هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان

تستغل الفرقة الشيعية الضالة الأحاديث الموضوعة أو التفسير الخاطئ للروايات الصحيحة لتشويه الصحابة وخلق الفتن، ومن ذلك حديث "هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان". يزعمون أن الحديث يشير إلى بيت عائشة أو جهة محددة من المدينة، مع تحريف المعنى التاريخي للفتنة والمشرق. في هذا المقال، نقدم التحقيق العلمي للحديث، ونوضح موقع الفتنة كما فهمه الصحابة، مع ربطه بفتنة الخوارج في العراق، ونكشف زيف التفسيرات المغلوطة.

نص الرواية:

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله رضي الله عنه قال قام النبي خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان».

وفي رواية: « رأس الكفر قِبَل المشرق » [مسلم رقم (52) والبخاري (3301)].

وعن ابن عمر:

قال « سمعت رسول الله r يشير بيده نحو المشرق ويقول: «ها إن الفتنة هاهنا» (مسلم2905).

فالرواية تشير إلى الجهة التي فيها بيت عائشة وليس إلى داخل بيت عائشة.

ولكن: هل يمكن ان يقول لنا الرسول بأن قرن الشيطان في نفس المكان الذي كان يتنزل عليه الوحي؟

وهل سوف يقبل نصراني أن يدخل في دين قال نبي هذا الدين بأنه مقر الشيطان ومركزه مع انه هو نفسه مكان هذا النبي؟

وقد سأل الصحابة رسول الله e « يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان» (رواه البخاري حديث رقم6262).

ولم يحدث ولا زلزال واحد في المدينة فضلا عن بيت عائشة، وإنما تكثر الزلازل في مستنقع زلازل العقائد الفاسدة في إيران التي هي المشرق المعني في الحديث. والعراق كان جزءا تابعا لها.

وقال سالم بن عبد الله بن عمر:

« يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله r يقول: إن الفتنة تجيء من ههنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان » (مسلم2905).

ولقد حارب الصحابة مسيلمة وكانوا يسمون تلك الحرب بحرب اليمامة ولم يوقعوا حديث « نجد قرن الشيطان » على حربهم مع مسيلمة وإنما كانوا يوقعونها على العراق كما تقدم من الروايات الثابتة عنهم.

وقد جاء النصر صريحًا بأنها العراق كما عند أبي نعيم في الحلية عن توبة العنبري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر أن رسول الله r قال: « اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا فرددها ثلاث مرات، فقال الرجل: يا رسول الله يا رسول الله: وفي عراقنا؟

[وهذا يفسر الرواية الأخرى (ونجدنا) كما عند أحمد في (المسند2/118).

وفي رواية عند الطبراني:

 « وفي عراقنا؟». فقال رسول الله r بها « الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان».

رواه الطبراني في (المعجم الكبير13422) وأبو نعيم في (الحلية6/133) والحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق من طرق عن توبة العنبري عن سالم بن عبد الله عن أبيه.

قال الألباني:

 « إسناده صحيح على شرط الشيخين» (سلسلة الصحيحة رقم2246 و2494) وقال الهيثمي « رجاله ثقات» (مجمع الزوائد 3/305).

وفي رواية عند الطبراني في الأوسط « وفي مشرقنا فقال: من هناك قرن الشيطان وبه تسعة أعشار [الشر] الكفر وبه الداء العضال ».

ولذا روى مالك في الموطأ حديث:

 «الفتنة ههنا من حديث يطلع قرن الشيطان» ثم روى أنه لما أراد عمر الخروج إلى العراق قال له كعب الأحبار: « لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين. فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال» (رواه مالك في الموطأ 2/975 كتاب الاستئذان: باب ما جاء في المشرق ورواه أبو نعيم في الحلية 6/23 وانظر إتحاف السادة المتقين9/671).

ولننظر: أين جهة المشرق من المدينة؟ الرياض: أم العراق؟

ولئن كانت اليمامة أو نجد الرياض هي المقصودة في الحديث فلماذا لم يحتج أحد من الصحابة به مع انهم يعلمون بشأن مسيلمة وحرب الردة هناك.

ثم لماذا ذكّر سالم بن عبد الله بن عمر أهل العراق بحديث رسول الله r؟ أليس هذا دليلاً على أن هؤلاء يحرفون معنى الحديث ويحرّف الجهة التي أشار إليها حتى لا يقال بأن دعوة الأشعري خرجت من حيث يطلع قرن الشيطان؟

قال الخطابي:

« نجد من جهة المشرق، ومن كان نجده بادية العراق ونوحيها وهي جهة أهل المشرق» (فتح الباري13/47).

ـ عن يسير بن عمرو قال: « سألت سهل بن حنيف: هل سمعتَ رسول الله r يذكر هؤلاء الخوارج؟ قال: سمعته: وأشار بيده نحو المشرق يخرج منه قوم يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" » (رواه ابن أبي شيبة في السنة بإسناد صحيح 2/440).

ومعلوم أن وقعة الجمل وصفّين لم تكن بنجد الرياض ولا كان خروج الخوارج على عليّ رضي الله عنه إلا بحروراء من جهة العراق.

وعند البخاري أن يسير بن عمرو سأل سهلاً: « هل سمعت النبي r يقول في الخوارج شيئًا؟ قال: سمعته يقول: وأهوى بيده قِبَل العراق "يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية» (البخاري 6934).

وكذلك عند أحمد في المسند 3/486. وأكدت الرواية في مسلم أنهم في المشرق « يتيه قوم قِبَل المشرق محلقة رؤوسهم» (مسلم 1068). وهذه الرواية مدرجة عند مسلم تحت باب (باب الخوارج شر الخلق والخليقة).

ماذا فهم الصحابة من أحاديث نجد؟

وأمر r أصحابه بقتالهم وعزم إن هو أدركهم أن يقتلهم قتل عاد وإرم. قال أبو سعيد الخدري رضي الله: « فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله r وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه » (مسلم 2/745 رقم 1064).

قال أبو سعيد: « وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق» (مسلم 2/745 رقم 1065).

فالصحابة فهموا أنهم الخوارج وحققوا أمر النبي r بقتلهم فقاتلوهم. وأن قتالهم لهم كان في المشرق حيث أشار النبي r . وفهموا أن المراد بالمشرق العراق كما جاء صريحاً على ألسنتهم.

ماذا فهم شراح الحديث:

 وفي البخاري: « يخرج ناس من قبل المشرق ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

 قال الحافظ: « تقدم في كتاب الفتن أنهم الخوارج» ونعود للحديث « قيل: ما سيماهم؟ قال: سيماهم التحليق».

 قال الحافظ: « قال الكرماني: الخوارج اتخذوا [تحليق الرأس] ديدنًا فصار شعارًا لهم وعُرفوا به» (رواه البخاري7562 فتح الباري13/536)..

ولم يكن التحليق شعارًا عُرف به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا أتباعه.

 وقال الكرماني في شرحه على البخاري: « هي الأرض المرتفعة من تهامة إلى العراق» (صحيح البخاري بشرح الكرماني24/168).

 نص ابن حجر على أن نجد هي العراق لا سيما وأنها في جهة المشرق من المدينة كما نص عليه الحديث. ونقل نص الخطابي والداوودي وغيرهما أن نجد هي العراق [فتح الباري 13/47].

فالعراق هي الجهة التي أشار النبي r إليها وفهمها الصحابة هكذا. وشرّاح أحاديث (نجد قرن الشيطان) تحدثوا عن فتنة الخوارج بالعراق، ثم هذا الذي فهمتموه لم يقله حتى سلفكم من الأشاعرة كالسبكي وغيره: من أئمتكم في تفسير هذا الحديث؟ نحن نأتيكم بصريح اسم العراق من البخاري ومن شرحه للحافظ.

 

نصّ الشبهة:

يزعم الرافضة اعتمادًا على روايات ابن أعثم الكوفي أن:

شابًا حمل المصحف إلى أصحاب الجمل فقطعوا يديه وقتلوه.

وأن أمير المؤمنين عليًّا رضي الله عنه سلّم الراية لابنه محمد بن الحنفية وقال له: "اقتحم لا أم لك".

وأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تحرّض على قتل عثمان وتقول: “اقتلوا نعثلاً فقد فجر”.

ويتمادى بعضهم زاعمين أن خروجها إلى البصرة كان بسبب بغضها لعلي رضي الله عنه.

الرد العلمي على الشبهة:

الرد الأول: مصدر الروايات الوحيد هو ابن أعثم الكوفي – وهو ضعيف متهم بالكذب

اتفق العلماء على ضعف ابن أعثم:

1- قال ياقوت الحموي:

"كان شيعيًّا، وعند أصحاب الحديث ضعيف" (لسان الميزان 1/138)

2- قال الذهبي:

"أخباري شيعي، عند أصحاب الحديث ضعيف" (الوافي بالوفيات 6/160)

3- قال الآلوسي في تفسيره:

"ما زعمه الشيعة من أنها رضي الله عنها كانت تحرض على قتل عثمان… كذب لا أصل له، وهو من مفتريات ابن قتيبة وابن أعثم والسمساطي"

(روح المعاني 11/192)

إذن:

مصدر الشبهة = روايات ساقطة لا يصحّ نسبتها إلى الإسلام ولا إلى التاريخ.

الرد الثاني: أحداث الجمل ثابتة في المصادر الصحيحة، وليس فيها شيء من ذلك

عندما نرجع إلى الكتب المعتمدة مثل:

الطبري،

ابن كثير،

ابن سعد،

البخاري ومسلم في الشواهد الصحيحة،

لا نجد أثرًا واحدًا لهذه القصة الخيالية المتعلقة بقطع يدي الفتى أو بمقاتلة محمد بن الحنفية بهذه الطريقة المبالغ فيها.

وهذا يثبت أن القصة موضوعة.

الرد الثالث: أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تحرض على قتل عثمان — بشهادة العلماء والوقائع

نصّ الآلوسي على أن هذه الرواية كذب لا أصل له.

وبالعقل:

لو كانت عائشة تحرض على قتله، لكان أول من يعلم بذلك علي رضي الله عنه، لكنه - بإجماع المؤرخين- كان يجلها ويحترمها ويأمر أصحابه بحسن الأدب معها.

الرد الرابع: خروج أم المؤمنين إلى البصرة كان للإصلاح، لا للبغض ولا للتحريض.

أجمع أهل العلم على أنها خرجت مطالبة بالقصاص -لا محرّضة على القتال- ولم تخرج للبغض ولا لتغيير الحكم.

كما روى الثقات أنها ندمت على الخروج وقالت:

"وددت أني كنت جلست كما جلس أصحابي".

وهذا ثابت في كتب السنة الصحيحة وليس في كتب الأخبار الضعيفة.

الرد الخامس: المبالغات القتالية في كتاب الفتوح لا تتوافق مع منهج علي رضي الله عنه:

علي رضي الله عنه كان أرحم الناس بالناس بعد النبي ﷺ، ولم يعرف عنه استعمال الألفاظ الجارحة مع ابنه، ولا القسوة المفرطة في القتال، بل كان يأمر أصحابَه بالكفّ عن أهل الجمل وعدم تتبع الجرحى ولا قتل الأسير.

فمثل هذه الروايات لا تنسجم مع خلقه ولا سيرته.