يُعَدّ زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش واحدًا من أكثر المواضيع التي أثارت جدلًا عند بعض أهل الأهواء، فاستغلّتها الروايات الموضوعة والقصص المختلقة للطعن في طهارة النبي ﷺ، ومحاولة تشويه عصمته وسيرته العطرة. ومن أخطر ما انتشر في هذا الباب روايات واهية وضعيفة نُسبت زورًا إلى كتب التفسير والحديث، اعتمدت على رواةٍ كذّابين ومتروكين، كالوَاقِدِيّ ومقاتل بن سليمان ونوح بن أبي مريم.

ويهدف هذا المقال إلى تقديم دراسة علمية منهجية تكشف علل هذه الروايات، وبيان ضعفها، وتقرير ما هو الصحيح الثابت من المصادر المعتمدة، مع عرض أقوال كبار العلماء والمفسرين في تحرير الإشكال، بما ينصر الحق ويدحض الباطل.

قال الإمام الحاكم في المستدرك:

(قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ يَطْلُبُهُ، وَكَانَ زَيْدٌ إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَرُبَّمَا فَقْدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّاعَةَ فَيَقُولُ: «أَيْنَ زَيْدٌ؟» فَجَاءَ مَنْزِلَهُ يَطْلُبُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَتَقُومُ إِلَيْهِ زَيْنَبُ فَتَقُولُ لَهُ: هُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَّى فَيُولِّي يُهَمْهِمُ بِشَيْءٍ لَا يَكَادُ يُفْهَمُ عَنْهُ إِلَّا سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ مُصَرِّفِ الْقُلُوبِ، فَجَاءَ زَيْدٌ إِلَى مَنْزِلِهِ فَأَخْبَرَتْهُ امْرَأَتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مَنْزِلَهُ، فَقَالَ زَيْدٌ: أَلَا قُلْتِ لَهُ: يَدْخُلُ، قَالَتْ: قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَأَبَى قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: شَيْئًا قَالَتْ: سَمِعْتُهُ حِينَ وَلَّى تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَا أَفْهَمُهُ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ مُصَرِّفِ الْقُلُوبِ» قَالَ: فَخَرَجَ زَيْدٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنِي أَنَّكَ جِئْتَ مَنْزِلِي فَهَلَّا دَخَلْتَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَعَلَّ زَيْنَبَ أَعْجَبَتْكَ فَأُفَارِقُهَا، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» فَمَـا اسْتَطَاعَ زَيْدٌ إِلَيْهَا سَبِيلًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَأْتِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُخْبِرُهُ فَيَقُولُ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجُكَ» فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا أُفَارِقُهَا، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْبِسْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» فَفَارَقَهَا زَيْدٌ وَاعْتَزَلَهَا وَحَلَّتْ قَالَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ يَتَحَدَّثُ مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذْ أَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْمَةٌ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَتَبَسَّمُ وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ يَذْهَبُ إِلَى زَيْنَبَ يُبَشِّرُهَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ زَوَّجَنِيهَا مِنَ السَّمَاءِ» وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب: 37] الْقِصَّةَ كُلَّهَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ لِمَا كَانَ بَلَغَنِي مِنْ جَمَالِهَا وَأُخْرَى هِيَ أَعْظَمُ الْأُمُورِ وَأَشْرَفُهَا مَا صَنَعَ اللَّهُ لَهَا زَوَّجَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ السَّمَاءِ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «هِيَ تَفْخَرُ عَلَيْنَا بِهَذَا» قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَخَرَجَتْ سَلْمَى خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْتَدُّ، فَحَدَّثَتْهَا بِذَلِكَ فَأَعْطَتْهَا أَوْضَاحًا لَهَا») المستدرك على الصحيحين للإمام الحاكم النيسابوري جص106 ط دار الحرمين – القاهرة، الطبعة الأولى.

علل الرواية:

العِلَّة الأولى: محمد ابن عمر الواقدي: كَذَّاب.

قال الإمامُ الذَّهَبِيُّ:

  قال أحمد بن حنبل: هو كذَّاب يقلب الأحاديث.

  وقال ابنُ معين: ليس بثقة.

  وقال مَرَّةً: لا يُكْتَبُ حديثُه.

  وقال البُخاريُّ وأبو حاتم: متروك.

  وقال أبو حاتم أيضا والنَّسَائِيُّ: يَضَعُ الحديث.

  وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: فيه ضعف)

ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي جص273 ط دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى

العِلَّة الثانية: عبد الله ابن عامر الأسلمي ضعيف الحديث.

قال الإمامُ ابْنُ حَجَر العسقلانيُّ:

 (عبد الله ابن عامر الأسلمي، أبو عامر المدني: ضعيف)

تقريب التهذيب للإمام ابن حجر العسقلاني ص251 ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: عادل مرشد، الطبعة الأولى

العِلَّة الثالثة: الإرسال.

محمد ابن يحيى ابن حبان ثقة، ولكنه لم يُدْرِك النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم.

قال الإمامُ الذَّهَبِيُّ:

(مَوْلِدُهُ في سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ).

سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي جص186 ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثالثة

ومعلوم أنَّ النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم تُوُفِّيَ في السنة الحادية عشرة من الهجرة.

كلام مُقَاتِل ابن سليمان:

قال مقاتل: (زَوَّجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من زيد فمكثت عنده حينا، ثم إنه عليه السلام أتى زيدا يوما يطلبه، فأبصر زينب قائمة، كانت بيضاء جميلة جسيمة من أتمِّ نساء قريش، فهويها وقال: (سبحان الله مقلب القلوب)! فسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد، ففطن زيد فقال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإنَّ فيها كِبْراً، تَعْظُمُ عليَّ وتؤذيني بلسانها، فقال عليه السلام: (أمسك عليك زوجك واتق الله))

 ترجمة مقاتل ابن سليمان:

 قال الإمامُ الدارقطني:

(مُقَاتِل ابْنُ سيلمان خُرَاسَانِيٌّ يكذب)

الضعفاء والمتروكين للإمام الدارقطني ص235 ط المكتب الإسلامي – بيروت، ت: محمد لطفي الصَّبَّاغ، الطبعة الأولى

قال الإمامُ الذَّهَبِيُّ:

قَالَ البُخَارِيُّ: مُقَاتِلٌ لاَ شَيْءَ البَتَّةَ.

قُلْتُ: أي الذهبي: أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ)

سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي جص202 ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثالثة

قال الإمامُ ابنُ أبي حاتم:

(مقاتل بن سليمان البلْخي صاحب التفسير والمناكير)

الجرح والتعديل للإمام عبد الرحمن ابن أبي حاتم جقص354 ط دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى

قال الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي:

(وأشد قُبْحاً مَا قَالَ مُقَاتِل)

التفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي ج22 ص35 ط دار الفكر المعاصر – دمشق.

وقال الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ:

(وَرُوِيَ في الخبر أنه: أَمْسَى زَيدٌ فَأَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، قَالَتْ زَيْنَبُ: ولم يستطعني زيد، وما أمتنع منه غير ما منعه الله مني، فلا يقدر على. هذه رواية أبي عصمة نوح بن أبي مريم، رفع الحديث إلى زينب أنها قالت ذلك. وَفِي بَعْضِ الرُّوَايَاتِ: أنَّ زَيْداً تَوَرَّمَ ذَلِكَ مِنْهُ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَقْرَبَهَا)

الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي ج17 ص155 ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى

وللرد على هذا الكلام أقول:

الإمام القرطبي رحمه الله نقل هذا الكلام من كتاب نوادر الأصول للحكيم الترمذي.

نوادر الأصول للحكيم الترمذي جص596 ط مكتبة الإمام البخاري – القاهرة، ت: إسماعيل إبراهيم متولي، الطبعة الأولى

ومَنْ يَنْظُر في هذا الكتاب لن يجد إسناداً واحداً لهذا الكلام الساقط، ونحن أُمَّةٌ لا تقبل في دِيْنِهَا

إلا ما صَحَّ سَنَدُهُ إلى نَبِيِّهَا عليه الصلاة والسلام وعلى فرض وجود سَنَدٍ مُتَّصِلٍ لهذه الرواية فهي أيضاً رواية مكذوبة.

لأنَّ نوحَ ابنَ أبي مريم المذكور في هذه الرواية شخصٌ كذَّابٌ أَشِر.

قال الإمام أبو الحجاج المزي:

وقال البخاري: قال بن المبارك: لوكيع حدثنا شيخ يقال له أبو عصمة كان يضع كما يضع المعلى بن هلال.

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير.

وقال أحمد بن سعد: سألت يحيى بن معين عن نوح بن أبي مريم فقال ليس بشيء ولا يُكتب حديثه.

وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: أبو عصمة نوح بن أبي مريم قاضي مَرْو يسقط حديثه.

وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث.

وقال أبو حاتم ومسلم بن الحجاج وأبو بشر الدولابي والدارقطني: متروك الحديث.

 وقال البخاري: نوح بن أبي مريم أبو عصمة المروزي قاضي مَرْو منكر الحديث.

وقال في موضع آخر: نوح بن أبي مريم ذاهِبُ الحديث جِداً.

وقال النسائي: أبو عصمة نوح بن جعونة وقيل نوح بن يزيد بن جعونة وهو نوح بن أبي مريم قاضي مرو ليس بثقة ولا مأمون)

تهذيب الكمال للإمام أبي الحجاج المِزِّيِّ ج30 ص60 ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: د/بشار عواد، الطبعة الثانية

وقال الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ:

(وقيل: إنَّ الله بعث ريحاً فرفعت الستر وزينب متفضلة في منزلها، فرأى زينب فوقعت في نفسه، ووقع في نفس زينب أنها وقعت في نفس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذلك لما جاء يطلب زيداً، فأخبرته بذلك، فوقع في نفس زيد أن يطلقها)

وهذا الكلام أيضاً ليس له إسنادٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

فهو ليس بشيءٍ عند المسلمين على الإطلاق.

ثالثاً: ما هو الصحيحُ في هذه الروايات؟

قال الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ:

(رُوِيَ عن علِّي بنِ الحسين: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيداً يُطَلِّقُ زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تَشَكَّى زيدٌ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلق زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على جهة الأدب والوصية: (اتق الله في قولك وأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يرد أن يأمره بالطلاق لما علم أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من أن خشي الناس في شي قد أباحه الله له، بأن قال:” أَمْسِكْ” مع علمه بأنه يطلق. وأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي في كل حال. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين، كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم، فأما ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هوي زينب امرأة زيد وربما أطلق بعض المجان لفظ عشق فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته. قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهرا من الجواهر، ودرا من الدرر، أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة أبنه، والله أحق أن تخشاه)

الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي ج17 ص158 ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى

رابعاً: بطلان القصة بآيات القرآن الكريم:

قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ} وايات اخرى كثيرة.....

خامساً: بُطلان القصة بالأحاديث الصحيحة:

روى الْإِمَامُ أبو داود:

(عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ)

سنن الإمام أبي داود السجستاني جص503، ط دار الكتاب العربي – بيروت، ت: سامي بن محمد سلامة، الطبعة الثانية

قال الشيخ أبو الطيب العظيم آبادي:

(مَنْ خَبَّبَ أي خدع وأفسد امرأة على زوجها بأن يذكر مساوئ الزوج عند امرأته أو محاسن أجنبي)

عون المعبود شرح سنن أبي داود لأبي الطيب العظيم آبادي جص159، ط دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الثانية

روى الإمام البخاري:

(عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا القَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ)

صحيح البخاري للإمام محمد بن إسماعيل البخاري ص801 ح3242، ط دار ابن كثير – بيروت، الطبعة الأولى

وجاءت هذه الرواية عند الشيعة في تفسير القمي والرواية مشهورة................

وجاءت عند النصارى ايضاً: (وَأَمَّا دَاوُدُ فَأَقَامَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدّاً. فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِدٌ: «أَلَيْسَتْ هَذِهِ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ؟» فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلاً وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: «إِنِّي حُبْلَى». فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى يُوآبَ يَقُولُ: «أَرْسِلْ إِلَيَّ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ…وَقَالَ دَاوُدُ لِأُورِيَّا: «انْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ وَاغْسِلْ رِجْلَيْكَ». فَخَرَجَ أُورِيَّا مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ… وَنَامَ أُورِيَّا عَلَى بَابِ بَيْتِ الْمَلِكِ مَعَ جَمِيعِ عَبِيدِ سَيِّدِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى بَيْتِهِ. فَقَالُوا لِدَاوُدَ: «لَمْ يَنْزِلْ أُورِيَّا إِلَى بَيْتِهِ». فَقَالَ دَاوُدُ لِأُورِيَّا: «أَمَا جِئْتَ مِنَ السَّفَرِ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تَنْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ؟» فَقَالَ أُورِيَّا لِدَاوُدَ: «إِنَّ التَّابُوتَ وَإِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا سَاكِنُونَ فِي الْخِيَامِ، وَسَيِّدِي يُوآبُ وَعَبِيدُ سَيِّدِي نَازِلُونَ عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ، وَأَنَا آتِي إِلَى بَيْتِي لِآكُلَ وَأَشْرَبَ وَأَضْطَجِعَ مَعَ امْرَأَتِي! وَحَيَاتِكَ وَحَيَاةِ نَفْسِكَ لاَ أَفْعَلُ هَذَا الأَمْرَ». فَقَالَ دَاوُدُ لِأُورِيَّا: «أَقِمْ هُنَا الْيَوْمَ أَيْضاً، وَغَداً أُطْلِقُكَ». فَأَقَامَ أُورِيَّا فِي أُورُشَلِيمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَغَدَهُ. وَدَعَاهُ دَاوُدُ فَأَكَلَ أَمَامَهُ وَشَرِبَ وَأَسْكَرَهُ. وَخَرَجَ عِنْدَ الْمَسَاءِ لِيَضْطَجِعَ فِي مَضْجَعِهِ مَعَ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَإِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَنْزِلْ. وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُدُ مَكْتُوباً إِلَى يُوآبَ وَأَرْسَلَهُ بِيَدِ أُورِيَّا. وَكَتَبَ فِي الْمَكْتُوبِ يَقُولُ: «اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ الْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ». وَكَانَ فِي مُحَاصَرَةِ يُوآبَ الْمَدِينَةَ أَنَّهُ جَعَلَ أُورِيَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ رِجَالَ الْبَأْسِ فِيهِ. فَخَرَجَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ وَحَارَبُوا يُوآبَ…وَمَاتَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضاً.

وبعد عَلِمَ النبيُّ داودُ بموت أوريا هل حزن عليه؟ هل أصابه الغضب؟ هل استشعر جريمته؟

يُكمل الكتاب قائلاً: فَقَالَ دَاوُدُ لِلرَّسُولِ: «هَكَذَا تَقُولُ لِيُوآبَ: لاَ يَسُؤْ فِي عَيْنَيْكَ هَذَا الأَمْرُ، لأَنَّ السَّيْفَ يَأْكُلُ هَذَا وَذَاكَ … فَلَمَّـا سَمِعَتِ امْرَأَةُ أُورِيَّا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ أُورِيَّا رَجُلُهَا نَدَبَتْ بَعْلَهَا.

فهل رحم النبي داود المرأة؟ هل أحس بجريمته الشنعاء؟ هل حاك في ضميره شيء؟

 يُكمل الكتاب قائلاً: وَلَمَّا مَضَتِ الْمَنَاحَةُ أَرْسَلَ دَاوُدُ وَضَمَّهَا إِلَى بَيْتِهِ، وَصَارَتْ لَهُ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ ابْناً. وَأَمَّا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ فَقَبُحَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ)

كتاب النصارى – العهد القديم – سفر صموئيل الثاني أصحاح 11 

 

الشبهة:                                                                                                                                                                                                             

يزعم بعض الطاعنين أن النبي ﷺ رأى زينب بنت جحش فأعجبته، وقال عند رؤيتها: "سبحان الله مقلب القلوب"، وأن هذا الإعجاب كان سببًا في طلاق زيد لها ثم زواج النبي ﷺ بها. ويستدلون بروايات وردت في بعض كتب السير والتفسير، أشهرها ما رواه الحاكم في المستدرك، وما نقله مقاتل بن سليمان والحكيم الترمذي، إضافة إلى روايات أخرى من طريق الواقدي ونوح بن أبي مريم.

الرد العلمي على الشبهة:

أولًا: سقوط الروايات سندًا:

جميع الروايات التي وردت في هذا الباب لا يصح منها شيء، بل مدارها على ثلاثة من أكذب الناس في الرواية:

1)  محمد بن عمر الواقدي قال عنه أحمد: كذاب يقلب الأحاديث.

2)  عبد الله بن عامر الأسلمي ضعيف عند ابن حجر.

3)  مقاتل بن سليمان أجمع العلماء على تركه، وقال البخاري: لا شيء البتة.

4)  نوح بن أبي مريم (أبو عصمة) قال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون.

كما أن في الروايات إرسالًا قاطعًا، فمحمد بن يحيى بن حبان وُلد سنة 47 هـ، ولم يدرك عصر النبوة.

ثانيًا: ضعف المتون ومخالفتها للعقيدة

ما نُسب إلى النبي ﷺ من “هوى” أو “إعجاب” يناقض عصمته، ولا يقبله عقل ولا شرع، ولذلك قال القرطبي:

هذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ أو مستخف بحرمته.

ثالثًا: التفسير الصحيح للآية:

الثابت عن علي بن الحسين وغيره من المحققين أنّ النبي ﷺ كان قد أوحى إليه أنّ زيدًا سيطلق زينب وأنه سيتزوجها بتزويج الله لها من فوق سبع سماوات.
فكان قوله لزيد: "أمسك عليك زوجك" من باب النصيحة والأدب، لا من باب الجهل بالمآل.

وعتاب الله لنبيه ﷺ كان لخشية كلام الناس، لا لشيء آخر.

قال القرطبي:

"وهذا القول أحسن ما قيل، وهو قول أهل التحقيق من العلماء".

رابعًا: الحكمة الشرعية من الزواج:

كان الهدف إبطال عادة جاهلية وهي تحريم نساء الأدعياء، فزوج الله نبيه ﷺ بزينب ليقرر قاعدة شرعية خالدة: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ…﴾ الأحزاب: 37.