يحاول أتباع بعض الفرق الضالة مثل الشيعة تشويه السنة النبوية عبر اختلاق أحاديث أو تفسيرها بطريقة مخالفة للعقل والشرع، لإثارة الشبهات حول كلام النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته. ومن أبرز هذه الشبهات حديث "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"، الذي يثير استغراب البعض بسبب لفظه الظاهر. في هذا المقال سنوضح المعنى الحقيقي للحديث، وحكم التصريح باسم العورة في الإسلام وفق المصادر الصحيحة لأهل السنة، مع بيان الحكمة والغاية الشرعية من هذا اللفظ.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم «إذا الرجل تعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا[1]»
التوضيح:
مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فأعضُّوه...
الادب المفرد جزء 1 صفحة 536 تحقيق سمير امين الزهيري
قوله: ((فأعضوه بهن أبيه)) ((نه)): الهن بالتخفيف والتشديد كناية عن الفرج. ((تو)): يقال: عزوته إلى أبيه وعزيته أيضاً لغة إذا نسبته إليه فاعتزى وتعزى.
قال أصحاب الغريب: انتسب وانتمى إليها في قوله: بآل فلان فأعضوه. قال أبو عبيد الهروي أي قولوا له: أعضض بأير أبيك، ولا تكنوا عن الأير بالهن تأديباً له وتنكيلا.
ومعناه:
والله أعلم أن من انتسب وانتمى إلى الجاهلية بإحياء سنة أهلها وإتباع سبيلهم في لاشتم واللعن والتعبير ومواجهتكم بالفحشاء والمنكر، فاذكروا له ما تعرفون من مثالب أبيه ومساويه. وما كان يعتريه من لؤم ورذالة صريحاً لا كناية كي يرتدع به عن التعرض لأعراض الناس، هذا هو توجيه الحديث. والله أعلم.
شرح المشكاة للطيبي جزء 10 صفحة 3151 طبعة مكتبة نزار مصطفى الباز
بمعنى أن من يتكبر ويأتي بسنن الجاهلية نذكره بأصله وهي نطفه خرجت من مكان قذر.
"تعزى": من العزو، و (العزاء):
النسب، و"أعضوه" أي: قولوا له: عضضت هن أبيك، أي: ذكره، "ولا تكنوا" أي: صرحوا له، ولا تكنوا بذكر الهن ونحوه، تنكيلا له واستهانة به.
تحفة الابرار شرح مصابيح السنة جزء 3 صفحة 248
الفتوى رقم (18340):
س: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه (1)» ما معنى الحديث؟
الجواب:
المراد بالتعزي بعزاء الجاهلية الانتساب إلى القبيلة والعشيرة، والعزاء: اسم مصدر لدعوى المستغيث وهي أن يقول: يا لفلان أو يا أولاد فلان من الافتخار والتكبر والتعاظم على الغير بالانتساب إلى عشيرته وقومه الذين ينتمي إليهم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من سمع من يتعاظم بعشيرته بدعوى الجاهلية أن يقول له: «اعضض بهن أبيك» تذكيرا لهذا المتكبر بالعضو الذي خرج منه، وهو فرج أبيه حتى يكف عن عزاء الجاهلية.
فتاوى اللجنة الدائمة جزء 3 صفحة 280
جواب شبهة حول حديث (من تعزى بعزاء الجاهلية):
[السُّؤَالُ]:
أنا شاب بدأت في الالتزام منذ حوالي 3 سنين ومنذ ذلك الوقت بدأت أقرأ في الدين ولكن كلما قرأت وجدت أن هناك أشياء تدعو إلى الشك وأغلبها مرتبط ببعض أحاديث الرسول وسوف اذكر بعضها بالمعنى
1- من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا:
أيعقل أن يصدر هذا اللفظ"هن" من الرسول (صلى الله عليه وسلم) ويأمر أصحابه بعدم التكنية؟ لقد وجدت فتوى عن نفس الموضوع على الشبكة ولكن الجواب لم يكن شافيا لأنه ربط التلفظ به بالضرورة وحديث الرسول لا يبدو فيه الضرورة فرسول الله ذكر أحاديث تنهى عن أشياء أكثر قبحا دون ذكر هذا اللفظ] ـ
[الفَتْوَى]:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فمما لا شك فيه أن الإسلام قد حث على الحياء، بل قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. رواه البخاري ومسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يكني ولا يصرح في الأغلب من أحواله، ولكن قد يصرح أحياناً للمصلحة أو الحاجة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: قال أهل العلم: يجوز التصريح باسم العورة للحاجة والمصلحة... كما في حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا. انتهى، والحديث رواه أحمد والنسائي في الكبرى وصححه الألباني وحسنه الأرناؤوط.
وقال في مجموع الفتاوى:
ومعنى قوله (من تعزى بعزاء الجاهلية) يعنى يعتزى بعزواتهم وهي الانتساب إليهم في الدعوة مثل قوله يالقيس ياليمن ويالهلال ويالأسد فمن تعصب لأهل بلدته أو مذهبه أو طريقته أو قرابته أو لأصدقائه دون غيرهم كانت فيه شعبة من الجاهلية حتى يكون المؤمنون كما أمرهم الله تعالى معتصمين بحبله وكتابه وسنة رسوله فإن كتابهم واحد ودينهم واحد ونبيهم واحد وربهم إله واحد لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم واليه ترجعون ". انتهى.
وذكر ابن القيم الحكمة من ذكر هن الأب، فقال في زاد المعاد: ذكر هن الأب لمن تعزى بعزاء الجاهلية فيقال له: اعضض هن أبيك، وكان ذكر هن الأب ها هنا أحسن تذكيرا لهذا المتكبر بدعوى الجاهلية بالعضو الذي خرج منه، وهو هن أبيه، فلا ينبغي له أن يتعدى طوره. انتهى.
وما هذا إلا لشدة تحريم التعصب للقوميات الجاهلية، قال الشنقيطي في أضواء البيان: فانظر كيف سمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النداء «عزاء الجاهلية» وأمر ان يقال للداعي به «اعضض على هن أبيك» أي فرجه، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه بالكناية. فهذا يدل على شدة قبح هذا النداء، وشدة بغض النبي صلى الله عليه وسلم له.... واعلم أن رؤساء الدعاة إلى نحو هذه القومية العربية: أبو جهل، وأبو لهب، والوليد بن المغيرة، ونظراؤهم من رؤساء الكفرة. وقد بين تعالى تعصبهم لقوميتهم في آيات كثيرة. كقوله: ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا﴾ [المائدة: 104]، وقوله: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا﴾ [البقرة: 170]، وأمثال ذلك من الآيات.
واعلم انه لا خلاف بين العلماء كما ذكرنا آنفا في منع النداء برابطة غير الإسلام. كالقوميات والعصبيات النسبية، ولاسيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة الإسلام وإزالتها بالكلية. فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي: أنه نداء إلى التخلي عن دين الإسلام، ورفض الرابطة السماوية رفضا باتا، على أن يعتاض من ذلك روابط عصبية قومية مدارها على أن هذا من العرب، وهذا منهم أيضا مثلا. فالعروبة لا يمكن أن تكون خلفا من الإسلام. واستبدالها به صفقة خاسرة، فهي كما قال الراجز:
بدلت بالجمة رأسا أزعرا
وبالثنايا الواضحات الدردرا
كما اشترى المسلم إذ تنصرا....
وقد بين الله جل وعلا في محكم كتابه: أن الحكمة في جعله بني آدم شعوبا وقبائل هي التعارف فيما بينهم. وليست هي أن يتعصب كل شعب على غيره، وكل قبيلة على غيرها. قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13] فاللام في قوله ﴿لتعارفوا﴾ لام التعليل، والأصل لتتعارفوا، وقد حذفت إحدى التاءين. فالتعارف هو العلة المشتملة على الحكمة لقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ " انتهى.
ومع هذا كله فإن النبي صلى الله عليه وسلم كنى في هذا الحديث ولم يصرح، لأن كلمة هن نفسها كناية عن الفرج وليست تصريحا باسمه، فقد قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث:" والهن بالتخفيف والتشديد كناية عن الشيء لا تذكره باسمه".
والله أعلم.
الشبهة:
يظن البعض أن لفظ "هن" في الحديث يدل على تصريح صريح باسم العورة من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الحديث يتعارض مع الحياء الإسلامي.
الرد عليها:
◘ لفظ "هن" كناية عن الفرج، ولم يصدر تصريح صريح بالاسم، كما أوضح ابن الأثير وابن القيم والشنقيطي.
◘ الغاية من الحديث هي تذكير المتكبر بالعصبية الجاهلية والتنبيه على خطأ التعصب للقبائل أو النسب، وليس قلة حياء أو تجاوز.
◘ التصريح باسم العورة جائز عند الحاجة والمصلحة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، والحديث جاء في سياق المصلحة الشرعية لتربية المؤمنين على الحياء والقيم الصحيحة.
◘ الحياء في الإسلام مطلوب، لكنه لا يمنع من تعليم الحق أو توجيه الناس عند مخالفة التعاليم الشرعية، كما يوازن الشرع بين الحياء والمصلحة.
خلاصة:
يوضح المقال أن حديث "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه" لا يدل على تجاوز الحياء، بل جاء لتوبيخ المتكبر بالعصبية الجاهلية وتنبيه المسلمين إلى خطورة التعصب، وأن لفظ "هن" كناية شرعية. كما يؤكد أن التصريح باسم العورة جائز عند الضرورة والمصلحة، وأن الشبهات التي تروجها الفرق الضالة تهدف إلى تشويه الدين وفهم النصوص بشكل خاطئ.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
24 ذو الحجة 1426
فتاوى الشبكة الاسلامية جزء 3 صفحة 2424
الإسلام وفق المصادر الصحيحة لأهل السنة، مع بيان الحكمة والغاية الشرعية من هذا اللفظ.
[1] جاء في رواية أخرى: فأعضوه بهن أبيه، أي اشتموه صريحا وسبوه.