الشيعة والإسرائيليات: تحريف أحاديث رؤية الله تعالى والرد على الشبهات
انتشرت بين بعض الشيعة روايات وأحاديث منسوبة للنبي ﷺ، تحاول تحريف فهم صفات الله عز وجل، بما في ذلك مسألة رؤية الله تعالى. هؤلاء الأفراد لا يمثلون منهج الإسلام الصحيح، بل يُصنفون كفرقة ضالة، تسعى لترويج أحاديث باطلة أو غير حقيقية لتحقيق أغراض مذهبية أو سياسية. في هذا المقال، نسلط الضوء على الشبهة التي يحتج بها البعض على عدم جواز رؤية الله تعالى، ونوضح بالدليل من الكتاب والسنة ومن أقوال العلماء كيفية ثبوت الرؤية مع تنزيه الله عن الإحاطة أو التشبيه.
الشبهة والرد عليها:
الشبهة: يستدل بعض المعترضين على جواز رؤية الله تعالى بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، معتبرين إن هذا النفي يعني استحالة رؤية الله.
الرد:
هذه الآية صريحة في نفي الإدراك بمعنى الإحاطة الشاملة، لا نفي الرؤية. كما بين القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إن مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فالرؤية ثابتة بلا إدراك شامل أو إحاطة بصفات الله. وقد أجمع العلماء من أهل السنة، مثل الإمام النووي، وأبو البقاء الكفوي، وابن تيمية، على إن نفي الإدراك أو الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية، ويجب إثبات الرؤية بلا تمثيل ولا تشبيه، وهذا هو المذهب الصحيح الثابت عن أهل السنة والجماعة.
يحتج البعض على عدم جواز رؤية الله تعالى بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الانعام: 103]
وهذا الاستدلال غير صحيح، فالرؤية غير الادراك كما قال تعالى: " فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إن مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]، فالآية الكريمة صريحة بثبوت الرؤية مع عدم الادراك، فمن قال غير ذلك فعليه بالدليل.
ولقد جاء معنى الادراك في اللغة بالإحاطة.
قال الإمام ابن منظور:
"قال أَبو إسحق أَعْلَمَ اللهُ أَنهُ يُدْرِك الأَبصارَ وفي هذا الإِعلام دليل إن خلقه لا يدركون الأَبصارَ أَي لا يعرفون كيف حقيقة البَصَرَ وما الشيء الذي به صار الإِنسان يُبْصِرُ من عينيه دون إن يُبْصِرَ من غيرهما من سائر أَعضائه فَأَعْلَم إن خَلْقاً من خلقه لا يُدْرِك المخلوقون كُنْهَهُ ولا يُحيطون بعلمه فكيف به تعالى والأَبصار لا تحيط به وهو اللطيف الخبير فأَمَّا ما جاء من الأَخبار في الرؤْية وصح عن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فغير مدفوع وليس في هذه الآية دليل على دفعها لأَن معنى هذه الآية إِدراك الشيء والإِحاطة بحقيقته وهذا مذهب أَهل السنَّة والعلم بالحديث"
لسان العرب – محمد بن مكرم بن منظور – ج 4 ص 64
وقال العلامة الازهري: " وأنشد الأخطل:
وأَدْرك عِلمي في سُوَاءَةَ أنها... تُقيمُ على الأوْتار والمَشْربِ الكَدْرِ
أي أحاط علمي أنها كذلك"
تهذيب اللغة - محمد بن أحمد بن الأزهري – ج 3 ص 341
فجعل الإدراك هو الرؤية بإطلاق لا يصح، فمن قال إن الإدراك هو الرؤية من غير أن يأتي بدليل فقد أخطأ.
قال الإمام النووي:
"فَإِنَّ الْإِدْرَاكَ هُوَ الْإِحَاطَةُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُحَاطُ بِهِ وَإِذَا وَرَدَ النَّصُّ بِنَفْيِ الْإِحَاطَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ بِغَيْرِ إِحَاطَةٍ "
شرح صحيح مسلم – أبو زكريا يحيى بن شرف النووي – ج 3 ص 5 - 6
وقال العلامة ابو البقاء:
"والرؤية مَعَ الْإِحَاطَة تسمى إدراكا وَهِي المُرَاد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ حَيْثُ نفى مَا يتَبَادَر من الْإِدْرَاك من الْإِحَاطَة بالغايات والتحديد بالنهايات فَلَا تتوهم أَنه يرى لصورة أَو شكل مَخْصُوص، وَلَا يلْزم من النَّفْي على هَذَا الْوَجْه نفي الرُّؤْيَة عَنهُ تَعَالَى "
الكليات – ابو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الحنفي الكفوي – ص 474
وقال: "﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾: لَا تحيط بِهِ"
الكليات – ابو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الحنفي الكفوي – ص 978
لقد صرح الإمام النووي، والعلامة ابو البقاء الكفوي على إن نفي الاحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية، ولقد فصل شيخ الاسلام رحمه الله الآية الكريمة المباركة تفصيلا جميلا.
حيث قال: "وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ [وَاحْتِجَاجُ النُّفَاةِ أَيْضًا] بِقَوْلِهِ [تَعَالَى]: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 103] فَالْآية حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ: إِمَّا إن يُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الرُّؤْيَةِ، أَوِ الرُّؤْيَةُ، أَوِ الرُّؤْيَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِالْإِحَاطَةِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَأَى شَيْئًا يُقَالُ: إِنَّهُ: [أَدْرَكَهُ، كَمَا لَا يُقَالُ]: أَحَاطَ بِهِ، كَمَا سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَلَسْتَ تَرَى السَّمَاءَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَكُلُّهَا تُرَى؟ قَالَ: لَا.
وَمَنْ رَأَى جَوَانِبَ الْجَيْشِ أَوِ الْجَبَلِ أَوِ الْبُسْتَانِ أَوِ الْمَدِينَةِ لَا يُقَالُ: إِنَّهُ أَدْرَكَهَا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: أَدْرَكَهَا إِذَا أَحَاطَ بِهَا رُؤْيَةً، وَنَحْنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَيْسَ عَلَيْنَا بَيَانُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا بَيَانًا لِسَنَدِ الْمَنْعِ، بَلِ الْمُسْتَدِلُّ بِالْآية عَلَيْهِ إن يُبَيِّنَ إن الْإِدْرَاكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُرَادِفٌ لِلرُّؤْيَةِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ رَأَى شَيْئًا يُقَالُ فِي لُغَتِهِمْ إِنَّهُ أَدْرَكَهُ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، كَيْفَ وَبَيْنَ لَفْظِ الرُّؤْيَةِ وَلَفْظِ الْإِدْرَاكِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ [أَوِ اشْتِرَاكٌ لَفْظِيٌّ]، فَقَدْ تَقَعُ رُؤْيَةٌ بِلَا إِدْرَاكٍ، [وَقَدْ يَقَعُ إِدْرَاكٌ بِلَا رُؤْيَةٍ]، فَإِنَّ الْإِدْرَاكَ يُسْتَعْمَلُ فِي إِدْرَاكِ الْعِلْمِ وَإِدْرَاكِ الْقُدْرَةِ، فَقَدَ يُدْرَكُ الشَّيْءُ بِالْقُدْرَةِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهَدْ، كَالْأَعْمَى الَّذِي طَلَبَ رَجُلًا هَارِبًا مِنْهُ فَأَدْرَكَهُ وَلَمْ يَرَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إن مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 61، 62].
فَنَفَى مُوسَى الْإِدْرَاكَ مَعَ إِثْبَاتِ التَّرَائِي، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ رُؤْيَةٌ بِلَا إِدْرَاكٍ. وَالْإِدْرَاكُ هُنَا هُوَ إِدْرَاكُ الْقُدْرَةِ، أَيْ ملحقون مُحَاطٌ بِنَا وَإِذَا انْتَفَى هَذَا الْإِدْرَاكُ فَقَدْ تَنْتَفِي إِحَاطَةُ الْبَصَرِ أَيْضًا.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ إن اللَّهَ تَعَالَى:
ذَكَرَ هَذِهِ الْآية يَمْدَحُ بِهَا نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمَعْلُومٌ إن كَوْنَ الشَّيْءِ لَا يُرَى لَيْسَ صِفَةَ مَدْحٍ، لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَحْضَ لَا يَكُونُ مَدْحًا إن لَمْ يَتَضَمَّنْ أَمْرًا ثُبُوتِيًّا، وَلِأَنَّ الْمَعْدُومَ أَيْضًا لَا يُرَى، وَالْمَعْدُومُ لَا يُمْدَحُ، فَعُلِمَ إن مُجَرَّدَ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ لَا مَدْحَ فِيهِ.
وَهَذَا أَصْلٌ مُسْتَمِرٌّ، وَهُوَ إن الْعَدَمَ الْمَحْضَ الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ ثُبُوتًا لَا مَدْحَ فِيهِ وَلَا كَمَالَ، فَلَا يَمْدَحُ الرَّبُّ نَفْسَهُ بِهِ، بَلْ وَلَا يَصِفُ نَفْسَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَصِفُهَا بِالنَّفْيِ الْمُتَضَمِّنِ مَعْنَى ثُبُوتٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 255] وَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سُورَةُ سَبَأٍ: 3]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [سُورَةُ ق: 38]، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْقَضَايَا السَّلْبِيَّةِ الَّتِي يَصِفُ الرَّبُّ تَعَالَى بِهَا نَفْسَهُ، وَأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الثُّبُوتِيَّةِ، مِثْلَ كَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ وَمِلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَهِدَايَتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكُلُّ مَا يُوصَفُ بِهِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا عَدَمًا مَحْضًا، وَمَعْلُومٌ إن الْعَدَمَ الْمَحْضَ يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ يُرَى، فَعُلِمَ إن نَفْيَ الرُّؤْيَةِ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَلَا يُقَالُ فِي الْعَدَمِ الْمَحْضِ: لَا يُدْرَكُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: هَذَا فِيمَا لَا يُدْرَكُ لِعَظَمَتِهِ لَا لِعَدَمِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْمَنْفِيُّ هُوَ الْإِدْرَاكَ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُحَاطُ بِهِ رُؤْيَةً، كَمَا لَا يُحَاطُ بِهِ عِلْمًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ إِحَاطَةِ الْعِلْمِ وَالرُّؤْيَةِ نَفْيُ الْعِلْمِ وَالرُّؤْيَةِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ يُرَى وَلَا يُحَاطُ بِهِ كَمَا يُعْلَمُ وَلَا يُحَاطُ بِهِ فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْإِحَاطَةِ بِالنَّفْيِ يَقْتَضِي إن مُطْلَقَ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ بِمَنْفِيٍّ، وَهَذَا الْجَوَابُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرِهِ]"
منهاج السنة النبوية – ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 317 – 320
فخلاصة الموضوع:
أن المحتج بالآية الكريمة المباركة على نفي الرؤية مخطئ.