يجلسني على العرش

تنتشر بين أتباع الفرق الضالة، وبخاصة الشيعة، روايات باطلة أو موضوعة عن صفات الله عز وجل، بهدف تشويه العقيدة الإسلامية وفهم صفات الرب تعالى.

من أبرز هذه الشبهات، روايات تدعي أن الله عز وجل يقعد رسوله أو يقعد نفسه على العرش، أو روايات موضوعة حول العلماء والمقام المحمود.

هذا المقال يوضح حقيقة هذه الروايات، ضعفها، وبيان ما ثبت عن الله عز وجل من صفات صحيحة، مع كشف الشبهات والرد عليها بأسلوب علمي وحجاجي وفق القرآن والسنة.

أبو أحمد عبيد الله بن العباس الشطوي حدثنا أبو العباس محمد بن سفيان الحنائي حبشون حدثنا محمد بن عبد الرحيم والحسن بن حماد قالا حدثنا أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن عبد الله بن مسعود قال «بينا أنا عند رسول الله  أقرأ عليه حتى بلغت ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا قال يجلسني على العرش».

قال الذهبي:

 «هذا حديث منكر لا يفرح به وسلمة هذا متروك الحديث وأشعث لم يلحق ابن مسعود» (العلو للعلي الغفار1/93).

قال الألباني:

 «باطل» ذكره الذهبي من طريقين عن أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن عبد الله بن مسعود قال «بينما أنا عند رسول الله e أقرأ عليه حتى بلغت {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}..

 قال الذهبي: «هذا حديث منكر لا يفرح به، وسلمة متروك الحديث، وأشعث لم يلحق ابن مسعود».

قلت: تأمل قوله (لا يفرح به) كما قال مثلها ابن كثير عند تضعيفه لروايات تصدق علي بالخاتم. وحرفها الرافضة فجعلوها (لا يقدح به).

قال الألباني:

وقد وجدت للرواية طريقا موصولا عن ابن مسعود مرفوعا نحوه ولا يصح أيضا كما سيأتي بيانه برقم (5160). ثم ذكر الذهبي نحوه عن بن سلام موقوفا عليه وقال «هذا موقوف ولا يثبت إسناده، وإنما هذا شيء قاله مجاهد كما سيأتي» ثم ذكر أن لهذا القول خمسة طرق» وأوضح أنها كلها ساقطة.

وبين الشيخ الألباني أنها على ضعفها متعارضة مع ما ثبت في الصحاح من أن المقام المحمود هو الشفاعة. ثم قال الألباني«ومن العجائب التي يقف العقل تجاهها حائرا أن يفتي بعض العلماء من المتقدمين بأثر مجاهد هذا كما ذكره الذهبي (ص100) عن غير واحد منهم، بل غلا بعض المحدثين فقال: لو أن حالفا حلف بالطلاق ثلاثا أن الله يقعد محمدا e على العرش واستفتاني لقلت له صدقت وبررت. فابصر حفظك الله من الهوى»

قال الألباني وإن مما ينكر في هذا الباب ما رواه أبو محمد الدشتي في إثبات الحد من طريق أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش: أنشدنا أبو طالب محمد ابن علي الحربي:

 أنشدنا الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني رحمه الله قال:

الى أحمد المصطفى مسنده=حديث الشفاعة عن أحمد

على العرش أيضا فلا ننكره=وجاء حديث بإقعاده
ولا تدخلوا فيه ما يفسده=أمروا الحديث على وجهه
ولا تنكروا أنه يقعده=ولا تنكروا أنه قائم

قال الألباني: فهذا إسناده لا يصح من أجل أبي العز فقد أورده ابن العماد في شذرات الذهب4/78 وقال «قال عبد الوهاب الأنماطي: كان مخلطا».

قال الألباني: «فاعلم أن إقعاده e على العرش ليس فيه إلا هذا الحديث الباطل، وأما قعوده تعالى على العرش فليس فيه حديث يصح، ولا تلازم بينه وبين الإستواء عليه كما لا يخفى.

 وقد وقفت فيه على حديثين:

 الأول: «إن كرسيه وسع السماوت والأرض وإنه يقعد عليه» منكر رواه أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني في فتيا له حول الصفات من طريق الطبراني.

ورواه الضياء المقدسي في المختارة (1/59) من طريق الطبراني به، ومن طرق أخرى عن أبي بكير به. وكذلك رواه أبو محمد الدشتي في كتاب إثبات الحد (134-135) من طريق الطبراني وغيره عن أبي بكير به ولكنه قال «هذا حديث صحيح رواته على شرط البخاري ومسلم».

قال الألباني:

 «كذا قال. وهو خطأ بين مزدوج. فليس الحديث بصحيح، ولا رواته على شرطهما، فإن عبد الله بن خليفة لم يوثقه غير ابن حبان، وتوثيقه لا يعتد به، ولذلك قال الذهبي في ابن خليفة: «لا يكاد يعرف» فأنى للحديث الصحة؟ بل هو حديث منكر عندي.

ومثله حديث ابن إسحاق في المسند وغيره، وفي آخره «إن عرشه لعلى سماواته وأرضه هكذا مثل القبة، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب». وابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالسماع في شيء من الطرق عنه.

ولذلك قال الذهبي في العلو (ص23) «هذا حديث غريب جدا فرد، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، ولـه مناكير وعجائب، فالله أعلم أقال النبي e هذا أم لا. وأما الله عز وجل فليس كمثله شيء جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره. الأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرحل، فذاك صفة للرحل وللعرش. ومعاذ الله أن نعده صفة لله عز وجل. ثم لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت».

قال الألباني «أما الحديث الثاني فهو:

«يقول الله عز وجل للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده» موضوع بهذا التمام: قال الألباني «موضوع بهذا التمام، رواه الطبراني في المعجم الكبير..» (أنظر2/84 حديث رقم1381).

أضاف: «وهذا سند موضوع فإن مداره على العلاء بن مسلمة أبي سالم.

قال في الميزان قال الأزدي:

«لا تحل الرواية عنه، كان لا يبالي ما روى. وقال ابن طاهر: كان يضع الحديث.

وقال ابن حبان: كان يروي الموضوعات عن الثقات. وكذا في التهذيب. فلم يوثقه أحد. ولذلك قال الحافظ في التقريب«متروك» ورماه ابن حبان بالوضع.

ومع ظهور سقوط إسناد هذا الحديث فقد تتابع كثير من العلماء على توثيق رجاله وهو مما يتعجب منه العاقل البصير في دينه.

فالمنذري يقول في الترغيب «رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون».

والهيثمي يقول في المجمع «رجاله موثقون».

وابن كثير يقول في تفسيره «إسناده جيد».

والسيوطي يقول في اللآلئ «إسناده جيد» [ملاحظة دمشقية السيوطي قال: رواه الطبراني بإسناد لا بأس به].

والحديث موضوع بهذا السياق وفيه لفظة منكرة جدا وهي قعود الله تبارك وتعالى على الكرسي، ولا أعرف هذه اللفظة في حديث صحيح.. وقد روي الحديث بدون هذه اللفظة من طرق أخرى كلها ضعيفة، وبعضها أشد ضعفا من بعض. فلا بد من ذكرها لئلا يغتر بها أحد لكثرتها فيقول: بعضها يقوي بعض. كما وقع لي ذلك قديما في تخريج أحاديث الترغيب حيث أشرت للحديث بالحسن تقليدا مني لابن كثير ومن ذكرنا معه، والآن قد رجعت عن ذلك» (سلسلة الضعيفة 2/257-258 ح867).

 

الشبهة والرد عليها:

الشبهة: يزعم بعض الروايات أن الله يقعد على العرش أو يقعد رسوله على العرش، ويستندون إلى هذه الأحاديث في التشبيه بالمخلوقات.

الرد:

1)     جميع الأحاديث المذكورة ضعيفة أو موضوعه كما بينه الذهبي والألباني وابن كثير.

2)     القرآن يثبت صفات الله ولكن دون تشبيه بالخلق أو قعود على العرش بطريقة بشرية.

3)     المقام المحمود والشفاعة مثبتة بالنصوص الصحيحة ولا علاقة لها بالحديث المكذوب.

4)     أي تفسير يخالف التنزيه باطل عقلاً وشرعاً.