بطلان حديث "كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين": دراسة حديثية وردّ علمي على استدلالات الشيعة

يعدّ حديث «كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين» من أكثر النصوص التي يستند إليها دعاة الغلو لإثبات مزاعم لا أصل لها في العقيدة الإسلامية، خاصة عند بعض المتصوفة والشيعة الذين بنوا عليه تصوّرًا فاسدًا حول قدم ذات النبي ﷺ وخلقه قبل العالم. وقد تتبّع العلماء هذا الحديث بدقّة، فبيّن كبار المحدثين -كالإمام الألباني وشيخ الإسلام ابن تيمية- أن هذا اللفظ موضوع لا تثبته رواية صحيحة، وأن الصحيح هو لفظ «كنت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد» المبني على الكتابة الإلهية والقدر، لا على وجود ذات النبي ﷺ قبل الخلق.
هذا المقال يعرض التحقيق الحديثي الكامل، ويناقش الدعاوى الباطلة المبنية على الحديث الموضوع، ويوضح العقيدة الصحيحة التي اتفقت عليها نصوص الشرع وأقوال أهل العلم.

 

وأما حديث كنت نبيا وادم بين الماء والطين فهر حديث موضوع، قال الامام الالباني: " 302 - " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ".

موضوع.

ومثله:

303 - " كنت نبيا ولا آدم ولا ماء ولا طين ".

موضوع.

ذكر هذا والذي قبله السيوطي في ذيل " الأحاديث الموضوعة " ( ص 203 ) نقلا عن ابن تيمية، وأقره، وقد قال ابن تيمية في رده على البكري ( ص 9 ): لا أصل له، لا من نقل ولا من عقل، فإن أحدا من المحدثين لم يذكره، ومعناه باطل، فإن آدم عليه السلام لم يكن بين الماء والطين قط، فإن الطين ماء وتراب، وإنما كان بين الروح والجسد، ثم هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حينئذ موجودا، وأن ذاته خلقت قبل الذوات، ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراة، مثل حديث فيه أنه كان نورا حول العرش، فقال: يا جبريل أنا كنت ذلك النور، ويدعي أحدهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل.

ويشير بقوله: "وإنما كان بين الروح والجسد" إلى أن هذا هو الصحيح في هذا الحديث ولفظه: " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" وهو صحيح الإسناد كما بينته في "الصحيحة" ( 1856 )، وقال الزرقاني في "شرح المواهب" (1/33) بعد أن ذكر الحديثين: صرح السيوطي في "الدرر" بأنه لا أصل لهما، والثاني من زيادة العوام، وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن تيمية، فأفتى ببطلان اللفظين وأنهما كذب، وأقره في "النور" (كذا ولعله " الذيل) والسخاوي في " فتاويه "

 أجاب باعتماد كلام ابن تيمية في وضع اللفظين قائلا: وناهيك به اطلاعا وحفظا، أقر له المخالف والموافق، قال: وكيف لا يعتمد كلامه في مثل هذا ...

قال فيه الحافظ الذهبي:

ما رأيت أشد استحضارا للمتون وعزو ها منه، وكأن السنة بين عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة وعين مفتوحة"

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة – محمد ناصر الدين الالباني - ج 1 ص 472 – 474

وقال شيخ الاسلام:

(وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْت نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ) وَفِي لَفْظٍ (كُتِبْت نَبِيًّا) كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنِّي عِنْدَ اللَّه لَمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ) فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَسَدَ آدَمَ وَقَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ كَتَبَ وَأَظْهَرَ مَا سَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ فَكَتَبَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ وَأَظْهَرَهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُبْعَثُ إلَيْهِ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُقَالُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ؛ وَعَمَلَهُ؛ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ) فَقَدْ أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ يَخْلُقَ بَدَنَ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَقَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ يُكْتَبُ رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَهَكَذَا كُتِبَ خَبَرُ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ وَآدَمُ مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ قَبْل أَنْ يُنْفَخَ الرُّوحُ فِيهِ. وأما قَوْلُ بَعْضِهِمْ: (كُنْت نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ) فَهَذَا نَقْلٌ بَاطِلٌ نَقْلًا وَعَقْلًا؛ فَإِنَّ آدَمَ لَيْسَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ؛ بَلْ الطِّينُ مَاءٌ وَتُرَابٌ؛ وَلَكِنْ كَانَ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ فِيهِ عِلْمُ اللَّهِ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا وَكِتَابَتِهِ إيَّاهَا وَإِخْبَارِهِ بِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ وُجُودِ أَعْيَانِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجَدُ أَعْيَانُهَا حَتَّى تُخْلَقَ وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ثُبُوتِ الشَّيْءِ فِي الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَالْكِتَابِ وَبَيْنَ حَقِيقَتِهِ فِي الْخَارِجِ وَكَذَلِكَ بَيْنَ الْوُجُودِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَيْنِيِّ: عَظُمَ جَهْلُهُ وَضَلَالُهُ"

الفتاوى – ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية - ج 18 ص 369 – 370