تسعى بعض الفرق الضالة، وعلى رأسها الشيعة الإمامية، إلى بث شبهات حول القرآن الكريم والقراءات النبوية، وزعم أن القرآن أو الأحكام فيه محرفة أو مضافة عمداً لصالح أئمتهم. وهذه الادعاءات باطلة جملة وتفصيلًا، إذ الإسلام السني يعتمد على أصول دقيقة في التحقق من صحة الروايات والقرآن الكريم.

في هذا المقال، نوضح قراءة آية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة: 238]، ونبين حكمها عند أهل السنة والجماعة كنسخ للقراءة الأولى، مع استعراض الروايات المتعددة عند أهل البيت في المصادر الإمامية وبيان الفرق بين النسخ والتحريف.

قال الإمام مسلم:

" 207 - (629) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، مَوْلَى عَائِشَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة: 238] فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة: 238]، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: 238]، قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"

صحيح مسلم - بَابُ الدَّلِيلِ لِمَنْ قَالَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ – ج 1 ص 437

وهذه القراءة منسوخة، وقد صدقت ام المؤمنين رضي الله عنها بذلك، فكل ما كان في ذلك العصر منسوخا ولم يُعرف ذلك، فلا حرج على من لم يصله النسخ، والدليل على ان هذه القراءة نزلت على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ثم نُسخت ما جاء عند الإمام مسلم من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.

قال الإمام مسلم:

"208 - (630) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة: 238] وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة: 238]، " فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقِ لَهُ: هِيَ إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقَالَ الْبَرَاءِ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ، وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ "، قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَرَأْنَاهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَانًا بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ"

مسلم - بَابُ الدَّلِيلِ لِمَنْ قَالَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ – ج 1 ص 438

وقال الإمام الطحاوي في معاني الاثار:

"حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ، عَنْ أُمِّهِ أُمِّ حُمَيْدٍ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ، سَأَلَتْ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى فَقَالَتْ كُنَّا نَقْرَؤُهَا عَلَى الْحَرْفِ الأَوَّلِ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَصَلاَةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ "

معاني الاثار – ابو جعفر الطحاوي – ج 1 ص 351 – 352

وقد ذكر الإمام ابن الجوزي:

 رواية أم المؤمنين رضي الله عنها فيما نُسخ رسمه، فقال:

" ومما نسخ خطّه واختلف في حكمه؛ ما روى مسلم في أفراده عن عائشة رضي الله عنها؛ أنها أملت على كاتبها: «حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين» وقالت: سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم"

نواسخ القرآن - أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي - ج 1 ص 34

وقد ورد في كتب الإمامية الروايات الكثيرة لهذه القراءة، ومنها:

قال محمد بن يعقوب الكليني:

"1- عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ جَمِيعاً عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الصَّلَاةِ فَقَالَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فَقُلْتُ فَهَلْ سَمَّاهُنَّ وَ بَيَّنَهُنَّ فِي كِتَابِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ دُلُوكُهَا زَوَالُهَا فَفِيمَا بَيْنَ دُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ سَمَّاهُنَّ اللَّهُ وَ بَيَّنَهُنَّ وَ وَقَّتَهُنَّ وَ غَسَقُ اللَّيْلِ هُوَ انْتِصَافُهُ ثُمَّ قَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً فَهَذِهِ الْخَامِسَةُ وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ طَرَفَاهُ الْمَغْرِبُ وَ الْغَدَاةُ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ وَ هِيَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَ قَالَ تَعَالَى ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى وَ هِيَ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَ هِيَ أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَ هِيَ وَسَطُ النَّهَارِ وَ وَسَطُ الصَّلَاتَيْنِ بِالنَّهَارِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى صَلَاةِ الْعَصْرِ وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قَالَ وَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فِي سَفَرِهِ فَقَنَتَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَ تَرَكَهَا عَلَى حَالِهَا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَ أَضَافَ لِلْمُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ وَ إِنَّمَا وُضِعَتِ الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ أَضَافَهُمَا النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله) يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْمُقِيمِ لِمَكَانِ الْخُطْبَتَيْنِ مَعَ الْإمام فَمَنْ صَلَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ فَلْيُصَلِّهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ"

 الكافي – الكليني - ج 3 ص 271 – 272 – وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – صحيح – ج 15 ص 18

وصحح هذه الرواية واستشهد بها الحلي.

 حيث قال: " ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى هي صلاة الظهر، وهي أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي وسط النهار، ووسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة وصلاة العصر، وفي بعض القراءة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين).

 أقول: والعطف يقتضي المغايرة، وقد ورد في روايتي عائشة، والباقر عليه السلام"

منتهى المطلب - الحلي - ج 4 ص 159.

وقال علي بن إبراهيم القمي:

"وقوله ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإنه حدثني أبي عن النضر بن سويد عن ابن سنان أبي عبد الله عليه السلام.

 انه قرأ: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين"

تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي - ج 1 - ص 79

وقد صحح هذه الرواية البحراني في الحدائق فقال:

"وروى الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه قرأ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين.. الحديث"

الحدائق الناضرة - البحراني - ج 6 ص 22

وقال رضا الهمداني:

"فعن الفقيه روايتها كما عرفت بذكر صلاة العصر عقيب الصلاة الوسطى بلا توسيط العاطف وعن التهذيب روايتها بعطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى وهذا بحسب الظاهر هو الصحيح فكان الأول نشأ من سهو قلم النساخ فان ذكرها بلا عطف لا يلايم ما قبل هذه الفقرة وما بعدها من التصريح بان صلاة الوسطى التي أمروا بالمحافظة عليها وبالقيام فيها قانتين هي صلاة الظهر كما يشهد لذلك الأخبار المستفيضة المروية عن طرق الخاصة والعامة الحاكية لنقل هذه القراءة التي أشير إليها في الرواية بالواو كصحيحة عبد الله بن سنان المروية عن تفسير العياشي عن أبي عبد الله عليه السلام انه قرء حافظوا على الصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين وعن تفسير العياشي أيضا عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال قلت له الصلاة الوسطى فقال حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين والوسطى هي الظهر وكذلك كان يقرئها رسول الله صلى الله عليه وآله ورواية محمد بن مسلم المروية عن فلاح السائل عن أبي جعفر عليه السلام قال كتبت امرأة الحسن بن علي عليه السلام مصحفا فقال الحسن عليه السلام للكاتب لما بلغ هذه الآية اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين ورواية أبي بصير المروية وعن كتاب إبراهيم الحزاز عن أبي عبد الله عليه السلام قال وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين..."

مصباح الفقيه - رضا الهمداني - ج 2 ق 1 - ص 15

وقال الفيض الكاشاني:

"وفي قراءتهم عليهم السلام: " والصلاة الوسطى وصلاة العصر"

التفسير الأصفى - الفيض الكاشاني - ج 1 ص 114

وقال: "والقمي عن الصادق (عليه السلام) انه قرأ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين قال اقبال الرجل على صلاته ومحافظته حتى لا يلهيه ولا يشغله عنها شئ"

التفسير الصافي - الفيض الكاشاني - ج 1 ص 269

وقد صرح السيد الشريف المرتضى بان الاجماع عند الإمامية قائم على ان الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وذكر انه قد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قراءة بذلك، فقال: "مسألة سادسة [تعيين صلاة الوسطى] المعرفة للصلاة الوسطى والدليل عليه. الجواب: الصلاة الوسطى عند أهل البيت عليهم السلام هي صلاة العصر.

والحجة على ذلك: إجماع الشيعة الإمامية عليه. وقد روي أن في قراءة ابن مسعود (رحمه الله تعالى): (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر). وإنما سميت (وسطى) لأنها بين صلاتين من صلاة النهار تقدمت عليها، وصلاتين من صلاة الليل تأخرت عنها"

رسائل المرتضى جزء 1 ص 275

فكل هذه النقولات تثبت ان هذه القراءة ثابتة عن اهل البيت رضوان الله عليهم في كتب الإمامية، وقد بينا الادلة الواضحة على انها منسوخة عند اهل السنة والجماعة، فالطاعن بهذه القراءة انما هو طاعن بأئمة اهل البيت رضي الله عنهم، حيث نقلنا من كتب الإمامية الروايات الكثيرة، مع تصريح علماء الإمامية بثبوت هذه القراءة عن ائمة اهل البيت في المصادر الإمامية.