حدثنا عبد الله حدثني محمد بن الحسين بن أشكاب ثنا محمد بن أبي عبيدة بن معن ثنا أبي عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال كان يحك المعوذتين من مصاحفه ويقول إنهما ليستا من كتاب الله».

رواه أحمد في (المسند5/129) والطبراني في (المعجم الكبير9/234) من طريق أبي إسحاق السبيعي والأعمش وهو سليمان بن مهران وكلاهما ثقة مدلس من رجال الصحيحين وقد اختلط السبيعي بأخرة. فإذا أتيا بالرواية معنعنة تصير معلولة (العلل للدارقطني). وهذه الرواية معلولة بالعنعنة. وحكي عن كل منهما الميل إلى التشيع.

إعتراف رافضي يمنح ابن مسعود عذرا:

ونود قبل كل شيء أن نذكر باعتراف الرافضة بأن ابن مسعود لم ينكر المعوذتين كونهما من القرآن وإنما كان لا يسمح لنفسه بإثبات شيء من مصحفه الخاص به إلا أن يأذن له رسول الله e بذلك. وكأنه لم يبلغه الإذن. قال المحقق البحراني «فهذا تأويل حسن» (الحدائق الناضرة8/231).

وقد أنكر ابن حزم والنووي والباقلاني ثبوت شيء عن ابن مسعود في ذلك. وذهب ابن حزم إلى ضعف الرواية بأنه قد صحت قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود وفيها أم القرآن والمعوذتان (المحلى1/13).

وقال النووي «أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن. وأن من جحد شيئا منه كفر. وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح عنه» (المجموع شرح المهذب 3/396).

هذا ما قاله رحمه الله وحتى لو ثبت فإنه يوجه بمثل توجيه البحراني.

وهو أقل من حيث درجة الصحة من قراءة عاصم المتواترة. فقد تواترت عن ابن مسعود قراءته بطريق أصحابه من أهل الكوفة، وتلقاها عاصم عن زر بن حبيش عنه رضِى الله عنه. وهِى التِى يرويها أبو بكر بن عياش عن عاصم، وتواترها البالغ مما لا يتناطح فيه، (أنظر كتاب الأصول المقارنة لقراءات أبي عمرو البصري وابن عامر الشامي وعاصم بن أبي النجود للدكتور غسان بن عبد السلام حمدون).

وجاء في البخاري:

«حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش وحدثنا عاصم عن زر قال سألت أبي بن كعب قلت يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا فقال أبي سألت رسول الله  فقال لي: قيل لي: قل.. فقلت. قال فنحن نقول كما قال رسول الله» (البخاري4693).

وهذا كلام مجمل أعني قوله كذا وكذا.

موقف للحافظ ابن حجر:

قال الحافظ في الفتح «وقد تأول القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الانتصار وتبعه عياض وغيره ما حكى عن ابن مسعود فقال لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن وإنما أنكر إثباتهما في المصحف. فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئا إلا إن كان النبي  أذن في كتابه فيه وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك قال فهذا تأويل منه وليس جحدا لكونهما قرآنا وهو تأويل حسن إلا أن الرواية الصحيحة الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك حيث جاء فيها ويقول أنهما ليستا من كتاب الله نعم يمكن حمل لفظ كتاب الله على المصحف فيتمشى التأويل المذكور» (فتح الباري8/472).

قلت: قد سبق أن الرواية من طريق أبي إسحاق السبيعي والأعمش وكلاهما مدلسان وقد جاءت روايتهما معنعنة، ولولا مجيئهما معنعنة لقبلتا.

وعنعنة المدلس علة في الحديث يصعب المسارعة إلى تصحيح سندها فضلا عن أن تغلب القراءة المتواترة عن عبد الله بن مسعود والمتضمنة للمعوذتين.

وعلى فرض ثبوت السند إلى عبد الله بن مسعود في إنكاره للمعوذتين.

فإن لذلك توجيهات مهمة:

أن هذا الصحيح المفترض لا يبلغ في درجة صحته قراءة عاصم عن ابن مسعود المتواترة والتي تضمنت المعوذتين والفاتحة.

ومن المعلوم أن القراءات الثلاث ترجع إلى عدد من الصحابة، فقراءة أبي عمرو ترجع بالسند إلى الصحابي الجليل أبي بن كعب، وترجع قراءة عاصم بالسند إلى الصحابيين الجليلين علي رضي الله عنه و ابن مسعود رضي الله عنه، وترجع قراءة ابن عامر الشامي بالسند إلى الصحابيين الجليلين عثمان بن عفان وأبي الدرداء رضي الله عنهما.

ثم إن هذا الموقف كان منه في فترة وجيزة بين موت رسول الله e إلى أن تم جمع الصحابة على القرآن بالإجماع. فأما بعد هذا فلم يحك عنه شيء من الإصرار على ذلك. وكان يدرس القرآن ويفسره على الناس طيلة حياته بعد رسول الله e إلى أن توفاه الله. ولم يحك عنه بعد الجمع أي إصرار أو استنكار. ولو أنه بقي على موقفه لبلغنا ذلك كما بلغنا إصرار بعض الصحابة كابن عباس الذي بقي حتى خلافة عمر وهو يظن أنه لم يرد من النبي كلام حول تحريم متعة النساء.

أن هذا القول قد صدر منه ولم يكن الإجماع قد استقر بعد. فأما لو ثبت عن أحد المنازعة فيه بعد إجماع الصحابة عليه فهو منهم كفر. ولهذا حكمنا بالكفر في حق كل من شكك في القرآن من الرافضة بعد استقرار الإجماع علىهذا القرآن الذي بين أيدينا.

أن عبد الله بن مسعود لم يقل ما قاله المجلسي والعاملي والمفيد من أن القرآن قد وقع فيه التحريف مادة وكلاما وإعرابا.

أن هذا يؤكد ما نذهب إليه دائما من أن الصحابة ليسوا غير معصومين في آحادهم، وإنما هم معصومون بإجماعهم. وهم لن يجمعوا على ضلالة.

ولكن أين هذا من طعن الشيعة بعلي حيث وصفوه بأنه باب مدينة العلم وأنه بقي ستة أشهر يجمع القرآن ثم زعموا أنه غضب من الصحابة فأقسم أن لا يروا هذا القرآن الذي جمعه هو إلى يوم القيامة. وهذا يلزم منه أن القرآن الذي عندنا لا علاقة لعلي به. وأن القرآن بقي إلى يومنا هذا غائبا مع الإمام الغائب.

أين هذا من ادعاء الشيعة بعد انقراض جيل الصحابة على أن هذا القرآن الذي بأيدينا اليوم وقع فيه التحريف وحذف منه اسم علي وأسماء أهل البيت.

أن من استنكر من ابن مسعود هذا الموقف من سورتين صغيرتين يلزمه من باب أولى أن يستنكر ما هو أعظم منه وهو قول الرافضة بأن الظاهر من ثقة الإسلام الكليني أنه كان يعتقد بالتحريف والنقصان في كتاب الله (مقدمة تفسير الصافي ص 14 و47 طبع سنة 1399هـ).

أن عبد الله بن مسعود كان يرى المعوذتين أنهما ليستا من القرآن. وأنما كانتا رقية كان النبي يرقي بهما الحسن والحسن.

 

الشبهة:

يزعم بعض الشيعة أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يحكّ المعوذتين من مصحفه ويقول: “إنهما ليستا من كتاب الله” مستدلّين برواية وردت من طريق الأعمش وأبي إسحاق السبيعي.

الردّ التفصيلي على الشبهة:

أولاً: سند الرواية معلول بعلل ظاهرة

الرواية جاءت عن:

الأعمش - مدلس

أبي إسحاق السبيعي - مدلس واختلط بأخرة

وكل منهما رواها بالعنعنة

وقد اتفق أئمة الحديث على أن عنعنة المدلس لا تُقبل حتى يصرح بالسماع. ولهذا قال الدارقطني: عنعنة المدلس علةٌ قادحة.

وبذلك تصبح الرواية ضعيفة لا تقوم بها حجة.

ثانيًا: اعتراف علماء الشيعة أنفسهم بأن ابن مسعود لم ينكر السورتين

نقل البحراني اعترافًا واضحًا، قال فيه عن تأويل موقف ابن مسعود:

"فهذا تأويل حسن". أي أن ابن مسعود ليس منكرًا، لكنه كان لا يثبت في مصحفه شيئًا إلا بإذن مباشر من النبي ﷺ، وكأنه لم يبلغه الإذن، لا أنه ينكر أنه قرآن.

فكيف يحتج الشيعة برواية هم يعترفون ببطلانها؟!

ثالثًا: إجماع الأمة من عصر الصحابة إلى اليوم على أن المعوذتين قرآن

قال النووي:

"أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن. وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح عنه".

وقال ابن حزم:

"قد صحّت قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود، وفيها المعوذتان".

والتواتر القرائي أقوى من كل أخبار الآحاد مهما صحت، فكيف إذا كانت ضعيفة؟!

رابعًا: قراءة ابن مسعود المتواترة نفسها تتضمن المعوذتين

قراءة عاصم - وهي القراءة الأشهر اليوم - أصلها عن:

علي بن أبي طالب رضي الله عنه

وزر بن حبيش عن ابن مسعود رضي الله عنه وفيها المعوذتان والفاتحة كاملة.
فكيف يُقبل ادعاء أنه أنكرهما بينما القراءة المتواترة عنه تُثبتها؟!

خامسًا: رواية البخاري تقطع الشبهة من أصلها

ثبت في “صحيح البخاري” أن زر بن حبيش سأل أبيّ بن كعب عن قول ابن مسعود، فقال أبيّ:

"قيل لي: قل… فقلت".

ثم قال: "فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ".

وهي إشارة إلى أنه لم يكن إنكارًا للقرآنية بل لاجتهاد في كتابة المصحف الخاص به، قبل جمع عثمان للمصحف.

سادسًا: توجيه العلماء للرواية إن صحّت

بيّن القاضي الباقلاني - وتابعه ابن حجر - أن أقصى ما فيها:

أن ابن مسعود كان يرى أن المعوذتين رقية

وكان يرى ألا يُكتَب في مصحفه الخاص إلا ما أُذن له فيه كتابةً

ولا علاقة للموضوع بإنكار أنهما قرآن.

سابعًا: لو كانت الشبهة صحيحة لبقي ابن مسعود على هذا القول بعد جمع المصحف - لكنه لم يفعل

بعد جمع المصحف العثماني لم يُنقل عن ابن مسعود أي اعتراض، ولا موقف واحد ينكر وجود المعوذتين.

وكان يدرس القرآن ويقرئ الناس إلى وفاته.

فلو كان يرى أن السورتين ليستا من القرآن، لشاع انتشار قوله - كما شاع الخلاف حول المتعة مثلاً - لكنه لم يحدث.

ثامنًا: مقارنة موقف ابن مسعود المزعوم بعقيدة الشيعة في تحريف القرآن

حتى لو صحّ هذا القول عن ابن مسعود - وهو لا يصح - فهو:

اجتهاد فردي

قبل الإجماع

لم يصرّ عليه

ولم يخالف تواتر الأمة

بينما تقول كتب الشيعة المعتمدة بتحريف القرآن صراحة:

الكليني في (الكافي)

القمي

الطبرسي

المجلسي

البحراني

وكلها تنص أن القرآن نقص منه آلاف الآيات واسم علي وآل البيت.

فكيف يقارنون اجتهادًا فرديًا صحّت براءته، بعقيدتهم الرسمية؟!

قال علي بن بابويه «أجمع علماؤنا وأكثر العامة على أن المعوذتين من القرآن العزيز.. وعن ابن مسعود أنهما ليستا من القرآن وإنما نزلتا لتعويذ الحسن والحسين قد انقرض واستقر الإجماع الآن من الخاصة والعامة ع    لى ذلك»

(الذكرى للشهيد الأول ص196 بحار الأنوار82/42 فقه الرضا ص36 جامع المقاصد2/263 للكركي الحدائق الناضرة للمحقق البحراني8/231)