يُعَدّ باب الأسماء والصفات من أدق أبواب العقيدة وأعظمها خطرًا، إذ إن الانحراف فيه يفضي إما إلى تشبيه الخالق بالمخلوق، أو إلى تعطيل النصوص وردّ ما جاء به الوحي، وكلا الطرفين ضلال بيّن. وقد سلكت الفرق الضالّة، وعلى رأسها الرافضة، مسالك متناقضة في هذا الباب؛ فتارة يتهمون أهل السنة بالتجسيم، وتارة ينسبون إليهم القول بالتحيّز والاحتياج والحدّ، مع أن المنهج السني السلفي قائم على أصلٍ محكم: إثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تمثيل، وتنزيهه عمّا لا يليق به من غير تعطيل.
ويُعدّ شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله من أكثر علماء أهل السنة تعرضًا للتشويه المتعمّد، حيث تُجتزأ نصوصه، أو تُحرّف مقاصده، أو تُنسب إليه أقوال لم يقلها، خصوصًا في مسائل الاستواء والنزول والعلو. والحقيقة أن كلامه – كما تشهد بذلك كتبه المحكمة – من أوضح ما يكون في نفي التشبيه والتجسيم، بل وصل به الأمر إلى تكفير من شبّه صفات الله بصفات خلقه أو جعله محتاجًا إلى العرش أو محصورًا بالمكان.
ويهدف هذا المقال إلى عرض النصوص الصريحة لشيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب، وبيان منهجه العقدي القائم على اتباع الكتاب والسنة وإجماع السلف، وكشف زيف دعاوى الفرق الضالّة التي تتعمّد إلصاق التهم بأهل السنة للهروب من مأزقها العقدي.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية:
القول الفاصل: هو ما عليه الأمة الوسط؛ من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم أو على كل شيء قدير وأنه سميع بصير ونحو ذلك. ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمها " اهـ
العقيدة الحموية – ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص 18
وقال ايضا: " فَمَنْ قَالَ: إنَّ عِلْمَ اللَّهِ كَعِلْمِيِّ أَوْ قُدْرَتَهُ كَقُدْرَتِي أَوْ كَلَامَهُ مِثْلُ كَلَامِي أَوْ إرَادَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَرِضَاهُ وَغَضَبَهُ مِثْلُ إرَادَتِي وَمَحَبَّتِي وَرِضَائِي وَغَضَبِي أَوْ اسْتِوَاءَهُ عَلَى الْعَرْشِ كَاسْتِوَائِي أَوْ نُزُولَهُ كَنُزُولِي أَوْ إتْيَانَهُ كَإِتْيَانِي وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا قَدْ شَبَّهَ اللَّهَ وَمَثَّلَهُ بِخَلْقِهِ تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُولُونَ وَهُوَ ضَالٌّ خَبِيثٌ مُبْطِلٌ بَلْ كَافِرٌ " اهـ
مجموع الفتاوى - ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 11 ص 482
وقال: " وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُكَفِّرُونَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ السَّمَوَاتِ تُقِلُّهُ أَوْ تُظِلُّهُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ احْتِيَاجِهِ إلَى مَخْلُوقَاتِهِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ فِي اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ مُحْتَاجٌ إلَى الْعَرْشِ كَاحْتِيَاجِ الْمَحْمُولِ إلَى حَامِلِهِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ؟ لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ حَيٌّ قَيُّومٌ هُوَ الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ وَمَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ " اهـ
مجموع الفتاوى - ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 188
وقال: " فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ بِأَسْمَاءٍ، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِأَسْمَاءٍ، وَكَذَلِكَ سَمَّى صِفَاتِهِ بِأَسْمَاءٍ، وَسَمَّى بَعْضَهَا صِفَاتِ خَلْقِهِ، وَلَيْسَ الْمُسَمَّى كَالْمُسَمَّى " اهـ
منهاج السنة النبوية - ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 112
وقال ايضا: "وَكَذَلِكَ مَدْلُولُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَا الَّتِي هِيَ حَقِيقَةٌ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَ " اهـ
مجموع الفتاوى - ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 3 ص 66
وقال ايضا:"فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الْمَخْلُوقَاتُ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا: الْعَرْشِ أَوْ غَيْرِهِ. وَمَنْ ظَنَّ مِنَ الْجُهَّالِ أَنَّهُ إِذَا نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا - كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ - يَكُونُ الْعَرْشُ فَوْقَهُ، وَيَكُونُ مَحْصُورًا بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ الْعَالَمِ، فَقَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ " اهـ
منهاج السنة النبوية - ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 323 – 324
وقال ايضا: "وَمَنْ جَعَلَ صِفَاتِ الْخَالِقِ مِثْلَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ فَهُوَ الْمُشَبِّهُ الْمُبْطِلُ الْمَذْمُومُ " اهـ
منهاج السنة النبوية - ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 111
وقال ايضا: «وَاَلَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ مَا يَصِفُ بِهِ نَفْسَهُ. فَمَنْ وَصَفَهُ بِمِثْلِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا كَمَنْ قَالَ إنَّهُ يَنْزِلُ فَيَتَحَرَّكُ وَيَنْتَقِلُ كَمَا يَنْزِلُ الْإِنْسَانُ مِنْ السَّطْحِ إلَى أَسْفَلِ الدَّارِ كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ؛ فَيَكُونُ نُزُولُهُ تَفْرِيغًا لِمَكَانِ وَشَغْلًا لِآخَرَ؛ فَهَذَا بَاطِلٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ " اهـ
مجموع الفتاوى - ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 5 ص 578