تُعَدّ التقيّة من أبرز المسائل العقديّة والسلوكيّة التي اشتهرت بها الطوائف الشيعيّة بمختلف فرقها، وقد أثارت هذه المسألة جدلاً واسعاً بين علماء المسلمين منذ القرون الأولى، لما فيها من خصوصيّة في التطبيق ومخالفة لما عليه جمهور الأمة. فالأصل في التقيّة كما هو معروف في الإسلام أنها رخصة شرعية تُستخدم عند الضرورة القصوى، حين يواجه المسلم خطرًا حقيقيًّا على النفس أو المال أو العرض، فيجوز له حينئذٍ أن يُظهر خلاف ما يُبطن دفعًا للضرر المؤكد، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].

إلا أن ما نلحظه في كتب الشيعة هو توسعة غير معهودة لهذا المفهوم، إذ جعلوا التقيّة أصلاً ثابتًا في السلوك والعقيدة، حتى في حال الأمن وغياب أسباب الخوف أو الإكراه، بل تجاوزوا بها حدود الضرورة لتصبح منهجًا يوميًّا في التعامل مع الآخرين، ومبدأً عامًا يوجّه العلاقة بين أتباعهم وسائر الناس. وقد نقلوا في ذلك روايات كثيرة تُحثّ على العمل بالتقيّة مطلقًا، وجعلوها شعارًا دائمًا وسجيّة لازمة للمؤمن الشيعي، حتى مع من يأمن جانبه.

مشروعية التقية عند الشيعة في الأمن ودون توافر أسبابها:

إذاً فالقوم لا يرون في التقية أنها مشروعة في حال الضرورة، لذا تراهم قد وضعوا روايات تحث عليها من دون أن تتوافر أسبابها، كالخوف أو الإكراه، حتى تكون بذلك مسلكاً فطرياً عند الشيعة في حياتهم تصاحبهم حيث ذهبوا.

فرووا - مثلاً - عن الصادق رحمه الله أنه قال: «عليكم بالتقية؛ فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره» [1].

بل رووا: «اتق حيث لا يتقى» [2].

ويذكر الخميني في معرض كلامه عن أقسام التقية:

أن منها التقية المداراتية، وعرفها بقوله: والمراد بالتقية مداراة أن يكون المطلوب فيها نفس شمل الكلمة ووحدتها بتحبيب المخالفين وجر مودتهم من غير خوف ضرر، كما في التقية خوفاً[3].

فهو يؤكد خلاصة عقيدة التقية عند القوم، وهي أنها لا تعلق لها بالضرر أو الخوف الذي من أجله شرعت التقية، بل قال صراحةً: ثم إنه لا يتوقف جواز هذه التقية، بل وجوبها على الخوف على نفسه أو غيره، بل الظاهر أن المصالح النوعية صارت سبباً لإيجاب التقية عن المخالفين، فتجب التقية وكتمان السر ولو كان مأموناً وغير خائف على نفسه وغيره[4].

ويضيف آخر:

وقد تكون التقية مداراة من دون خوف وضرر فعلي بأن يكون المقصود منها هو جلب مودة العامة والتحبيب بيننا وبينهم[5].

ويقول آخر: ومنها:

التقية المستحبة، وتكون في الموارد التي لا يتوجه فيها للإنسان ضرر فعلي وآني، ولكن من الممكن أن يلحقه الضرر في المستقبل، كترك مداراة العامة ومعاشرتهم[6].

مختارات من مقالات السقيفة

  - هل ينفع النبي عندكم أيها الشيعة؟

- الكذب والغيبة عند الشيعة من مفطرات الصيام

- إلزام (إسحاق هو ذبيح الله وليس اسماعيل عليهما السلام)

- إلزام: لماذا الولاية ليست ضمن أركان الإسلام الخمس

- روايات الشيعة في تفسير "أولي الإربة" وتناقضها

يضيف مكارم الشيرازي في معرض كلامه عن التقية وغاياتها:

وقد يتبين مما ذكر أن غاية التقية لا تنحصر في حفظ الأنفس ودفع الخطر عنها أو عمَّا يتعلق بها من الأعراض والأموال، بل قد يكون ذلك لحفظ وحدة المسلمين وجلب المحبة ودفع الضغائن فيما ليس هناك دواع مهمة إلى إظهار العقيدة والدفاع عنها، كما أنه قد يكون لمصالح أخر من تبليغ الرسالة بنحو أحسن... فهي - بمعناها الوسيع - تكون على أقسام: التقية الخوفية، والتقية التحبيبية، والتقية لمصالح أخر مختلفة، وغير خفي أنها بأجمعها تشترك في معنى واحد وملاك عام، وهو إخفاء العقيدة أو إظهار خلافها لمصلحة أهم من الإظهار... من غير فرق بين أن تكون المصلحة التي هي أهم حفظ النفوس أو الأعراض والأموال، أو جلب المحبة ودفع عوامل الشقاق والبغضاء، أو غير ذلك مما لا يحصى[7].

فبالغوا في هذا الباب حتى انقلب السحر على الساحر، فرووا عن الصادق عليه السلام  أنه قال: « وايم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم: لا نفعل، إنما نتقي، ولكانت التقية أحب إليكم من آبائكم وأمهاتكم، ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مساءلتكم عن ذلك، ولأقام في كثير منكم من أهل النفاق حد الله» [8].

وهكذا نجد أن شروط المشروعية كالخوف أو الضرر قد سقطت، وهي أصل جواز التقية، لنتبين شيئاً فشيئاً اختلاف تقية القوم عن مفهومها عند غيرهم من المسلمين.

وبعد هذه المقدمة الموجزة في بيان مفهوم التقية ومنزلتها عند الشيعة والجهة التي تجوز منها وأسبابها، وقبل الشروع في نقد هذه العقيدة وبيان فسادها؛ نذكر بعض النماذج التطبيقية من كتب الشيعة في بعض أبواب الفقه وغيرها، ثم نتكلم في المطلوب.

 

_______________________________________________________

[1] بحار الأنوار للمجلسي (72/395)، الأمالي، للطوسي (293)، وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (16/212)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (2/225، 10/93).

[2] فقه الرضا علي بن بابويه (338)، بحار الأنوار للمجلسي (75/347)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (10/417).

[3] انظر: الرسائل للخميني (2/174) (حول أقسام التقية).

[4] الرسائل للخميني (2/201).

[5] بداية المعارف الإلهية، لمحسن الخرازي (181(هـ)).

[6] أجوبة الشبهات، لدستغيب (159).

[7] القواعد الفقهية، لمكارم الشيرازي (1/410- 411)

[8] تهذيب الأحكام، للطوسي (6/172)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/483)، جواهر الكلام، للجواهري (21/392)، القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي (1/418)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/586)، معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، لعلي الكوراني (4/42)، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري (4/3654)، البيان في عقائد أهل الإيمان، للشريعتي الأصفهاني (96، 99).