يحاول بعض أتباع الشيعة الإمامية استخدام أحاديث ضعيفة أو موضوعة للطعن في القرآن الكريم وتأويله حسب أهوائهم، لا سيما فيما يتعلق بآية ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. فهم يزعمون أن هذه الآية خاصة بأئمتهم أو أنهم يمتلكون العصمة في تفسير النزاعات، بينما الحقيقة أن الآية واضحة في عمومها وتدل على أن المرجع في النزاع هو الكتاب والسنة، وأن العصمة لا تكون إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وليس لأي بشر مهما كان.
هذا المقال يوضح المعنى الصحيح للآية وفق منهج أهل السنة والجماعة، ويبين كيف أن الطاعة لأولي الأمر محدودة في إطار طاعة الله ورسوله، مع الرد على التأويلات الباطلة التي تعتمد عليها الفرق الضالة مثل الشيعة.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فهذا نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فالتنازع هنا يعم في كل شيء صغير، أو كبير، خفي، أو جلي، فلو لم يكن في الكتاب، والسنة كفاية في بيان الاحكام التي تنازعوا فيها لم يأمرهم ربنا إلى الرجوع اليها دون غيرها، اذ من الممتنع أن يأمر الله تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل هذا النزاع، والآية دالة على أن العصمة فيمن عنده حل النزاع فقط دون غيره، وهو الذي امر الله تعالى بالرجوع اليه في حال التنازع، وهو الكتاب، والسنة، اذ أن الاجماع منعقد على أن الرد إلى الله تعالى هو الرد إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول صلى الله عليه واله وسلم في حياته اليه، وبعد مماته إلى سنته المطهرة.
قال الإمام ابن القيم:
" أن النَّاسَ أَجْمَعُوا أن الرَّدَّ إلى اللَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ الرَّدُّ إلى كِتَابِهِ، وَالرَّدَّ إلى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الرَّدُّ إلَيْهِ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ"
إعلام الموقعين – ابو عبد الله محمد بن ابي بكر بن قيم الجوزية - ج 1 ص 39
وفي نهج البلاغة:
"وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إلى أن نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اللهِ، وقَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْء فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾، فَرَدُّهُ إلى اللهِ أن نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ، وَرَدُّهُ إلى الرَّسُولِ أن نَاخُذَ بسُنَّتِهِ"
نهج البلاغة – الشريف الرضي - ج 2 ص 5
وقال شيخ الإسلام:
" لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ الْعِصْمَةَ عِنْدَ تَنَازُعِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا فِي الرَّدِّ إلى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَلَى الْهَوَى"
مجموع الفتاوى – ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية - ج 32 ص 120
وقال رضي الله عنه: " فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُطِيعُونَ وُلَاةَ الْأُمُورِ مُطْلَقًا، إِنَّمَا يُطِيعُونَهُمْ فِي ضِمْنِ طَاعَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 59]، فَأَمَرَ بِطَاعَةِ اللَّهِ مُطْلَقًا وَأَمَرَ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 80]، وَجَعَلَ طَاعَةَ أُولِي الْأَمْرِ دَاخِلَةً فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ طَاعَةً ثَالِثَةً ; لِأَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ لَا يُطَاعُ طَاعَةً مُطْلَقَةً إِنَّمَا يُطَاعُ فِي الْمَعْرُوفِ"
منهاج السنة النبوية – ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 3 ص 387
وقال أيضًا: "وَالرَّسُولُ - هُوَ الْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، فَلَا يُطَاعُ مَخْلُوقٌ طَاعَةً مُطْلَقَةً إِلَّا هُوَ"
منهاج السنة النبوية – ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 3 ص 490
الشبهة والرد عليها:
الشبهة:
يدعي بعض الروايات الشيعية أن العصمة عند أئمتهم فقط، وأن الآية تخصهم دون غيرهم.
الرد:
1- الآية عامة في كل نزاع، ويكون الرد إلى الكتاب والسنة، لا إلى أي بشر آخر مهما كانت منزلة.
2- العصمة المطلقة لله ولرسوله فقط، وأولي الأمر يُطاعون في المعروف وطاعة الله، ولا طاعة لهم في المعصية.
3- أي تأويل يجعل المرجع البشري فوق الكتاب والسنة باطل ومخالف للنصوص الصحيحة.