يُطلق الشيعةُ – كعادتهم في تحريف الروايات ونسبة الأكاذيب إلى أهل السنة – شبهاتٍ لا أصل لها حول مواقف العلماء من خروج سيّدنا الحسين رضي الله عنه، ويستعملون في ذلك أحاديث باطلة ومرويات مكذوبة لخدمة عقيدتهم المنحرفة. وهذه الفرقة ليست من أهل الإسلام، بل هي فرقة ضالّة استبدلت نصوص الوحي بروايات موضوعة، وجعلت الطعن في الصحابة بابًا للتشكيك في دين الأمة وثوابتها. ومن أكثر ما يروّجونه اليوم: الادعاء بأن ابن تيمية كان ينتقص الحسين رضي الله عنه أو يطعن في خروجه، وهي تهمة باطلة، مبنية على بتر كلامه، وسوء فهم منهجي لطبيعة أقواله رحمه الله.

هذا المقال يوضح الحقيقة العلمية، ويردّ على شبهاتهم بالأدلة، مع بيان الموقف الصحيح لأهل السنة من الحسين وآل البيت، وشرح كلام شيخ الإسلام كما هو، دون تحريف ولا تدليس.

رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على شبهات الشيعة حول قدم العالم ونوع الحوادث:

يتعرض هذا المقال لقضية مركزية في العقيدة الإسلامية تتعلق بقدم العالم ونوع الحوادث، ويأتي الرد على مزاعم بعض فرق الشيعة الذين يروجون لأحاديث باطلة أو نصوص غير صحيحة لتدعيم آرائهم. ومن المعروف أن الشيعة ليسوا من أهل السنة، ويُصنفون كفرقة ضالة، إذ يختلقون نصوصًا تناقض القرآن والسنة الصحيحة. وفي هذا المقال نسلط الضوء على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، مع توضيح موقفه الصحيح في العقيدة، وكيفية التفريق بين القديم الأزلي لله تعالى وكل ما سواه من المخلوقات المحدثة مسبوقة بالعدم.

إن موضوع قدم النوع الذي قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من المواضيع التي كثر الكلام فيها.

 ورأيت من تكلم بهذا الموضوع ثلاثة اقسام من الناس:

فالقسم الأول: من اطلع على كامل كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فتكلم بعلم، وبين من خلال كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى المقصود الذي قصده، ولم يحمل النصوص على الاحتمالات البعيدة، وتكلم بانصاف، وعدل، ونقل الكلام من كتب شيخ الإسلام من غير أن يزيد عليها، أو يُنقص منها ما يخل المعنى، فكلام هذا القسم من الناس هو المعتبر، وذلك لأن الاعتبار يقوم بالأدلة الواضحة، وبالبراهين الساطعة.

والقسم الثاني: بعض أهل العلم من المعروفين بالعلم، والتقوى، والورع، ونصرة الشريعة، ولكنهم لم يطلعوا على كامل كلام شيخ الإسلام رحمه الله، فحكموا على ما اطلعوا عليه، وأمثال هؤلاء الافاضل اذا تبين لهم الحق بالأدلة المعتبرة، فانهم يقولون به، ولا يترددون في اتباع الحق القائم على الأدلة، فهذا القسم مأجور، ولكن إن صدر منهم ما يخالف الحق فيجب التبيين لهم بكل أدب، واحترام، وتوقير يناسب مقامهم العلمي، واما من مات منهم، وقد كتب في هذا الموضوع فيجب أن يرد عليه بعلم، وأدب، واحترام، والترحم عليه، ولا يجوز التعرض له بأي سوء.

واما القسم الثالث: وهم كل نطيحة، ومتردية لا هم لهم إلا الطعن بالعلماء، والظلم لمن خالفهم، فتراهم يكفرون، ويشنعون، ويكذبون، ويطبلون، فاذا ناقشتهم واثبت لهم بالأدلة بطلأن مزاعمهم، فلا ترى إلا المكابرة، والعناد، والجهل، والحقد الغير مبرر وهذه الصفات هي الغالبة على هؤلاء، وأخص من هؤلاء الرافضة الحمقى الذين يتسترون بمحبة أهل البيت رضي الله عنهم، وأهل البيت براء منهم كبراءة عيسى عليه السلام من النصارى، وبراءة الكليم موسى عليه السلام من اليهود، وأخص أيضًا جهمية العصر المعطلة الذين يدعون بانهم أشاعرة، والإمام أبو الحسن علي بن اسماعيل الاشعري، وغيره من السادة الأشاعرة كالإمام الباقلاني، والإمام الجويني، والإمام الغزالي، وغيرهم من علماء الأشاعرة بريئون من أمثال هؤلاء الجهمية المعطلة الذين وصل ببعضهم الحقد إلى درجة موالاة الرافضة على أهل السنة، وكذلك اخص الاحباش اتباع الضال عبد الله الهرري عليه من الله ما يستحق، فإن جميع من ذكرت من هؤلاء الضلال لا اعتبار بكلامهم، ولا بآرائهم، ولا بنقولاتهم، وذلك لأن كلامهم يعتمد على الكذب، والتدليس، والبتر، وأخذ ما يوافق هواهم، وترك ما يخالف هواهم، فأمثال هؤلاء لا يستحقون إلا الترك، ولا يجوز الالتفات إلى كلامهم.

سيتبين للقراء الكرام من خلال النص الأول الذي سأستشهد به من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عقيدته في القدم النوعي، وكيف أنه يجزم، ويقطع بمخالفة الفلاسفة الدهريين القائلين بقدم العالم، ثم سابين بعدها من خلال كتبه المعنى الذي أراده من القدم النوعي، وما هي العلة التي من أجلها قال به.

 قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:

 في رده على الفلاسفة القائلين بأن المؤثر التام يستلزم أن يكون مقارنا لأثره، وكذلك رد على المتكلمين الذين ردوا على الفلاسفة بانه يجب أو يجوز أن يتراخى عن المؤثر التام أثره، حيث قال " والصواب قول ثالث، وهو أن التأثير التام من المؤثر يستلزم الأثر، فيكون الأثر عقبه، لا مقارناً له، ولا متراخياً عنه.

كما يقال: كسرت الإناء فانكسر، وقطعت الحبل فانقطع، وطلقت المرأة فطلقت وأعتقت العبد فعتق. قال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فإذا كون شيئاً كان عقب تكوين الرب له، لا يكون مع تكوينه ولا متراخياً عنه.

وقد يقال: يكون مع تكوينه، بمعنى أنه يتعقبه لا يتراخى عنه.

وهو سبحانه ما شاء كان ووجب بمشيئته وقدرته، وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته له، وعلى هذا فكل ما سوى الله تعالى لا يكون إلا حادثاً مسبوقاً بالعدم، فإنه إنما يكون عقب تكوينه له، فهو مسبوق بغيرهم سبقاً زمانياً.

وما كان كذلك لا يكون إلا محدثاً والمؤثر التام يستلزم وجود أثره عقب كمال التأثير التام "

درء تعارض العقل والنقل – أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 8 ص 270 - 271

فكلام ابي العباس رحمه الله تعالى واضح في أن الأثر لا يقارن المؤثر، وقد صرح بما لا مجال للشك فيه بعدم مقارنة العالم لله تعالى، وفي هذا دليل قاطع بعدم قوله بقدم العالم الذي يقول به الفلاسفة بل قال في رده على الفلاسفة الدهريين القائلين بقدم العالم: " وَكَانَ مَا عُلِمَ بِالشَّرْعِ مَعَ صَرِيحِ الْعَقْلِ أيضًا رَادٌّ لِمَا يَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ مِنْ قِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ مَعَ اللَّهِ بَلْ الْقَوْلُ " بِقِدَمِ الْعَالَمِ " قَوْلٌ اتَّفَقَ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ عَلَى بُطْلأنهِ "

مجموع الفتاوى - أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ج 5 ص 565

وهذا رد قوي على المشنعين عليه بحقد وجهل، وكذلك رد على كل من لم يفهم كلام شيخ الإسلام، ولم يطلع على كلامه في كل مؤلفاته في هذا الموضوع، فخلاصة هذا الموضوع إن كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقدم نوع العالم محمول على المعنى الذي أراده، وهو أثر صفة الخلق لله تعالى، وغايته في ذلك تنزيه الباري تعالى عن أن يكون معطلا، وقد صرح بهذا رحمه الله تعالى.

 حيث قال: " فَلَيْسَ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ قَدِيمٌ مَعَهُ. لَا بَلْ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لَهُ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ إن لَمْ يَكُنْ وَإِنْ قُدِّرَ أنه لَمْ يَزَلْ خَالِقًا فَعَّالًا. وَإِذَا قِيلَ: أن الخَلْقَ صِفَةُ كَمَالٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَمْكَنَ إن تَكُونَ خالقيته دَائِمَةً وَكُلُّ مَخْلُوقٍ لَهُ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ وَلَيْسَ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ قَدِيمٌ؟ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْكَمَالِ مِنْ أن يكُونَ مُعَطلًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْفِعْلِ ثُمَّ يَصِيرَ قَادِرًا وَالْفِعْلُ مُمْكِنًا لَهُ بِلَا سَبَبٍ. وَأَمَّا جَعْلُ الْمَفْعُولِ الْمُعَيَّنِ مُقَارِنًا لَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَعْطِيلٌ لِخَلْقِهِ وَفِعْلِهِ فَإِنَّ كَوْنَ الْفَاعِلِ مُقَارِنًا لِمَفْعُولِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ"

مجموع الفتاوى - أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ج 18 ص 228

وقال أيضًا: " الثَّالِثُ: إن قَوْلَهُ: " لأن مَعْنَى الْخَلْقِ أنه لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا؟ " فَيُقَالُ: بَلْ كُلُّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِعَدَمِ نَفْسِهِ وَمَا ثَمَّ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ إلا اللَّهَ وَحْدَهُ. وَإِذَا قِيلَ: " لَمْ يَزَلْ خَالِقًا " فَإِنَّمَا يَقْتَضِي قِدَمَ نَوْعِ الْخَلْقِ و " دَوَامُ خالقيته " لَا يَقْتَضِي قِدَمَ شَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ. فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَعْيَانِ الْمَخْلُوقَاتِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ إن لَمْ تَكُنْ فَإِنَّ هَذِهِ لَا يَقُولُ عَاقِلٌ إن مِنْهَا شَيْئًا أَزَلِيًّا. وَمَنْ قَالَ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ - كَالْفُلْكِ أو مَادَّتِهِ - فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ مَخْلُوقًا بِمَعْنَى أنه كَانَ بَعْدَ إن لَمْ يَكُنْ ؛ وَلَكِنْ إذْ أَوْجَدَهُ الْقَدِيمُ. وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فَعَّالًا خَالِقًا وَدَوَامُ خالقيته مِنْ لَوَازِمَ وُجُودِهِ. فَهَذَا لَيْسَ قَوْلًا بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ بَلْ هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِحُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَاهُ. وَهَذَا مُقْتَضَى سُؤَالِ السَّائِلِ لَهُ "

مجموع الفتاوى - أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ج 16 ص 95

وقال أيضًا: " إن قيل لا يكون الحادث حتى يكون قبله حادث فهذا التسلسل في الآثار وفيه الأقوال الثلاثة للمسلمين وليس الخلاف في ذلك بين أهل الملل وغيرهم كما يظنه كثير من الناس بل نفس أهل الملل بل أئمة أهل الملل أهل السنة والحديث يجوزون هذا النزاع في كلمات الله وأفعاله فيقولون أن الرب لم يزل متكلما إذا شاء وكلمات الله دائمة قديمة النوع عندهم لم تزل ولا تزال أزلا وأبدا وقد بسط هذا وما يناسبه في موضع آخر وذكر بعض ما في ذلك من أقوال أئمة السنة والحديث وأما ما يذكره كثير من أهل الكلام عن أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى أن الله لم يزل معطلا لا يتكلم ولا يفعل شيئا ثم حدث ما حدث من كلام ومفعولات بغير سبب حادث فهذا قول لم ينطق به شيء من كتب الله لا القرآن ولا التوراة ولا الأنجيل ولا الزبور ولا نقل هذا عن أحد من انبياء الله ولا قاله أحد من الصحابة أصحاب نبينا صلى الله عليه و سلم ولا التابعين لهم بإحسان ولكن الذي نطقت به الكتب والرسل أن الله خالق كل شيء فما سوى الله من الأفلاك والملائكة وغير ذلك مخلوق ومحدث كائن بعد إن لم يكن مسبوق بعدم نفسه وليس مع الله شيء قديم بقدمه في العالم لا أفلاك ولا ملائكة سواء سميت عقولا ونفوسا أو لم تسم"

الصفدية - أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ج 1 ص 13 - 14

فقد نفى رحمه الله تعالى كون الفعل مقارنا لفاعله، وبهذا نبطل كلام اي معترض بجهل، فقد بين رحمه الله تعالى أن الخالق تعالى قديم، وأن ما سواه محدث مخلوق مسبوق بالعدم، ثم بين إن صفة الخلق لله تعالى كمال وابلغ من أن يكون معطلا، وفي هذا الكلام تعظيم لله تعالى، وعدم وجود اي محذور.

ثم بين في النص الاخر إن دوام خالقية الباري تعالى لا تقتضي قدم شيء من المخلوقات، وذلك لأن اصل الموضوع مبني على إن كل مخلوق فهو مسبوق بالعدم.

بل نقول هل يلزم من قولنا وجود نوع لا نهاية له اي محذور شرعي؟ من قال يلزم من هذا محذور شرعي فهو مخطيء قطعا، وذلك لأن نعيم الجنة ابدي، وكذلك عذاب النار ابدي، لكنه في النوع لا في الفرد، فالأفراد تنتهي لكن نوع النعيم، ونوع العذاب باق، فما لم يكن من محذور في قولنا، واعتقادنا بما لا نهاية له في النوع، فكذلك لا يوجد اي محذور اذا قلنا بقدم النوع المتعلق بالأزل، ومن وجه اخر نقول إن استمرار نوع المخلوق في الابد مع افتقاره لخالقه، وانه مسبوق بالعدم جعلنا لا نجد اي محذور بإطلاق الابدية على نوع المخلوق، بل يجب على العبد أن يعتقد هذا الاعتقاد، والا لزمه فناء الجنة، والنار، وغيرها من المخلوقات التي كتب الله تعالى لها إن تتنعم إلى ما لا نهاية، أو تتعذب إلى ما لا نهاية، وهذه المخلوقات بأجمعها مفتقرة إلى الله تعالى، ولا تقوم على شأنها بنفسها، بل القائم عليها في شؤونها وما يتعلق بها هو المولى تبارك وتعالى، فلا محذور من أن يكون مثل هذا الشيء في الازل مع افتقار المخلوق، وحاجته لمولاه، وانه مسبوق بالعدم، فيكون قدم نوع المخلوق نسبيا يتعلق بأثر صفة الخلق لله تعالى، وذلك لأن الله تعالى فعال لما يريد، يخلق ما يشاء، والأثر لصفة الخلق هو المخلوق المسبوق بالعدم. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى قد بين بأن المخلوق مسبوق بالعدم، ووضح بأن الفاعل لا يكون مع المفعول بل أن الفاعل سابق للمفعول، وكذلك الأثر لا يكون إلا مسبوقا بالمؤثر فدل ذلك على إن كل مخلوق فهو حادث، ومسبوق بالعدم، والخالق تعالى متفرد بالازل، والقدم.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي نَوْعِ الْحَوَادِثِ هَلْ يُمْكِنُ دَوَامُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي، أو فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَقَطْ، أو لَا يُمْكِنُ دَوَامُهَا لَا فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ أهل النَّظَرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ أَضْعَفُهَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَا يُمْكِنُ دَوَامُهَا لَا فِي الْمَاضِي، وَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ، وَأَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ.

 وَثَانِيهَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: يُمْكِنُ دَوَامُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي كَقَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أهل الْكَلَامِ مَنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: يُمْكِنُ دَوَامُهَا فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ. كَمَا يَقُولُهُ أَئِمَّةُ أهل الْحَدِيثِ وَأَئِمَّةُ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ.

لَكِنِ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ كَأَرِسْطُو، وَشِيعَتِهِ يَقُولُونَ. بِدَوَامِ حَوَادِثِ الْفَلَكِ، وَأَنَّهُ مَا مِنْ دَوْرَةٍ إلا وَهِيَ مَسْبُوقَةٌ بِأُخْرَى لَا إلى أَوَّلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، بَلْ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: أن اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا، كَمَا بُيِّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ أهل الْمِلَلِ: الْمُسْلِمِينَ، وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

وَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِهَا يَقُولُونَ. بِأَزَلِيَّةِ الْحَوَادِثِ فِي الْمُمْكِنَاتِ، وَأَمَّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: أن اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَرَبُّهُ، وَمَلِيكُهُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ إن لَمْ يَكُنْ، فَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْخَالِقِ الْوَاجِبِ، وَالْمَخْلُوقِ الْمُمْكِنِ فِي دَوَامِ الْحَوَادِثِ وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ أهل الْمِلَلِ وَأَئِمَّةِ الْفَلَاسِفَةِ الْقُدَمَاءِ، فَهُمْ وَإِنْ قَالُوا: أن الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ، وَلَمْ يَزَلْ حَيًّا فَعَّالًا فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إن مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ حَادِثٌ بَعْدَ إن لَمْ يَكُنْ"

منهاج السنة النبوية –أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 1 ص 176 – 177

اسئلة:

هل نوع الحوادث ممكن، ام ممتنع ازلا؟

إن قلتم ممتنع سألناكم هل أصبح ممكنا بعد أن كان ممتنعا؟ !.

وإن قلتم بل هو ممكن فنقول لكم لماذا أنكرتم على شيخ الإسلام القائل بالإمكان؟ !!!.

وقد جاءت نصوص كثيرة صريحة من كلام شيخ الإسلام على تفرد الله تعالى بالأزلية والقدم، وان المخلوق حادث بعد إن لم يكن، وبما أن النقول كثيرة جدا، فسوف اقتصر على بعضها.

 قال شيخ الإسلام:

 "ومن سلك الطرق النبوية السامية علم أن العقل الصريح مطابق للنقل الصحيح وقال بموجب العقل في هذا وفي هذا وأثبت ما أثبتته الرسل من خلق السماوات والأرض في ستة أيام وأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ولم يجعل شيئا سوى الله قديما معه بل كل ما سواه محدث كائن بعد إن لم يكن"

الصفدية – أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 1 ص 147

وقال أيضًا: " فإن نفس كون الفاعل فاعلا يقتضي حدوث الفعل إما نوعا وإما عينا وأما فعل ليس بحادث لا نوعه ولا عينه بل هو لازم لذات الفاعل فليس هو فعل أصلا ولهذا كان نفس علم الخلق بأن الشيء مخلوق يوجب علمهم بأنه مسبوق بالعدم إذ لا يعقل مخلوق مقارن لخالقه لازم لم يزل معه "

الصفدية – أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 149

وقال أيضًا: "وَأَمَّا السَّلَفُ فَقَوْلُهُمْ أنه لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا، وَإِنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. (* وَكَذَلِكَ قَالُوا بِلُزُومِ الْفَاعِلِيَّةِ، وَنَقَلُوا عَنْ جَعْفَرِ الصَّادِقِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنه قَالَ بِدَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُحْسِنًا بِمَا لَمْ يَزَلْ فِيمَا لَمْ يَزَلْ إلى مَا لَمْ يَزَلْ، كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا [الْمُؤْمِنُونَ: 115]، مَعَ قَوْلِ جَعْفَرٍ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وأهل الْمِلَلِ وَجَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ مِنْ غَيْرِ أهل الْمِلَلِ أن اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ إن لَمْ يَكُنْ، لَيْسَ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ قَدِيمٌ بِقِدَمِ اللَّهِ*)"

منهاج السنة النبوية – أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 246 – 247

وقال أيضًا: " وعلى هذا فكل ما سوى الرب حادث كائن بعد إن لم يكن وهو سبحانه المختص بالقدم والأزلية فليس في مفعولاته قديم وإن قدر أنه لم يزل فاعلا وليس معه شيء قديم بقدمه بل ليس في المفعولات قديم البتة بل لا قديم إلا هو سبحانه وهو وحده الخالق لكل ماسواه وكل ما سواه مخلوق كما قال تعالى: {الله خالق كل شيء}"

درء تعارض العقل والنقل - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية –ج 4 ص 227

وقال: " أنه لو قدر تسلسل المفعولات كتسلسل الأفعال فما من مفعول ولا فعل إلا وهو حادث كائن بعد إن لم يكن، فليس مع الله في الأزل شيء من المفعولات ولا الأفعال، إذ كان كل منهما حادثاً بعد إن لم يكن، والحادث بعد إن لم يكن لا يكون مقارناً للقديم الذي لم يزل، وإذا قيل: (إن نوع الأفعال أو المفعولات لم يزل) فنوع الحوادث لا يوجد مجتمعاً، لا يوجد إلا متعاقباً، فإذا قيل: (لم يزل الفاعل يفعل، والخالق يخلق) - والفعل لا يكون إلا معيناً، والخلق والمخلوق لا يكون إلا معيناً - فقد يفهم أن الخالق للسماوات والأنسان لم يزل يخلق السماوات والأنسان، والفاعل لذلك لم يزل يفعله، وليس كذلك، بل لم يزل الخالق لذلك سيخلقه، ولم يزل الفاعل لذلك سيفعله، فما من مخلوق من المخلوقات ولا فعل من الأفعال إلا والرب تعالى موصوف بأنه لم يزل سيفعله، ليس موصوفاً بأنه لم يزل فاعلاً له خالقاً له، بمعنى أنه موجود معه في الأزل "

درء تعارض العقل والنقل - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 267

وقال في منهاج السنة:

"وَهَذَا بُرْهَانٌ مُسْتَقِلٌّ فِي إن كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ إن لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ إن لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، فَسُبْحَانَ مَنْ تَفَرَّدَ بِالْبَقَاءِ وَالْقِدَمِ، وَأَلْزَمَ مَا سِوَاهُ بِالْحُدُوثِ عَنِ الْعَدَمِ

منهاج السنة النبوية – أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 1 ص 376

وقال أيضًا: " جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ إن كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ حَادِثٌ بَعْدَ إن لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْقِدَمِ وَالْأَزَلِيَّةِ"

منهاج السنة النبوية – أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 121

وقال في رده على ابن المطهر:

" فَقَوْلُ الْقَائِلِ: الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ وَاحِدٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مَخْصُوصٌ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْقِدَمِ، لَفْظٌ مُجْمَلٌ. فَإِنْ أراد بِهِ أن اللَّهَ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ صِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ هُوَ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ دُونَ مَخْلُوقَاتِهِ، فَهَذَا حَقٌّ"

منهاج السنة النبوية – أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 123

وقال أيضًا: "والأفعال نوعان لازمة ومتعدية فالفعل اللازم لا يقتضي مفعولا والفعل المتعدي يقتضي مفعولا فإن لم يكن الدائم إلا الأفعال اللازمة وأما المتعدية فكانت بعد إن لم تكن لم يلزم وجود ثبوت شيء من المفعولات في الأزل وإن قدر أن الدائم هو الفعل المتعدي أيضًا والمستلزم لمفعول فإذا كان الفعل يحدث شيئا بعد شيء فالمفعول المشروط به أولا بالحدوث شيئا بعد شيء لأن وجود المشروط بدون الشرط محال فثبت أنه على كل تقدير لا يلزم أن يقارنه في الأزل لا فعل معين ولا مفعول معين فلا يكون في العالم شيء يقارنه في الأزل "

الصفدية - أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ج 2 ص 23

وقال أيضًا: " فالذي يفهمه الناس من هذا الكلام إن كل ما سوى الله مخلوق حادث كائن بعد إن لم يكن وأن الله وحده هو القديم الأزلي ليس معه شيء قديم تقدمه بل كل ما سواه كائن بعد إن لم يكن فهو المختص بالقدم كما اختص بالخلق والإبداع والإلهية والربوبية وكل ما سواه محدث مخلوق مربوب عبد له

وهذا المعنى هو المعروف عن الأنبياء وأتباع من المسلمين واليهود والنصارى وهو مذهب أكثر الناس غير أهل الملل من الفلاسفة وغيرهم"

درء تعارض العقل والنقل - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ج 1 ص 72

ولقد قال بعض علماء المذاهب بعدم المحذور في القول بالتسلسل، أو بحوادث لا أول لها.

 قال العلامة محمد بخيت المطيعي: "قال الأسنوى" الثاني أن المحال من التسلسل إنما هو التسلسل في المؤثرات والعلل وأما التسلسل في الآثار فلا نسلم إلى آخره " كلام جيد واما قول الاصفهاني وفيه نظر لأنه يلزم منه تجويز حوادث لا أول لها وهو باطل على رأينا فنقول لا يلزم كونه باطلاً على رأيه أنه باطل في الواقع ونفس الأمر فإنه لغاية الأن لم يقم دليل على امتناع التسلسل في الآثار الموجودة في الخارج وان اشتهر أن التسلسل فيها محال ولزوم حوادث لا أول لها لا يضر العقيدة إلا إذا قلنا لا أول لها بمعنى لا أول لوجودها وهذا مما لم يقل به أحد بل الكل متفق على إن ما سوى الله تعالى مما كان أو يكون حادث أي موجود بعد العدم بقطع النظر عن إن تقف آحاده عند حد من جانبي الماضي والمستقبل أو لا تقف عند حد من جانبهما أو من أحدهما إلا ترى أن الإجماع قام على إن نعيم الجنة لا يتناهى ولا يقف عند حد في المستقبل وبعد كونه حادثاً بمعنى أنه موجود بعد العدم لا يضرنا إن نقول لا آخر له بمعنى عدم انقطاع آحاده وعدم وقوفها عند حد ولو قلنا أنه لا آخر لها بمعنى أن البقاء واجب لها لذاتها لكان كفرا، فكذلك من جانب الماضي نقول حوادث لا أول لها بمعنى أنها لا تقف آحادها عند حد تنتهي اليه وكل واحد منها موجود بعد العدم ولكنها لا تتناهى في دائرة ما لا يزال ولو قلنا أنها لا أول لوجودها ولا افتتاح له لكان ذلك قولاً بقدمها وذلك كفر وعليك بكتابنا القول المفيد وحواشي الخريدة "

سلم الوصول لشرح نهاية السول – محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية في عصره – ج 2 ص 103

فالاسنوي شافعي المذهب، ورأى أن التسلسل في الاثار غير محال، ثم نجد بعده كلام العلامة محمد بخيت المطيعي الحنفي يقول بعدم الضرر بجواز القول بحوادث لا اول لها مع الاعتقاد بانها مسبوقة بالعدم، ثم نراه يقارن بين الازل، والابد ويستشهد بعدم تناهي نعيم الجنة وغيرها دليل على صحة ما قال به.

وقد نقل اسماعيل الكلنبوي متن شرح العقائد العضدية للدواني، فنقل فيه كلام جلال الدين الدواني.

حيث قال: "وأنت مما سبق خبير أنه يمكن صدور العالم مع حدوثه، وعلى هذا الوجه، فلا يلزم القدم الشخصي في شيء من أجزاء العالم، بل القدم الجنسي بأن يكون فرد من افراد العالم لا يزال على سبيل التعاقب موجوداً "

حاشية الكلنبوي على شرح العقائد العضدية للدواني – اسماعيل الكلنبوي – ج 1 ص 85

فهذا الدواني الشافعي إمام عصره في العقليات كما وصفه الشوكاني في البدر الطالع، فتراه مصرحا بالقدم الجنسي، ثم يفسره بقوله بأن يكون فرد من افراد العالم لا يزال على سبيل التعاقب موجودا.

وقد اعترف كمال الحيدري وهو من الإمامية على إن صدر المتألهين، وهو احد علماء الإمامية قائل بأن الله تعالى له خلق في الازل.

حيث قال: "ومن هنا فإن صدر المتألهين يؤمن من جهة بأن الله تعالى دائم الفيض وأن من الازل كان له فعل، وكان له علم، وكان له خلق، ومن جهة اخرى لا يتنافى هذا مع القول بأن كل جزء جزء حادث زماني، لأنه في كل إن آن هو غيره في الأن السابق، وغيره في الأن اللاحق "

فلسفة صدر المتألهين - كمال الحيدري - ص 204