمة ثلاثة عشر، وقصة وعظ محمد بن أبي بكر أباه عند موته مع أن عمر محمد وقتئذ كان أقل من ثلاث سنين، حتى نسب البعض وضع الكتاب إلى أبان بن أبي عياش كما مر بك، أو القول بأنه لا يعرف ولا ذكر في خبر، أو أن كتابه هذا موضوع لا مرية فيه، وأن تاريخ وضعه ربما يكون في أواخر الدولة الأموية، إلى آخر ما قيل فيه[13].


[1] معاني الأخبار (162) بحار الأنوار للمجلسي (75/396).

[2] انظر في تفصيل ذلك: معجم الخوئي (16/323)، روضات الجنات (6/136)، لؤلؤة البحرين (374) الخصال، مقدمة المحقق، صفحة (ب).

[3] انظر في تفصل ذلك: معجم الخوئي (17/110، 20/199).

[4] انظر: معجم الخوئي (20/198).

[5] الكافي للكليني (2/218) بحار الأنوار للمجلسي (75/428) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/206).

[6] معجم الخوئي (21/263).

[7] الكافي للكليني (2/219) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/204).

[8] الكافي للكليني (2/223) بحار الأنوار للمجلسي (75/76، 422) مشكاة الأنوار (40) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/210).

[9] معجم الخوئي (10/375).

[10] النجاشي (2/363) مجمع الرجال (6/110) رجال الحلي (259) .

[11] سليم بن قيس (160) بحار الأنوار للمجلسي (33/153).

[12] معجم الخوئي (1/141)، جامع الرواة (1/9)، رجال داود الحلي (225).

[13] انظر تفاصيل ذلك في: معجم الخوئي (8/216)، رجال العلامة الحلي (82) رحال ابن داود (249)، تعليق الشعراني على شرح المازندراني للكافي (2/373)، الموضوعات في الآثار والأخبار (184)، دراسات في الحديث والمحدثين (197)، خاتمة وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (210)، جامع الرواة (1/374)، مجمع الرجال (2/155، 3/157)، رجال النجاشي (1/68 (الحاشية)، تنقيح المقال للمامقاني (2/52).