الكشف عن كذب رواية علي بن يونس العاملي عن فاطمة وأبي بكر
تُعد الروايات التي تنسب إلى الصحابة أو أهل البيت بدون تحقق من صحتها أحد أبرز مصادر الخلاف والتحريف بين الفرق الإسلامية، لا سيما تلك التي توظف لتسليط الضوء على نزاع أو خلاف لم يحدث. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما أورده علي بن يونس العاملي في كتابه الصراط المستقيم حيث نسب إلى الإمام البخاري حديثًا مفاده أن فاطمة عليها السلام قالت لأبي بكر: "أترث أباك ولا أرث أبي؟" وهو نصٌ لم يرد في كتب البخاري المعروفة، ويُعد كذبًا على الإمام البخاري.
وقد رد على هذا الادعاء عدد من العلماء، أبرزهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، موضحًا أن الرواية ليست صحيحة ولا تُعتبر حجة، وأن ما ورد عن فاطمة من حوار مع أبي بكر في مسائل الإرث ثبت بصيغة أخرى في مصادر صحيحة، مثل حديث أبي سلمة عن فاطمة الذي أورده الإمام أحمد في المسند والإمام الترمذي في الشمائل المحمدية. وتشير هذه المصادر إلى أن الحوار انتهى بالاستشهاد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن النبي لا يورث"، وهو ما يوضح أن أبي بكر اتبع سنة النبي ولم يكن هناك أي تجاوز أو نزاع كما تزعم الروايات الشيعية.
يمثل هذا التحقيق مثالًا واضحًا على ضرورة التثبت من صحة الروايات والاعتماد على المصادر الصحيحة الموثوقة، وعدم الانصياع لأي رواية باطلة تُروَّج لأغراض مذهبية أو سياسية، ويؤكد على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا ملتزمين بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل تصرفاتهم، خصوصًا في مسائل الإرث والحقوق الشرعية.
قال علي بن يونس العاملي:
" وأخرج البخاري أنها قالت: أترث أباك ولا أرث أبي؟ "
الصراط المستقيم - علي بن يونس العاملي - ج 2 ص 283
وهذا من كذب الرافضة على الإمام البخاري، فإن البخاري لم يذكر هذا الأثر، فالعاملي هذا كذب في عزوه هذا الأثر للإمام البخاري، ولقد استشهد بهذا الأثر ابن المطهر الحلي، وقد رد علي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
حيث قال: " قَالَ الرَّافِضِيُّ: " وَمَنَعَ أبو بَكْرٍ فَاطِمَةَ إِرْثَهَا فَقَالَتْ. يَا ابْنَ أبي قُحَافَةَ أَتَرِثُ أَبَاكَ وَلَا أَرِثُ أَبِي؟...........................
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أن مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَتَرِثُ أَبَاكَ وَلَا أَرِثُ أَبِي؟ لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ عَنْهَا، وَإِنْ صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ أَبَاهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ لَا يُقَاسُ بِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَيْسَ أبو بَكْرٍ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَأَبِيهَا، وَلَا هُوَ مِمَّنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَدَقَةَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ كَأَبِيهَا، وَلَا هُوَ أَيْضًا مِمَّنْ جَعَلَ اللَّهُ مَحَبَّتَهُ مُقَدَّمَةً عَلَى مَحَبَّةِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ، كَمَا جَعَلَ أَبَاهَا كَذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ أن اللَّهَ تَعَالَى صَانَ الْأَنْبِيَاءَ عَنْ أن يُوَرِّثُوا دُنْيَا، لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِمَنْ يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِمْ بِأَنَّهُمْ طَلَبُوا الدُّنْيَا وَخَلَّفُوهَا لِوَرَثَتِهِمْ. وَأَمَّا أبو الصِّدِّيقِ وَأَمْثَالُهُ فَلَا نُبُوَّةَ لَهُمْ يُقْدَحُ فِيهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ، كَمَا صَانَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّنَا عَنِ الْخَطِّ وَالشِّعْرِ صِيَانَةً لِنُبُوَّتِهِ عَنِ الشُّبْهَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذِهِ الصِّيَانَةِ"
السنة النبوية – أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ج 4 ص 194 – 195
إن لفظ اترث اباك ولا ارث أبي لم يرد، ولكن الوارد كلام أخر ورد عند الإمام أحمد في المسند.
وعند الإمام الترمذي في الشمائل:
"60 - حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أبي سَلَمَةَ أن فَاطِمَةَ قَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ: مَنْ يَرِثُكَ إِذَا مِتَّ؟ قَالَ: وَلَدِي وَأَهْلِي. قَالَتْ: فَمَا لَنَا لَا نَرِثُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:" أن النَّبِيَّ لَا يُورَثُ "، وَلَكِنِّي أَعُولُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُولُ، وَأُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ[1].
وعند الإمام الترمذي نفس المتن موصولا وفيه تصريح أبو سلمة بالسماع من أبي هريرة رضي الله عنه: " 400- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ...."
الشمائل المحمدية – محمد بن عيسى بن سورة الترمذي - ج 1 ص 341، ولقد قال الإمام الالباني عن الرواية في مختصر الشمائل المحمدية – حسن – ص 203
فنرى أن الرواية واضحة بحوار دار بين الزهراء والصديق رضي الله عنهما، وانتهى باستشهاد الصديق رضي الله عنه بحديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (أن النبي لا يورث)، فالذي يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه واله وسلم مأجور، ومتبع له صلى الله عليه واله وسلم.
[1] حديث صحيح لغيره، وأبو سلمة - وهو ابنُ عبد الرحمن بن عوف - لم يدرك أبا بكر، لكن سيأتي الحديث موصولاً برقم (79) عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. فانظر تخريجه هناك " مسند الإمام أحمد – تحقيق شعيب الارناؤوط – ج 1 ص 226