يطرح هذا المقال واحدة من أهم القضايا التي تحاول الفرقة الضالّة الرافضية التشكيك فيها، وهي قضية الكتاب الذي همَّ النبي صلى الله عليه وسلم بكتابته في أيامه الأخيرة. فقد نسجت الرافضة حول هذا الحدث روايات موهومة، زاعمين أن النبي أراد أن يوصي بخلافة غير أبي بكر رضي الله عنه، ثم منعه الصحابة من ذلك.

غير أن النصوص الصحيحة الثابتة في صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند أحمد وغيرها من كتب السنة تكشف الحقيقة بوضوح قاطع؛ وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد كتابة كتاب يصرّح فيه باستخلاف أبي بكر الصديق، وأنه ترك كتابة هذا العهد ثقةً باجتماع المؤمنين عليه، بعدما ظهر لهم في حياته بالأقوال والأفعال أنه الأحق بالخلافة.

ويستعرض المقال الأدلة الصحيحة، ويبين أقوال كبار الأئمة كالإمام البيهقي وابن تيمية وغيرهما، ويفضح التدليس الرافضي الذي تجاهل هذه النصوص الصحيحة، وادّعى ما لا أصل له في دين الله، في محاولة منهم للطعن في خلافة الصديق رضي الله عنه.

لقد ثبت في الأحاديث النبوية ان الكتاب الذي اراد النبي صلى الله عليه واله وسلم كتابته، هو: استخلاف ابي بكر رضي الله عنه.

ففي صحيح الإمام البخاري:

 "7217 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَارَأْسَاهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَا ثُكْلِيَاهْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، وَلَوْ كَانَ ذَاكَ، لَظَلَلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ، لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ فَأَعْهَدَ، أَنْ يَقُولَ: القَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ، - أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى المُؤْمِنُونَ -"

صحيح البخاري - بَابُ الِاسْتِخْلاَفِ – ج 9 ص 80

وفي صحيح الإمام مسلم:

 "11 - (2387) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي مَرَضِهِ" ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ، أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ"

صحيح مسلم - بَابُ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – ج 4 ص 1857

وفي مسند الإمام أحمد:

 " 25113 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي بُدِئَ فِيهِ، فَقُلْتُ: وَارَأْسَاهْ، فَقَالَ: " وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ، فَهَيَّأْتُكِ وَدَفَنْتُكِ " قَالَتْ: فَقُلْتُ غَيْرَى: كَأَنِّي بِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَرُوسًا بِبَعْضِ نِسَائِكَ. قَالَ: " وَأَنَا وَارَأْسَاهْ، ادْعُوا لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ لِأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ، وَيَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى الله عَزَّ وَجَلَّ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ [1]"

قال الإمام البيهقي:

"وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا حَكَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَهُ، أَنْ يَكْتُبَ اسْتِخْلَافَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ تَرَكَ كِتَابَتَهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ تَقْدِيرِ اللهِ تَعَالَى، ذَلِكَ كَمَا هَمَّ بِهِ فِي ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ حِينَ قَالَ: وَارَأْسَاهْ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَكْتُبَ وَقَالَ: يَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ نَبَّهَ أُمَّتَهُ عَلَى خِلَافَتِهِ، بِاسْتِخْلَافِهِ إِيَّاهُ فِي الصَّلَاةِ حِينَ عَجَزَ عَنْ حُضُورِهَا "

دلائل النبوة - أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي – ج 8 ص 273

وقال شيخ الإسلام ابو العباس ابن تيمية:

"وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ بِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَأَخْبَرَ بِخِلَافَتِهِ إِخْبَارَ رَاضٍ بِذَلِكَ حَامِدٍ لَهُ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بِذَلِكَ عَهْدًا، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَتَرَكَ الْكِتَابَ اكْتِفَاءً بِذَلِكَ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، ثُمَّ لَمَّا حَصَلَ لِبَعْضِهِمْ شَكٌّ: هَلْ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنْ جِهَةِ الْمَرَضِ، أَوْ هُوَ قَوْلٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ؟ تَرَكَ الْكِتَابَةَ اكْتِفَاءً بِمَا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَخْتَارُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"

منهاج السنة النبوية – احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 1 ص 516 – 517

الشبهة والرد عليها

الشبهة:

تزعم الفرقة الضالّة الرافضية أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب كتابًا لعلي رضي الله عنه بالخلافة، وأن الصحابة—خصوصًا عمر رضي الله عنه—منعوه من ذلك.

الرد العلمي الموثق:

1)     جميع الروايات الصحيحة في البخاري ومسلم ومسند أحمد تدل على أن النبي أراد كتابة عهد لاستخلاف أبي بكر رضي الله عنه، لا غيره.

2)     النبي ترك كتابة الكتاب لأنه علم أن المؤمنين سيجتمعون على أبي بكر؛ كما نصّ على ذلك في قوله: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر».

3)     حديث الكتاب الذي تزعم الرافضة أنه خاص بعلي لا يوجد له سند صحيح على الإطلاق، بينما الأحاديث الدالة على استخلاف أبي بكر كلها صحيحة.

4)     النبي دلّ أمته على خلافة أبي بكر بالأفعال قبل الأقوال، وأعظمها تقديمه للصلاة، وهو أعظم عمل بعد التوحيد.

5)     البيهقي وابن تيمية وغيرهما أثبتوا أن مراد النبي كان كتابة استخلاف أبي بكر، لكنه ترك ذلك لاجتماع الأمة عليه من غير كتاب مكتوب.

وبهذا يتبين أن الشبهة الرافضية باطلة من أصلها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُرِدْ في أي موضع كتابة عهد لعلي رضي الله عنه.

 

 

 

[1] إسناده صحيح على شرط الشيخين ..." مسند الإمام احمد – تحقيق شعيب الارناؤوط – ج 42 ص 50