كذبة تكفير المجسّمة بين الوضع والتحريف
تتداول الفرقة الضالّة الأحباش جملة من النقول التي تزعم نسبتها إلى الإمامين الشافعي وأحمد بن حنبل حول تكفير من يقول: «إن الله جسم لا كالأجسام»، ويجعلونها مستندًا للطعن في منهج السلف، وتكريس منهجهم الكلامي المبني على التأويل والتجسيم المعكوس. غير أنّ هذه النقول –عند التحقيق العلمي– لا أصل لها في كتب الأئمة، ولا سند لها، بل أكثرها مبنيّ على أوهام في النسخ، أو تصحيفات، أو توهّمات نقلية جاءت بعد خمسة قرون كاملة من عصر الأئمة.
هذا المقال يقدّم دراسة علمية موثقة تكشف حقيقة هذه النقول، ويفنّد دعاوى الأحباش بأن الشافعي وأحمد كفّرا المجسّمة، مع بيان منهج علماء الشافعية أنفسهم في المسألة، وأن الأصل عندهم عدم تكفير القائل: «جسم لا كالأجسام» إلا إذا التزم باللوازم الباطلة التي تؤدي إلى تشبيه الله بخلقه. كما يعرض المقال أقوال كبار الشافعية كابن حجر الهيتمي، العز بن عبد السلام، والإسنوي والغزالي، ليظهر للقارئ أن حقيقة المذهب تخالف ما يدّعيه أهل البدع والفرق الضالّة
الشبهة والرد عليها
الشبهة:
يزعم الأحباش أن الإمامين الشافعي وأحمد بن حنبل قالا: «من قال إن الله جسم لا كالأجسام فقد كفر»، ويستدلون بنقلٍ عن الزركشي، وبعبارات في كتب السيوطي، ليجعلوا هذا اللفظ أصلاً في تكفير من يخالفهم في مسائل الصفات.
الرد:
1) النقل عن أحمد لا أصل له في كتبه، ولا في روايات أصحابه، وجاء من طريق الزركشي الذي شهد الأئمة بكثرة أوهامه وتصحيفاته، وبين عصره وعصر أحمد خمسة قرون، فلا حجّة في نقله.
2) النقل عن الشافعي محرّف، فالنصّ في كتب السيوطي هو: «قال الشافعي: لا يُكفَّر أحد من أهل القبلة. واستُثنِيَ المجسم»، وكلمة «استُثني» ليست من كلام الشافعي، بل من عبارة السيوطي، ولا يوجد في كتب الشافعي أي نصّ يوافق دعوى التكفير.
3) علماء الشافعية أنفسهم صرّحوا بخلاف ذلك، وأكدوا أن المجسّمة لا يُكفَّرون إلا إذا قالوا: «جسم كالأجسام»، أما القول «جسم لا كالأجسام» فلا يستوجب التكفير.
4) العز بن عبد السلام نصّ على أن اعتقاد الجهة خطأ معفوّ عنه، وأن أدلة نفي الجهة عند المتكلمة عسيرة وصعبة المدارك، مما يسقط حجّة التكفير.
5) بناء على ذلك، فدعوى الأحباش كذب على العلماء وتلفيق على التراث، ولا مستند لها من كتب الأئمة ولا من كلامهم.
هذه عبارات ينسبها الأحباش إلى الشافعي وأحمد محتجين بما ورد في كتاب (تشنيف المسامع4/684) للزركشي.
وقد قيل عن الزركشي:
«يَهِمُ في النقل والبحث كثيراً» (طبقات الشافعية ابن قاضي شهبة1/183). يعني يحصل له الوهم كثيرا. فيحتمل أن يكون قد وهم في النقل عن أحمد. وكان خطه ضعيفا جدا وتضمنت مؤلفاته تصحيفات كثيرة. ناهيك عن أن بينه وبين أحمد بن حنبل ما يقرب من خمسة قرون.
وقد توفي سنة 794 هـ في حين توفي أحمد سنة 241 هـ
فمن أين أتى الزركشي بكلام أحمد بن حنبل؟ هل من كتبه؟ بالطبع لا.
لأن هذا الكلام غير موجود في كتبه. فلم يبق إلا أنه رآه في المنام. والمنامات بديل الأسانيد عند الصوفية الخرافيين.
كذلك نسبوا إلى الشافعي القول بكفر المجسم. وزعموا أن السيوطي نقله عنه كما في كتاب (الأشباه والنظائر ص488).
ولكن عند الرجوع إلى الكتاب وجدنا النص هكذا: «قال الشافعي: لا يكفَر أحد من أهل القبلة. واستُثنِيَ المجسم.
ومن الملاحظ:
أن كلمة (استثني) كتبت بالألف المقصورة ولست أدري إن كان هذا متعمدا، وهي لو كانت بالألف المقصورة لكان عندهم شطر حجة. ولكنهم لا يزالون في حاجة الى الشطر الثاني وهو أن يأتونا بالنص من كتاب من كتب الشافعي.
فإنه لو كان السيوطي معاصرا للشافعي لحق له أن يروي عنه ولكن بينهما قرون عديدة. فهل خرج الشافعي من قبره وخاطب السيوطي أم أخذ السيوطي من كتبه، أم أن قوله (استُثنِيَ) يدل على أن كلام الشافعي ينتهي عند كلمة (أهل القبلة)!
فإذا اختلفنا في ذلك حق لنا حينئذ أن نقول: هاتوا لنا مصدر الإحالة السيوطية بما يحل القضية بيننا ويرفع الاشكال.
وربما يتساءل البعض هنا: لماذا تدافعون عن عدم تكفير المجسم.
فنقول: نحن نبرأ إلى الله ممن يشبه الله بخلقه. ولا نبرر لمشبه ولا ممثل. ولكن صريح كلام الشافعية يصرح بأننا لا نكفر المجسمة إلا أن يلتزموا بلوازم هذا الاعتقاد. فإن قال قائل: هو جسم لا كالأجسام فالمختار عندهم عدم التكفير. وإن قال: هو جسم كأجسامنا فحينئذ نحكم بكفره.
فقد نص ابن حجر المكي الهيتمي على أن «المشهور، بل الصحيح من المذهب عدم تكفير المجسمة كما قاله جمع من المتأخرين: من أن المجسمة لا يكفرون، ولكن أطلق في المجموع تكفيرهم (الإعلام بقواطع الإسلام ص38 و50).
أضاف الهيتمي:
«وينبغي حمل الأول (أي عدم التكفير) على ما إذا قالوا جسمٌ لا كالأجسام، والثاني (أي التفكير) على ما إذا قالوا: جسمٌ كالأجسام، لأن النقص اللازم على الأول قد لا يلتزمونه، ولازم المذهب ليس بمذهب (الزواجر عن اقتراف الكبائر2/358 و351 و387). ثم انتهى إلى أن الصحيح أننا لا نكفّر الجهوية (أي القائلين على الله بالجهة) ولا المجسمة إلا إن صرّوا باعتقاد لوازم الحدوث...» انتهى.
ونصّ العز بن عبد السلام على أن معتقد الجهة مخطئ خطأ معفوًا عنه، لأن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك عسرة الفهم (قواعد الأحكام الكبرى 170 الحاوي للفتاوي 2/133).
والحمد لله على اعتراف العز بأن طريقة أهل الكلام صعبة المدارك عسيرة الفهم. فهذا أحد أدلة أهل السنة على بطلان طريقة أهل الكلام.
أضاف العز بن عبد السلام: «فإن قيل يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه في جهة أن يكون حادثًا؟ قلنا: لازم المذهب ليس بمذهب لأن المجسمة جازمون بأنه في جهة وبأنه قديم أزلي ليس بمحدث، فلا يجوز أن ينسب إلى مذهب من يصرح بخلافه وإن كان لازمًا من قوله» (قواعد الأحكام الكبرى 172).
وقال الإسنوي: «لا نكفّر المجسمة على المشهور كما دل عليه كلام الشرح والروضة في الشهادات» (الإعلام بقواطع الإسلام للهيتمي ص25 و38 و50).
وبمثله قال أبو حامد الغزالي كما في كتابه (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص129 و148).
وبناء عليه نسألكم:
ما حكمكم فيمن قال جسم لا كالأجسام: هل يكفر أم لا يكفر عندكم؟