يكثر الشيعة – وهم فرقة ضالّة مبتدعة لا يُمثّلون الإسلام – من الاستدلال بالأحاديث الواهية والمرويات المنقطعة لإثبات عقائدهم الباطلة، لا سيما ما يتعلق بالطعن في الصحابة رضوان الله عليهم، ومحاولة نسبة الشبهات إلى أبي بكر الصديق خاصة. ويستعملون لذلك روايات غير ثابتة، أو يؤوّلون النصوص الصحيحة تأويلًا فاسدًا يخالف منهج أهل السنة والجماعة. ومن أكثر الأحاديث التي يلوون أعناقها: حديث «هؤلاء أشهد عليهم» المروي في الموطأ، ويظنّون أنه يدل على مذمة الصحابة أو وقوعهم في البدعة بعد وفاة النبي ﷺ.

هذا المقال يكشف حقيقة الحديث سندًا ومعنى، ويُبيّن بطلان استدلال الشيعة به، مع عرض دقيق لأقوال علماء الحديث، وتحليل متنيّ لغويّ، وإبطال دعوى علم النبي ﷺ بالغيب التي يزعمونها.

أولًا: نص الرواية كما جاءت في الموطأ:

روى مالك في الموطأ (2/ 461):

«عن أبي النضر مولى عمرو بن عبيد الله: أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال لشهداء أحد:
هؤلاء أشهد عليهم. فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم؟ أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله ﷺ: بلى، ولكن لا أدري ما تُحدِثون بعدي فبكى أبو بكر ثم قال: أئِنَا لكائنون بعدك؟»

حكم الحديث:

قال ابن عبد البر في التمهيد (21/ 221):

«هذا الحديث مرسل، وإسناده منقطع؛ لأن أبا النضر قال: بلغه، ولم يذكر عمّن بلغه».

فهو ضعيف لا يُحتج به في العقائد، ولا يصلح للاستدلال كما يفعل الشيعة.

والحديث لا يعني الابتداع كما يوهم الرافضة. وإنما معناه ماذا سوف تفعلون بعدي. والدليل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا وكقوله تعالى على لسان الخضر: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا وليس فيه أي دلالة على الذم أو البدعة كما يتوهم الشيعة.

ومع ذلك فالحديث عام لا سبيل إلى التعيين فيه بأحد كما هو حال الرافضة الذين يريدون من الحديث تعيينه في أبي بكر خاصة وخواص الصحابة عامة.

وكأن الرسول يقول عند الرافضة: أنا أعلم أنكم سوف تفعلون بعدي شرا.

ثانيًا: معنى عبارة «لا أدري ما تُحدِثون بعدي»

يحاول الرافضة جعل هذه العبارة دليلًا على أن النبي ﷺ يعلم أن الصحابة سيقعون في بدعة أو ضلال، وأن ذلك يشمل أبا بكر رضي الله عنه! وهذا من أبطل الباطل

المعنى الصحيح:

المقصود: لا أدري ما يقع من أعمالكم بعد وفاتي، من حيث التفاصيل والأفعال المستقبلية، لأن علم الغيب لله وحده.

ثالثًا: الحديث حجة على الشيعة… لا لهم!

الرواية تبطل عقيدتهم في علم النبي ﷺ للغيب:

فالشيعة يعتقدون أن النبي ﷺ يعلم كل شيء، ويعلم ما كان وما سيكون، لكن هذا الحديث – وإن كان ضعيفًا – يتضمن تصريحًا من النبي ﷺ: «ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي»

والحديث ينقض عقيدة الروافض أن النبي يعلم الغيب وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهي ضلالة مخالفة لصريح القرآن الذي نص على أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينفي عن نفسه العلم بما سوف يكون من شأنه هو صلوات الله عليه، فما بالك بمن سواه؟ قال تعالى وهو موافق للقرآن:

﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الأحقاف: 9]

فلو كان النبي ﷺ يعلم الغيب لما قال ذلك، وهذا يهدم عقيدتهم من أساسها....

رابعًا: الحديث لا يذمّ أبا بكر رضي الله عنه

كيف يكون ذلك وهو:

ويشبهه قول الرسول لأم العلاء الأنصارية عندما قالت عند وفاة عثمان بن مظعون «شهادتي عليك أبا السائب أن الله سيكرمك: قال رسول الله e «وما أدراك أن الله سيكرمه؟ ولله إني لرسول الله ولست أدري ما يفعل بي ولا بكم. فقالت: والله لا أزكي بعد أحدا أبدا» (رواه البخاري).

وكيف يحتمل أن يكون الكلام موجها لأبي بكر وهو الذي شهد له النبي بالجنة، وهو المنصور من الله بدليل آية ﴿إن الله معنا؟ حين هاجر معه وهو الذي شهد بدرا والغزوات كلها مع النبي e وقاتل المرتدين بعد النبي وكان علي يقاتلهم تحت رايته؟ وبلغ حب علي له أن يسمي اسمه بكنيته (أبو بكر)؟!!!

خامسًا: الشبهة التي يتمسك بها الشيعة والرد عليها

الشبهة:

يزعم الشيعة أنّ قول النبي ﷺ «لا أدري ما تحدثون بعدي» يدل على أن الصحابة – خاصة أبو بكر – سيقعون في الابتداع والانحراف، وأن النبي ﷺ كان يحذر منهم.

الرد المختصر المفحم:

1الحديث ضعيف ولا يصح الاحتجاج به.

2)  لو صح، فهو حجة ضدهم لأنه ينفي علم الغيب عن النبي.

3)  المعنى لغوي واضح: لا أدري ماذا تفعلون بعدي وليس فيه ذم.

4)  لا يوجد في النص تخصيص لأبي بكر أو لغيره.

5)  أبو بكر مبشّر بالجنة، والقرآن زكّاه في سورة التوبة والهجرة.

6)  النبي ﷺ عاشر الصحابة ثلاثًا وعشرين سنة، ورضي عنهم كلهم بقوله: «خير الناس قرني».

7)  علي نفسه يمدح أبا بكر في خطبه ويترضّى عنه.

فالشبهة ساقطة علميًا، ولا يقول بها إلا من جهل الحديث وعلومه.

الخلاصة:

الرواية ضعيفة منقطعة، ولا تدل على شيء مما يدّعيه الشيعة، بل إن معناها – على فرض صحتها – هو نفي علم الغيب عن النبي ﷺ، وهو عين ما ينقض عقائدهم.

كما أن الحديث لا يمسّ مكانة أبي بكر الصديق، ولا يقدح في الصحابة، بل إن فضائلهم ثابتة بنصوص صحيحة متواترة، لا يمكن لرواية مرسلة أن تعارضها.

المصادر:

1)  الموطأ الإمام مالك.

2)  التمهيد ابن عبد البر.

3)  صحيح البخاري.

4)  تفسير الطبري.

5)  كتب أصول الجرح والتعديل.