ما أنزل الله فينا شيًا إلا أن الله أنزل عذري

من أساليب الفرقة الضالة في الطعن في الصحابة رضي الله عنهم اقتطاع النصوص من سياقها، وبناء دعاوى باطلة على فهمٍ سقيمٍ يخالف لغة العرب وشرح أئمة الحديث. ومن ذلك استشكالهم بحديثٍ صحيحٍ في صحيح البخاري زعموا فيه أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أقرت بأن القرآن لم ينزل في آل أبي بكر شيءٌ من الفضائل، سوى آيات براءتها، فجعلوا هذا مدخلًا لنقض فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الغار.

وهذا المقال يبيّن حقيقة هذا الاستشكال، ويفكك الدعوى الرافضية على ضوء كلام أهل العلم، ويكشف خطأ الفهم الذي وقعوا فيه، مع نقلٍ صريحٍ عن شراح صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والعيني، بما يثبت أن قول عائشة رضي الله عنها حجةٌ عليهم لا لهم، وأن فضائل أبي بكر ثابتةٌ بالقرآن والسنة وإجماع أهل العلم.

ويستشكل الرافضة بهذا الحديث لنقض فضيلة أبي بكر في الغار.

 قال الإمام البخاري:

 " 4827 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ، عَنْ أبي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، قَالَ: كان مَرْوَانُ عَلَى الحِجَازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ فَخَطَبَ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَقَالَ مَرْوَانُ: أن هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي [الأحقاف: 17]، فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلا أن اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي»

صحيح البخاري - بَابُ (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ: أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أن أخرج وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ، وَيْلَكَ آمِنْ أن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَيَقُولُ: مَا هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) [الأحقاف: 17] – ج 6 ص 133

فيقول بعض الرافضة أن أم المؤمنين رضي الله عنها تعترف بإنه لم ينزل فيهم قران غير برائتها رضي الله عنها .

والجواب:

ليس الأمر على ما فهمه الرافضة من قول أم المؤمنين رضي الله عنها، فقولها: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلا أن اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي) اي في بني أبي بكر رضي الله عنه كما قال العلماء

 حيث قال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث: " وَقَدْ شَغَبَ بَعْضُ الرَّافِضَةِ فَقَالَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أن قَوْلَهُ ثَانِيَ اثْنَيْنِ لَيْسَ هُوَ أبا بَكْرٍ وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ هَذَا الرَّافِضِيُّ بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فِينَا أَيْ فِي بَنِي أبي بَكْرٍ ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ عُمُومِ النَّفْيِ وَإِلَّا فَالْمَقَامُ يُخَصَّصُ وَالْآيَاتُ الَّتِي فِي عُذْرِهَا فِي غَايَةِ الْمَدْحِ لَهَا وَالْمُرَادُ نَفْيُ إِنْزَالِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الذَّمُّ كَمَا فِي قِصَّةِ قَوْلِهِ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ إلى آخِرِهِ ........

فتح الباري – أحمد بن علي بن حجر - ج 8 ص 577

وقال الإمام العيني:

 " قَوْله: (فِينَا) أَرَادَت بِهِ بني أبي بكر لِأَن أبا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. نزل فِيهِ ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ (التَّوْبَة:) وَقَوله: ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه (الْفَتْح) وَقَوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ والأولون وَفِي آي كَثِيرَة

عمدة القاري - أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى العينى – ج 19 ص 170