تفنيد الأحاديث الضعيفة والشبهات الرافضية
يحاول بعض أعداء الإسلام، وخاصة الرافضة، استغلال الأحاديث الضعيفة والمرسلة لنشر الشبهات حول الصحابة رضي الله عنهم، واتهامهم بالارتداد أو الخروج عن دين الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ. ومن أبرز هذه الأحاديث الحديث عن من يذاد عن الحوض و"المرتدين" الذين لم يُذكَروا في القرآن أو السنة الصحيحة. يوضح هذا المقال الفرق بين الروايات الصحيحة والضعيفة، ويبين أن الصحابة السابقين للهجرة والثبات على الإسلام لا يمكن أن يُتهموا بالارتداد، وأن الأخبار الصحيحة تدل على ثباتهم وحرصهم على الدفاع عن دين الله.
الحديث والفرق بين الصحيح والضعيف:
عن أبي هريرة بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله فقلت: ما شأنهم؟ فقال: إنهم ارتدوا (بعدك) على أدبارهم القهقرى ثم إذا زمرة أخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم: هلم قلت: إلى أين؟ قال: النار والله قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا (بعدك) على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم.
معنى الحديث ومَن المقصود:
هذا الحديث منكر كما بينه الألباني (ضعيف الترغيب رقم2107).
وهي مخالفة للرواية الصحيحة:
«بينما أنا نائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم قلت: أين؟ قال: إلى النار، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم» (صحيح الجامع2867).
ووقول النبي r: « ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني» لا يجوز أن يحملوا على المهاجرين والأنصار وإلا لزم التناقض مع القرآن الذي أثنى عليهم ولم يستثن منهم احدا. بدليل قوله تعالى ﴿من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم﴾ فالمؤمن ينفي التبعيض أيضا.
وإنما المرتدون من مات النبي r وهم على دينه، فلما مات ارتدوا وحاربهم الصحابة وبالأخص علي بن أبي طالب تحت راية أبي بكر.
رأي العلماء في الخبر:
◘ قال ابن قتيبة في معرض رده على الرافضة في استدلالهم بالحديث على ردة الصحابة: «فكيف يجوز أن يرضى الله عن أقوام ويحمدهم، ويضرب لهم مثلاً في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله r إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم وهذا هو شر الكافرين» (تأويل مختلف الحديث ص235).
◘ وقال الخطابي: «لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، ممن لانصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين، ويدل قوله: (أصيحابي) على قلة عددهم» (المفهم للقرطبي1/504 فتح الباري11/385).
وذكر النووي «المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي r للسيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك: أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي r ثم ارتد بعده فيناديهم النبي r، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه r في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله I فيدخلهم الجنة بغير عذاب»(شرح مسلم للنووي3/136-137).
قلت: ولا يمتنع أن يكون أولئك المذادون عن الحوض هم من مجموع تلك الأصناف المذكورة، فإن الروايات محتملة لكل هذا، ففي بعضها يقول النبي r فأقول: (أصحابي) أو (أصيحابي -بالتصغير-)، وفي بعضها يقول: (سيؤخذ أناس من دوني فأقول يا ربي مني ومن أمتي) وفي بعضها يقول: (ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني.
قال ابن عبد البر: «كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء قال: وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر والله أعلـــم» (التمهيد20/262 الاستذكار1/195).
والصحابة من أبعد الناس عن ذلك، بل هم أعداء المرتدين الذين قاتلوهم وحاربوهم في أصعب الظروف وأحرجها بعد موت النبي r.
ومع هذا تصدى أصحاب النبي r لهؤلاء المرتدين وقاتلوهم قتالاً عظيماً وناجزوهم حتى أظهرهم الله عليهم فعاد للدين من أهل الردة من عاد، وقتل منهم من قتل، وعاد للإسلام عزه وقوته وهيبته على أيدي الصحابة -y- وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.
وكذلك أهل البدع كان الصحابة -رضوان الله عليهم- أشد الناس إنكاراً عليهم، ولهذا لم تشتد البدع وتقوى إلا بعد انقضاء عصرهم، ولما ظهرت بعض بوادر البدع في عصرهم أنكروها وتبرؤا منها ومن أهلها.
فقد تصدى ابن عمر لبدع القدرية فقال « إذا لقيت هؤلاءفأخبرهم أن ابن عمرمنهم بريء، وهم منه برآء ثلاث مرات».
◘ وابن مسعود تصدى لبدع التسبيح بالحصى.
◘ وابن عباس ناظر الخوارج الذين حاربهم علي رضي الله عنه.
◘ وأما لفظ (هَمَل النعم) فمعناه ضوالّ الإبل، واحدها: هامل، أي الناجي منهم قليل في قلة النَّعَم الضالة (النهاية لابن الاثير5/274)..
فمعنى كلام النبي r: « فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم» كما أوهم الرافضي لأن الضمير في قوله (منهم) إنما يرجع على أولئك القوم الذين يدنون من الحوض ثم يذادون عنه، فلا يخلص منهم إليه إلا القليل.
قال ابن حجر في شرح الحديث عند قوله:
(فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم) «يعني من هؤلاء الذين دنوا من الحوض وكادوا يردونه فصدوا عنه... والمعنى لا يرده منهم إلا القليل لأن الهَمَل في الإبل قليل بالنسبة لغيره» (فتح الباري 11/474-475.).
لكن الرافضة بفساد عقولهم وضعف أفهامهم لما قدحوا في كل الأصول الدالة على عدالة الصحابة جميعاً، لا يستطيعون بعدها أن يقيموا حجة واحدة على عدالة علي، إلا ألزمهم الخوارج بمثل قولهم في أبي بكر، وعمر وعثمان، وهذا أصل عظيم في الرد على الرافضة ذكره ابن تيمية حيث قال: « وهكذا أمر أهل السنة مع الرافضة في أبي بكر وعلي فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته وأنه من أهل الجنة، فضلاً عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان، وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة، كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة. فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون علياً أو النواصب الذين يفسقونه: إنه كان ظالماً طالباً للدنيا، وإنه طلب الخلافة لنفسه وقاتل عليها بالسيف، وقتل على ذلك ألوفاً من المسلمين حتى عجز عن انفراده بالأمر، وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقاتلوه، فهذا الكلام وإن كان فاسداً ففساد كلام الرافضي في أبي بكر، وعمر، أعظم، وإن كان ما قاله في أبي بكر، وعمر، متوجهاً مقبولاً فهذا أولى بالتوجه والقبول...» (منهاج السنة النبوية2/31).