أنت الذي تزعم أنك نبي (قول عائشة للنبي)
دراسة حديثية تكشف زيف الرواية ومناهج الفرق الضالة
كثُرت في الآونة الأخيرة محاولات بعض الفرق الضالة – وعلى رأسها الشيعة الإمامية – للطعن في الصحابة رضي الله عنهم، ولا سيما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وذلك عبر نشر روايات ضعيفة أو موضوعة، تُنسب زورًا إلى كتب الحديث، بهدف التشكيك في عدالتهم، والطعن في مقام النبوة، وبثّ الشبهات في نفوس المسلمين.
وتعتمد هذه الفرق في منهجها على الانتقاء المبتور للنصوص، أو إحياء رواياتٍ معلولةٍ رفضها أئمة الحديث، ثم تقديمها لعامة الناس وكأنها حقائق ثابتة، مع إغفالٍ تام لقواعد علم الجرح والتعديل، وضوابط قبول الأخبار في الإسلام.
ومن أخطر هذه الروايات ما يُتداول حول زعم أن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت للنبي ﷺ: «ألست تزعم أنك رسول الله؟»، وهي شبهة تحمل في طيّاتها طعنًا مزدوجًا: طعنًا في إيمان أم المؤمنين، وتشكيكًا في مقام النبوة نفسه.
في هذا المقال، نقف وقفةً علميةً حديثيةً لكشف حقيقة هذه الرواية، وبيان عللها، وفضح المنهج الذي تتبناه الفرق الضالة في الاستدلال، مع ردٍّ علميٍّ موثّق يقطع دابر هذه الشبهة من أصلها.
نص الرواية:
حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق بن أسماء الجرمي البصري حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة أنها قالت « وكان متاعي فيه خف وكان على جمل ناج وكان متاع صفية فيه ثقل وكان على جمل ثقال بطيء يتبطأ بالركب فقال رسول الله e حولوا متاع عائشة على جمل صفية وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب قالت عائشة فلما رأيت ذلك قلت يا لعباد الله غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله e قالت فقال: رسول الله يا أم عبد الله إن متاعك كان فيه خف وكان متاع صفية فيه ثقل فأبطأ بالركب فحولنا متاعها على بعيرك وحولنا متاعك على بعيرها قالت فقلت ألست تزعم أنك رسول الله قالت فتبسم قال أوفي شك أنت يا أم عبد الله قالت قلت ألست تزعم أنك رسول الله أفهلا عدلت؟ وسمعني أبو بكر وكان فيه غرب أي حدة فأقبل علي فلطم وجهي فقال رسول الله e مهلا يا أبا بكر فقال يا رسول الله أما سمعت ما قالت فقال رسول الله e إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه».
الحديث ضعيف.
رواه أبو يعلى في (مسنده4/277).
قال الحافظ الهيثمي:
« فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه» (مجمع الزوائد4/322).
وهو عين ما قاله الحافظ العراقي في تخريج إحياء علوم الدين (2/43). فالحديث معلول بالعنعنة. والمدلس تقبل روايته إذا كانت بلفظ (حدثني) ولا تقبل إذا قال (عن عن).
وإيراد الغزالي لها من جملة ما حشا به كتابه الإحياء من آلاف الأحاديث الضعيفة والموضوعة. وهذه الرواية بذاتها كانت سببا في توجيه نقد أهل العلم إليه. وقد وجه ابن الجوزي نقده إلى الغزالي لإيراده مثل هذا الحديث خاصة وحشو كتابه الإحياء بآلاف الأحاديث الضعيفة والموضوعة عامة. (أنظر صيد الخاطر ص120).
وفي الرواية:
وفي الرواية نوعان من الطعن في السيدة عائشة رضي الله عنها:
أولهما في شخص برسول الله e وتشكيك بأنه رسول الله.
وثانيهما تعيير صفية بدينها الذي تركته.
نص الشبهة:
|
يستدل بعض الشيعة برواية أخرجها أبو يعلى في مسنده، وفيها أن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت للنبي ﷺ: «ألست تزعم أنك رسول الله؟ أفهلا عدلت؟» ويزعمون أن هذا يدل على تشكيكها في نبوته، وعلى وقوع الظلم منه ﷺ – والعياذ بالله. |
الرد على الشبهة (علمي حديثي):
أولًا: الحكم على الحديث من جهة السند
هذه الرواية حديث ضعيف لا يصح باتفاق أهل العلم، وعلته واضحة:
◘ في إسناده محمد بن إسحاق
◘ وهو مدلِّس
◘ وقد رواه بالعنعنة (عن فلان)
وقد تقرر عند أهل الحديث أن:
◘ رواية المدلِّس لا تُقبل إذا عنعن، حتى يصرّح بالسماع
أقوال العلماء:
الحافظ الهيثمي:
◘ «فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن»
📚 مجمع الزوائد (4/322)
الحافظ العراقي:
◘ ضعّف الحديث للعلة نفسها
📚 تخريج الإحياء (2/43)
◘ ️ فالحديث معلول سندًا، ساقط احتجاجًا، ولا يجوز بناء عقيدة أو طعن على مثله.
ثانيًا: نكارة المتن ومخالفته للأصول
حتى لو تنزّلنا جدلًا – وهو باطل – فالمتن نفسه منكر من وجوه:
◘ استحالة تشكيك أم المؤمنين في نبوة النبي ﷺ
وقد نزل القرآن بتبرئتها، ورفع شأنها، وبيان فضلها.
◘ الغيرة لا تعني الكفر ولا الشك العقدي
وقد فسّر النبي ﷺ الموقف بقوله:
«إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه»
أي: أن الغضب والغيرة قد تُخرج الكلام دون قصد حقيقته.
◘ فهم الصحابة للموقف فلو كان في الكلام شكٌّ حقيقيٌّ في النبوة، لما أقرّه النبي ﷺ، ولا سكت عنه.
ثالثًا: الطعن المقصود في الرواية
الرواية تتضمن طعنًا مزدوجًا:
◘ الطعن في السيدة عائشة بالتشكيك في إيمانها
◘ والطعن في أم المؤمنين صفية بتعييرها بدينٍ تركته
وهذا من منهج أهل الأهواء لا من منهج أهل السنة.
موقف أهل السنة من مثل هذه الروايات
أهل السنة:
◘ يقدّمون قواعد الحديث على الهوى
◘ ويردّون الروايات الضعيفة ولو وافقت أهواءهم
◘ ويبرؤون الصحابة وأمهات المؤمنين من الأكاذيب
أما الفرق الضالة:
◘ فتُحيي الضعيف والموضوع
◘ وتبني عليه طعنًا وتشكيكًا
◘ ثم تزعم أنه من الدين