تنتشر في كتب الشيعة الإمامية روايات باطلة وأحاديث موضوعة تُستخدم للطعن في القرآن الكريم وصحابة النبي ﷺ، وتقوم هذه الطائفة الضالة بنشرها في سياق منهجي قديم هدفه التشكيك في جمع القرآن وثبوت نصّه. ويأتي من أبرز تلك الشبهات ما يدّعونه حول عدم قرآنية المعوّذتين أو الاستناد إلى أثر ابن مسعود رضي الله عنه لتمرير عقيدتهم التي تُخالف إجماع الأمة. إن التصدي لهذه الأكاذيب واجب علمي، وبيان الحق بالأدلة الشرعية والتاريخية يُعد ضرورة لوقف تحريفاتهم التي لا تمتّ للإسلام بصلة، بل تمثّل خروجًا عن عقيدة المسلمين وإجماعهم على سلامة المصحف العثماني وتمام حفظ القرآن الكريم.

هذه المقالة تقدّم ردًا علميًا شاملاً على شبهة إنكار المعوّذتين، وتكشف التناقض الصارخ في كتب الشيعة التي تذهب إلى اعتقاد أخطر بكثير مما ينسبونه لابن مسعود رضي الله عنه؛ إذ يصرّح بعض أئمتهم بأن المعوّذتين ليستا من القرآن أصلًا!

قال الإمام أحمد:

" 21189 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدةَ، وَعَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: قُلْتُ لِأُبَيٍّ: أن أَخَاكَ يَحُكُّهُمَا مِنَ الْمُصْحَفِ، قِيلَ لِسُفْيَانَ: ابْنِ مَسْعُودٍ؟ فَلَمْ يُنْكِرْ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "قِيلَ لِي، فَقُلْتُ " فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَاَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ سُفْيَانُ: يَحُكُّهُمَا: الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَلَيْسَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ " كَانَ يَرَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ بِهِمَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ يَقْرَؤُهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ "، فَظَنَّ أَنَّهُمَا عُوذَتَانِ، وَأَصَرَّ عَلَى ظَنِّهِ، وَتَحَقَّقَ الْبَاقُونَ كَوْنَهُمَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَأَوْدَعُوهُمَا إِيَّاهُ[1].

وقال الحافظ ابن حجر:

" 3795 - حَدَّثَنَا الْأَزْرَقُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا الصَّلْتُ بْنُ بَهْرَامَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْه يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْمُصْحَفِ، وَيَقُولُ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُتَعَوَّذَ بِهِمَا. وَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْه يَقْرَؤُهُمَا "

المطالب العالي – أحمد بن علي بن حجر – ج 15 ص 484

فابن مسعود رضي الله عنه كان يعتقد بانهما للرقية، فلما علم بعد ذلك بانهما من القران اثبتهما، والدليل على ذلك الطرق المتواترة الثابتة عن ابن مسعود رضي الله عنه بنقل جميع القران الكريم بما فيه المعوذتين، فنقول أن فعل ابن مسعود رضي الله عنه كان قبل الإجماع على المصحف العثماني، فلما انعقد الإجماع على قرانيتهما، وتم كتابتهما في المصحف الشريف قال ابن مسعود بهذا الإجماع وعمل بمقتضاه.

قال العلامة الزرقاني:

 " يحتمل أن إنكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين والفاتحة على فرض صحته، كان قبل علمه بذلك فلما تبين له قرآنيتهما بعد تم التواتر وانعقد الإجماع على قرآنيتهما كان في مقدمة من آمن بأنهما من القرآن.

قال بعضهم: يحتمل أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي صلى الله عليه وسلم ولم تتواترا عنده فتوقف في أمرهما. وإنما لم ينكر ذلك عليه لأنه كان بصدد البحث والنظر والواجب عليه التثبت في هذا الأمر ا هـ..

ولعل هذا الجواب هو الذي تستريح إليه النفس لأن قراءة عاصم عن ابن مسعود ثبت فيها المعوذتان والفاتحة وهي صحيحة ونقلها عن ابن مسعود صحيح وكذلك إنكار ابن مسعود للمعوذتين جاء من طريق صححه ابن حجر. إذا فليحمل هذا الإنكار على أولى حالات ابن مسعود جمعا بين الروايتين "

مناهل العرفان في علوم القرآن - محمد عبد العظيم الزُّرْقاني - ج 1 ص 276

وفي فقه الرضا عند الرافضة:

" ولا تقرأ في صلاة الفريضة (والضحى) و (ألم نشرح) و (ألم تر كيف) و (لايلاف) ولا (المعوذتين)، فإنه قد نهي عن قراءتهما في الفرائض، لأنه روي أن (والضحى) و (ألم نشرح) سورة واحدة، وكذلك (ألم تر كيف) و (لإيلاف) سورة واحدة بصغرها، وأن (المعوذتين) من الرقية، ليستا من القرآن دخلوها في القرآن وقيل: أن جبرئيل عليه السلام علمها رسول الله صلى الله عليه وآله. فإن أردت قراءة بعض هذه السور الأربع فاقرأ (والضحى) و (ألم نشرح) ولا تفصل بينهما وكذلك (ألم تر كيف) و (لإيلاف). وأما (المعوذتان) فلا تقرأهما في الفرائض، ولا بأس في النوافل "

فقه الرضا - علي بن بابويه - ص 112 – 113

فالإمام المعصوم عند الرافضة يصرح بان المعوذتين ليستا من القران، فما هو حكمه عند الإمامية؟!!!.

علما أن عهد الرضا كان بعد إجماع الصحابة رضي الله عنهم على مصحف عثمان رضي الله عنه.

عرض الشبهة

يستند الرافضة إلى روايات صحيحة السند في ظاهرها، تتحدث عن إنكار ابن مسعود رضي الله عنه لوجود المعوّذتين في مصحفه، ويذكرون أنه كان يرى أنهما للتعوذ فقط وليستا من القرآن. ويستغلون هذا لتشويه جمع القرآن، ويزعمون:

"إذا كان ابن مسعود ينكر قرآنية المعوّذتين، فهذا يعني أن المصحف العثماني ناقص أو محرّف."

كما يُضيفون – بالمغالطة – أن كتب أهل السنة تُثبت حذف ابن مسعود للسورتين، في حين أن كتبهم نفسها – خصوصًا فقه الرضا – تصرّح بأن المعوّذتين ليستا من القرآن!

الرد العلمي على الشبهة

أولًا: موقف ابن مسعود اجتهادي قديم قبل اكتمال التواتر وإجماع الأمة

الروايات التي تذكر إنكاره للمعوّذتين تُشير بوضوح إلى أنه كان يظنّ أنهما رُقيتان؛ لأنه رأى النبي ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين، ولم يسمعه يقرؤهما في الصلاة.

قال الإمام أحمد: ابن مسعود ظنّ أنهما عوذتان فقط، فلما تحقّق الباقون قرآنيتهما أثبتوهما.

هذا يعني:

اجتهاد مبكر

قبل تمام العرضة الأخيرة

وقبل نسخ المصاحف العثمانية

وأنه رجع إلى قول الجماعة بعد اجتماع الأمة وتواتر التلاوة

ولا يوجد أي أثر واحد صحيح يدل على أن ابن مسعود استمر في هذا القول بعد إجماع الأمة.

ثانيًا: إجماع الصحابة حجّة قاطعة بنسخ المصاحف العثمانية

لو كان ابن مسعود مُصرًّا على رأيه لرفض المصحف العثماني… لكنه كان من أشهر من قرأ بالمصحف العثماني بعد إجماع الأمة.

والدليل القاطع:

قراءة عاصم – التي هي قراءة حفص اليوم – من طريق ابن مسعود وفيها المعوذتان.

وهذا وحده كافٍ لإسقاط الشبهة من جذورها.

ثالثًا: كلام العلماء ينسف الشبهة تمامًا

قال الزرقاني:

إنكار ابن مسعود – إن ثبت – كان قبل علمه بقرآنيتهما، فلما تواتر عنده القول بهما آمن بقرآنيتهما.

وأن الروايات المتواترة عنه تثبت قراءة المعوذتين.

فأي استدلال بعد هذا يكون؟!

رابعًا: المفارقة القاتلة… الإمام الرضا عند الشيعة يقول حرفيًا: المعوذتان ليستا من القرآن!

من أخطر النصوص في كتب الرافضة:

جاء في فقه الرضا ص112–113: "والمعوذتان من الرقية ليستا من القرآن، أدخلوهما في القرآن"

وهذا نص صريح في:

إنكار قرآنية المعوذتين

نسبة التحريف للصحابة

اتهامهم بإدخال ما ليس من القرآن

وهو أمر أخطر بآلاف المرات من اجتهاد ابن مسعود الذي رجع عنه.

السؤال البديهي:

ما حكم إمامكم المعصوم عندكم الذي يصرّح بأن المعوذتين ليستا من القرآن؟!

الجواب عندهم مستحيل، لأنه يهدم عقيدتهم من أساسها.

خامسًا: القرآن محفوظ بحفظ الله ولن يصحّ شيء يعارض التواتر والإجماع

قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ والمعوّذتان من أشهر سور القرآن، يتلوهما ملايين المسلمين يوميًا، ومتواترة نقلًا وعملاً وكتابةً… فهل يعقل أن ينفرد رأيٌ قديم مؤقت بنقض هذا كله؟!

________________________________________________________

[1] إسناده صحيح على شرط الشيخين ...." مسند الإمام أحمد – تحقيق شعيب الارناؤوط – ج 35 ص 118