التأويل
تسعى بعض الفرق الضالّة مثل الشيعة الإمامية إلى نشر روايات موضوعة أو تحريف معاني الأحاديث الصحيحة، مستغلة الجهل بمصطلحات علمية كالـ تأويل لتشويه عقيدة أهل السنة والجماعة. هؤلاء يحاولون إلصاق معانٍ باطلة بالحديث الشريف أو النصوص القرآنية، بهدف تمرير معتقداتهم المخالفة لعقيدة الإسلام الصحيح.
والتأويل علم من علوم تفسير القرآن وفهم الحديث، وله معانٍ محددة بين العلماء، كما بيّنها كبار الأئمة مثل: شيخ الإسلام ابن تيمية، الإمام السبكي، وابن عثيمين – رحمهم الله. ويجب التمييز بين التأويل المشروع الذي يستند إلى دليل، وبين صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل، وهو ما يُعتبر تحريفًا.
في هذا المقال، نوضح معاني التأويل عند أهل العلم، ونبيّن الفرق بين التأويل الصحيح والتأويل المذموم، مع الرد على شبهات الشيعة الذين يسعون لتوظيف مفهوم التأويل في تشويه السنة.
الشبهة والرد
الشبهة:
يدعي بعض الشيعة أن التأويل عند أهل السنة يُستخدم لتغيير النصوص وتفسيرها بما يخالف الظاهر، أو لتبرير ما يرونه من صفات لله تعالى، أي يزعمون أن أهل السنة يسيئون فهم النصوص لإخفاء حقيقة صفات الله.
الرد:
1- التأويل عند أهل السنة ليس مطلقًا مذمومًا، بل له ضوابط واضحة:
إذا دل الدليل فهو محمود.
إذا صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل فهو مذموم (تحريف).
2- الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين لا يخصصون التأويل بمعنى التحريف، بل يفهمونه كمعنى التفسير أو صرف الاحتمال.
3- اتباع السلف في النصوص يقتضي الأخذ بالظاهر أولًا، مع الاعتراف بالدليل عند الضرورة.
4- الاجتهاد بالحسن النية لا يجرم قائله، ويُؤجر على اجتهاده إذا كان خالصًا للحق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وقد ذكرنا في غير موضع أن لفظ التأويل في القرآن يراد به ما يؤول الأمر إليه، وإن كان موافقاً لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر، ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه، وإن كان موافقاً له، وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره، ويراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح لدليل يقترن بذلك.
وتخصيص لفظ التأويل بهذا المعني إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعني، بل يريدون المعنى الأول أو الثاني " اهـ
درء تعارض العقل والنقل – ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 1 ص 14
وقال الإمام السبكي:
"(وَالتَّأْوِيلُ حَمْلُ الظَّاهِرِ عَلَى الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ فَإِنْ حُمِلَ لِدَلِيلٍ فَصَحِيحٌ، أَوْ لِمَا يُظَنُّ دَلِيلًا فَفَاسِدٌ أَوْ لَا لِشَيْءٍ فَلَعِبٌ لَا تَأْوِيلٌ " اهـ
جمع الجوامع – تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي - ص 54
وقال الإمام ابن عثيمين:
"والتحقيق: أنه إن دل عليه دليل صحيح فهو حق محمود يعمل به ويكون من المعنى الأول للتأويل وهو التفسير؛ لأن تفسير الكلام تأويله إلى ما أراده المتكلم به سواء كان على ظاهره، أم على خلاف ظاهره ما دمنا نعلم أنه مراد المتكلم.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوه﴾ [النحل: 1]. فإن الله تعالى يخوف عباده بإتيان أمره المستقبل، وليس يخبرهم بأمر أتى وانقضى بدليل قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوه﴾ " اهـ
تقريب التدمرية - محمد بن صالح العثيمين - ص 77
وقال أيضًا: " لأن التأويل في أسماء الله وصفاته ليس منفيا على كل حال، بل ما دل عليه الدليل فهو تأويل ثابت وهو بمعنى التفسير، وإنما المنفي هو التحريف وهو صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، كما صنع أهل التعطيل الذين اختلفوا فيما نفوا وأثبتوا من أسماء الله وصفاته " اهـ
مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ج 1 ص 181
وقال أيضًا: "أن التأويل ليس مذموماً كله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" 1، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7]، فامتدحهم بأنهم يعلمون التأويل.... المعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره وهذا النوع ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن دل عليه دليل، فهو محمود النوع ويكون من القسم الأول، وهو التفسير، وإن لم يدل عليه دليل، فهو مذموم، ويكون من باب التحريف، وليس من باب التأويل " اهـ
شرح العقيدة الواسطية – محمد بن صالح العثيمين - ص 88 – 90
وقال أيضًا: " وأما موقفنا من العلماء المئولين فنقول: من عرف منهم بحسن النية وكان لهم قدم صدق في الدين، واتباع السنة فهو معذور بتأويله السائغ، ولكن عذره في ذلك لا يمنع من تخطئة طريقته المخالفة لما كان عليه السلف الصالح من إجراء النصوص على ظاهرها، واعتقاد ما دل عليه ذلك الظاهر من غير تكييف، ولا تمثيل، فإنه يجب التفريق بين حكم القول وقائله، والفعل وفاعله، فالقول الخطأ إذا كان صادرا عن اجتهاد وحسن قصد لا يذم عليه قائله، بل يكون له أجر على اجتهاده، لقول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». متفق عليه، وأما وصفه بالضلال فإن أريد بالضلال الضلال المطلق الذي يذم به الموصوف، ويمقت عليه، فهذا لا يتوجه في مثل هذا المجتهد الذي علم منه حسن النية، وكان له قدم صدق في الدين واتباع السنة، وإن أريد بالضلال مخالفة قوله للصواب من غير إشعار بذم القائل فلا بأس بذلك؛ لأن مثل هذا ليس ضلالا مطلقا، لأنه من حيث الوسيلة صواب، حيث بذل جهده في الوصول إلى الحق، لكنه باعتبار النتيجة ضلال حيث كان خلاف الحق.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال والتهويل، والله المستعان " اهـ
مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - ج 1 ص 120 – 121