رواية لما جاء عائشة خبر مقتل علي سجدت

في ظل تزايد الاطلاع على كتب التاريخ والأدب الإسلامي، يبرز خطر الاعتماد على بعض المصادر التي تحتوي على روايات ضعيفة أو مكذوبة، خصوصًا تلك المتعلقة بالصحابة الكرام وأهل البيت عليهم السلام. من أبرز هذه المصادر كتاب مقاتل الطالبيين وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، حيث ثبت من خلال دراسات العلماء وكتب الجرح والتعديل أن كثيرًا من الروايات الواردة فيها غير صحيحة، ومبنية على رواة ضعفاء أو كذّابين، وبعضها يحمل تحريفًا مقصودًا لمصالح مذهبية وسياسية.

وقد اعتمد بعض الشيعة على هذه الروايات المكذوبة لتشويه الصحابة والصالحين، ونشر أقاويل لا أساس لها من الصحة، مستندين إلى أحاديث لا سند لها، أو رويت عن أشخاص متروكين لم يُعتمد على صدقهم. ومن أبرز الأمثلة ما ورد عن سجود عائشة رضي الله عنها عند مقتل علي رضي الله عنه، والذي تبين عند البحث والتحقيق أنه غير صحيح، ولا يقبله العلماء من جهة الإسناد والمنطق التاريخي.

إن هذا المقال يسعى إلى كشف حقيقة هذه الروايات المكذوبة، وتوضيح ضعف رواة هذه الأخبار، وبيان خطورة الاعتماد عليها، مع توضيح الموقف العلمي للأئمة والباحثين في نقد المصادر، حفاظًا على التاريخ الإسلامي الصادق ونقاء المصادر العلمية والأدبية.

حدّثني محمد بن الحسين الأشناني، قال:

حدّثنا أحمد بن حازم، قال: حدّثنا عاصم بن عامر، وعثمان بن أبي شيبة، قالا: حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو «3» بن مرة، عن أبي البختري، قال: لما أن جاء عائشة قتل علي عليه السلام سجدت.

مقاتل الطالبيين

1741 - عاصم بن عامر، كوفي.

قال السُّلَمِيُّ: سئل الدَّارَقُطْنِيّ عن عاصم بن عامر، فقال: هم ثلاثة إِخوة، عاصم. وسهل، وإسماعيل، بنو عامر، كوفيون، وهم من شيوخ الشيعة.

موسوعة اقوال أبي الحسن الدارقطني في رجال الحديث وعلله ج 2 ص 340

ثم أن أبو الفرج مطعون في عدالته وكتبه.

7- الأغاني – لأبي الفرج علي بن الحسين بن محمد الكاتب الأصبهاني الأموي (ت356 هـ).

اختلف مترجمو أبي الفرج بين مادح له وقادح فيه، وممن ذمه: هلال ابن المحسن الصابي، نقل عنه ياقوت في معجمه (13/100) إنه قال في أبي الفرج: (كان وسخاً قذراً، ولم يغسل له ثوب منذ فصله إلى أن قطعه، وكان الناس على ذلك يحذرون لسانه ويتقون هجاءه، ويصبرون على مجالسته ومعاشرته ومؤاكلته ومشاربته، وعلى كل صعب من أمره، لإنه كان وسخاً في نفسه، ثم في ثوبه وفعله...)

وأسند الخطيب في (تاريخ بغداد) (11/399) عن أبي محمد الحسن بن الحسين النوبختي قوله فيه: (وكان أكذب الناس، كان يدخل سوق الوراقين وهي عامرة، والدكاكين مملوءه بالكتب، فيشتري كثيراً من الصحف، ويحملها إلى بيته ثم تكون روآياته كلها منها).

وكذا ذمه المتأخرون ممن ترجم له من العلماء، فقال فيه ابن الجوزي في (المنتظم) (7/40-41) ونقله عنه ابن كثير في (البداية والنهاية) (11/280) وارتضاه: (ومثله لا يوثق بروايته، يصرح في كتبه بما يوجب الفسق ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه).

وقال في كتابه الشهير (الأغاني):

 (ومن تأمل كتاب (الأغاني) رأى كل قبيح ومنكر).

وذمه شيخ الإسلام ابن تيمية، ففي تصدير (الأغاني) (1/19) ذكر ابن شاكر الكتبي أن الذهبي قال: (رأيت شيخنا تقي الدين بن تيمية يضعفه ويتهمه في نقله، ويستهول ما يأتي به، وما علمت فيه جرحاً، إلا ثول ابن أبي الفوارس: خلط قبل موته).

قلت: قوله: (وما علمت فيه جرحاً...) من كلام الذهبي في (السير) (16/202) ايضاً، وقال بعده: (قلت: لا بأس به... وكان وسخاً زرياً) وقبله: (كان بحراً في نقله الأداب)، و (كان بصيراً وأيام العرب، جيد الشعر) وقال في الميزان (3/123): (كان إليه المنتهى في معرفة الأخبار وأيام الناس والشعر والغناء والمحاضرات، وكان يأتي بأعاجيب يحدثنا وأخبرنا)، وقال: (والظاهر إنه صدوق)، وقال في (المغني في الضعفاء) (2/446): (شيعي يأتي بعجائب، يحتمل لسعة اطلاعه، فالله أعلم).

وقال في (ديوان الضعفاء والمتروكون) (2/170، رقم 2918): (شيعي فيه كلام)، وقال في (السير) (16/202): (والعجب إنه اموي شيعي).

قلت: إذا عرف السبب بطل العجب، فتشيعه لم يرتضيه الشيعة أنفسهم، وتصانيفه تدل على إنه ليس بعمدة، وعليها يعتمد الاسرائيليون الجدد (المبشرون) واذنابهم، والشائنون والحاقدون على الإسلام، ولا سيما ممن له اشتغال بعلم التاريخ منهم.

قال الخوانساري في (روضات الجنات) (457) في تشيعه: (وأيٍا ما وجد في كلماته من المديح، ففيه:

أولاً: إنه غير صريح، ولو سلم، فهو محمول على قصده التقرب إلى أبواب ملوك ذلك العصر المظهرين لولاية أهل البيت غالياً، والطمع في جوائزهم العظيمة بالنسبة إلى مادحيهم، كما هو شأن كثير من شعراء ذلك الزمان، فإن الإنسان عبد الاحسان).

وقال في كتابه: (مع إني تصفحت كتاب (أغانيه) المذكور إجمالاً، فلم أرى فيه إلا هزلاً أو ضلالاً، أو بقصص الملاهي اشتغالاً، وعن علوم أهل بيت الرسالة اعتزالاً، وهو ما ينيف على ثمانين ألف بيت تقريباً...).

فسبب تشيع أبي الفرج إنه كان من الذين يتحسسون رغبات البيئة الخاصة، أو رغبات المنعمين في اختبار موضوعات كتبه، وفي اختيار المواد التي تؤلف هذه الموضوعات، وهو أمر يجب أن نفطن إليه، والى بعض أثاره عند تقديرنا لأبي فرج الراوي وقيمة مروياته في الميدان العلمي، ليكون لنا صدق النظرة في التقدير.

فلقد كان أبو الفرج يقصّ الواناً من القصص تتمثل فيها الغرابة وهو يقصها ارضاء للروح الدينية أو المذهبية الخاصة، أو لإنها تستشير الخيال، وترضه هذه العقلية التي تميل إلى الغريب ولو كان من المصنوعات والاكاذيب.

أما حرصه على الإسناد، فواضح في كتابه (الأغاني) و (المقاتل) وهو حرص لا يتلاءم وتساهله في المرويات، واخذه عن الكذبة وتدوينه للمصنوعات، لأن الإسناد ما وجد إلا ليحول بين الرواة وبين أن يخدعوا فيرووا الاكاذيب، أو الموضوع من الأخبار والاقاصيص و ولذا، كان لا بد لنا من هذه الوقفة لنرى رأينا في أبي الفرج، فعل كان حرصه على الإسناد لتكون الصحة في النقل؟ أو كان لأمر آخر يقصد ويراد؟.

وإذا كان لابد لنا من كلمة نقولها، فهي:

 يجب أن لا يخدعنا ايراد الأخبار مسندة في كتاب (الأغاني) وغيره، وإنما يجب علينا أن نقف عند كل خبر، لنسبر غوره ونقيسه بمقياس الحقائق التاريخية وفقاً لما قرره العلماء في هذا المصمار.

ويمكن أن نصنف الروآيات التي عالجها في كتابه من استقراء كتاب (الأغاني) إلى ثلاثة انواع:

النوع الأول: فهي الروآيات التي تقوم على الاستحالة والتناقض وعدم امكانية وقوع ذلك، وقد اعتمد أبو الفرج على أصل معتزلي في المناقشة العقلية لهذا النوع من الروآيات، وقد اسماه الجاحظ (ما تناقض واستحال) في الطبيعة، وهو في معالجته لهذا النوع من الأخبار يقف موقف الساخر منبهاً على كونها من الروآيات الموضوعة غير المقبولة عقلاً، وأكبر من روى هذا النوع من الروآيات هو ابن الكلبي.

اما النوع الثاني: فهي الروآيات المستضعفة تاريخياً، لعدم اتفاقها مع واقع الحال وشخصية المروي عنه.

ولهذا النوع من الأخبار رواة لا يحققون ولا يناقشون، وهم ذوو غرام بالغريب والطريف من الاحداث، وأشهر رواة هذا النوع هو ابن خرداذبة وجحظة.

أما النوع الثالث: فهي الروآيات التاريخية المعتمدة والتي تحتاج إلى نقاش يقوم على أساس خطأ الرواية في معلوماته والتباس الأمر عليه، كان يشير إلى حادثة وقعت لشخص في زمن متأخر في الوقت الذي يكون فيه ذلك الشخص قد مات في فتره مبكرة ماضية وما شابه ذلك.

ولست هنا بصدد حصر ما وقع في هذا الكتاب من رزايا وبلايا وخزايا واباطيل نالت من الصحابة ومن بعدم ممن تربو على آيات التنزيل وأحاديث واثار خير جيل، رضوان الله عليهم اجمعين.

وتبرز هنا أشياء لابد من تسجيلها والالماع إليها:

أولاً: نقل العلماء من هذا الكتاب لا يعني بالضرورة أن كل ما فيه صحيح، فقد أكثر من النقل منه غير واحد من العلماء المشهورين الثقات، كابن حجر في (فتح الباري) وفي (الاصابة) وأكثر من الاعتماد عليه في أخبار الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما اختار من أخباره النوع الثالث فحسب.

ثانياً: نعم، نقل أبو الفرج أخباراً نالت من الصحابة وردها كحكاية الغناء وتعاطيه عن عمر بن الخطاب، ونقل ذلك في كتابه (الأغاني) (9/242) ولكنه سرعان ما يعود، فتضعف امامه الرواية المتواترة، ويميل إلى نسبة صنعة الغناء لعمر بن عبد العزيز أيام امارته، وفي هذا غرابة دون شك، خاصة بالنسبة له وهو الذي اطلع على سيرة العمرين وهي متشابهة تقريباً.

ثالثاً: سرّ ذكر ما يقدح في الصحابة والصلحاء من ولاة الامور وعلمائها إنه اعتمد فيه على رواة كذابين، وخلط فيه بين الجد والعزل والغث والسمين، فهو كتاب ادب وحكاية وخرافة، تضمّن في ثناياه بعض الصحيح والثابت، ولذا قالوا فيه: (كان يأتي بالأعاجيب بحدثنا وأخبرنا).

قال الاستاذ شوفي أبو خليل مقوماً مصادر فيليب حتى في كتابه (تاريخ العرب المطول) ما نصه: (واعتمد حتى كتاب (الأغاني) للأصفهاني، وهو ليس كتاب تاريخ يعتمد ايضاً، إنه كتاب ادب، وهذا لا يعني مطلقاً أن كل كتاب ادب لا يؤخذ به، بل يعتمد أن كان صاحبة ثقه، معروفاً عنه الأمانة في النقل والرواية.

إن كتاب (الأغاني) الذي جعله حتىً مرجعاً تاريخياً معتمداً، صاحبة متهم في امانته الادبية والتاريخية، جاء في (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) أن الأصفهاني في كتابه (الأغاني) كان يأتي بالأعاجيب بحدثنا وأخبرنا.

ومن يقرأ (الأغاني) يرى حياة العباسيين لهواً ومجونا وغناءاً وشراباً... وهذا يناسب المؤلف وخياله وحياته، ومن يرجع إلى كتب التاريخ الصحيحة يجد صورة اخرى فيها علم وجهاد وأدب، فكتاب (الأغاني) ليس كتاب تاريخ يحتج به.

رابعاً: ومن الكذابين والضعفاء الذين أكثر أبو الفرج من الرواية عنهم في كتابه (الأغاني)، محمد بن احمد بن نزيد بن أبي الازهر البوشنجي، وأبو الهيثم بن عدي، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي، وأبو النضر محمد بن السائب الكلبي، واحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار، المعروف بـ (حمار العزيز) وكان كثير الوقيعة في الاكابر، وله كتاب (مثالب معاوية، ومحمد بن زكريا بن دينار الغلأبي البصري، وأبو توبة القاص، وعيسى بن يزيد بن بكر بن دأب – قال عنه عبد الواحد بن علي: كان يضع الشعر وأحاديث السحر، وكلاماً ينسبه إلى العرب، فسقط علمه، وخفيت روايته، وابراهيم بن ايوب البرساني الأصفهاني، واحمد بن معاوية البأهلي، ومحمد بن اسماعيل الجعفري، ويوسف بن ابراهيم الجوهري، ومحمد بن دأب، واسماعيل بن زيد بن مجمع، وعيسى بن عبدالله مح محمد العلوي وايوب بن سيار الزهري، وأبو الحجاج النضر بن طاهر، ومحمد بن عمار بن محمد بن عمار، وعثمان بن عمارة بن حريم المرّي، ومحمد بن حميد الرازي، واسماعيل بن زياد الطائي، ومحمد بن علي بن معاذ السمرقندي، وسعيد بن سلام العطار.

فهؤلاء اشتهروا بالوضع وعرف بعضهم بالكذب واعتمد عليهم أبو الفرج في كتابه، وقد فصل بيان الحوالهم مع التدليل على اماكن رواية أبي الفرج، عنهم الاستاذ وليد الاعظمي في كتابه (السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني)

خامساً: واخيراً، لابد من ذكر أمر هام تفطن إليه بعض الباحثين، وهو أن اهواء وميول أبي الفرج الشيعية لها دور بارز ظهر فيما دونه في كتابه هذا، قال الدكتور محمد احمد خلف الله في خاتمة كتابه (أبو الفرج الأصبهاني / الروايه) (ص 235) ما نصه:

(ولقد وقفنا على ما لأبي فرج من ميول واهواء، فيجب أن نحذر هذه الميول وهذه الاهواء كلما حأولنا الاعتماد على ما خلف الرجل من مرويات، فقد يكون الرجل مضللاً، وقد يكون صاحب غرض وهوى، وليس يخفى أن للاهواء حكمها في التاريخ، وهو حكم قد يملي رغبته لا في ذكر الأخبار فحسب، وإنما ايضاً في الكتمان).

واخيراً... لماذا هذا التحذير؟

وقد يتساءل البعض: لماذا هذا التفصيل في التحذير من هذا الكتاب؟ والجواب: كان هذا التحذير لاسباب كثيرة، هي:

أولاً: لشهرة هذا الكتاب وصيته الذائع.

ثانياً: الاعتماد كثير من أهل التغريب عليه.

ثالثاً: لما حواه من أخبار فيها قدح في الإسلام والصحابة والخلفاء والولاة الصالحين العادلين.

رابعاً: لحرص غير واحد من المعاصرين على اظهار ما فيه على إنه حق وصدق، وقد كتب في ذلك وحرص عليه شفيق جبري في كتاب (دراسة الأغاني) الذي وضعه بتشجيع من طه حسين.

وقد ناقش شفيق جبري الاستاذ وليد الاعظمي في (السيف اليماني)، ونذير محمد مكتبي في كتابه (جولة في آفاق الأغاني)، فلا داعي للاطالة في ذلك.

والخلاصة:

أن هذا الكتاب على الرغم من قيمته الادبية واسلوبه القوي الاخاذ، إلا أن أخباره ومادته تحتاج إلى وقفات ونقدات، ولذا قال الاستاذ وليد الاعظمي في مقدمة كتابه بعد كلام:

(من هنا بدأت انظر إلى كتاب (الأغاني) نظرة جديدة، ورجعت إلى كتب التضعيف والتوثيق والجرح والتعديل فوجدت الأصفهاني رجلاً غير مأمون، ولا يوثق به عند علمائنا الاجلاء المدققين الممحصين، وسلخت من عمري سنتين كاملتين متفرغاً لكتاب (الأغاني) اتملى نصوصه واقواله، واقف عند كل خبر من أخباره، حتى فليت سطوره وكلماته، واستخرجت قمله من بين شعراته، واصطبرت عليه اصطبار المجاهدين المرابطين في الثغور، فرأيت نيران الشعوبية والحقد وهي تغلي في الصدور كغلي القدور، وشعرت بنبال الاعداء تتوجه الينا، وسهامهم تنثال علينا، ورددت قول الشاعر:

ولو كان سهماً واحداً لاتقيته   ولكنه سهم وثانٍ وثالثُ

فشمرت عن ساعد الجد الاميز الهزل من الجد والسم من الشهد، وقلت لنفسي: هذا اوان الشد، فاشتدي زيم، ورحت افحص رجال السند الذي روى عنهم الأصفهاني، وبحثت عنهم في كتب نقد الرجال وقرأت ما جاء فيهم من اقوال، فوجدت فيهم كل داهية دهياء، ويليه سوداء عمياء من الكذابين والمجروحين والمطعون عليهم، فعزلت أولئك الكذابين وعرفت بهم، ثم رحت احصي روآيات الأصفهاني عن كل واحد من هرلاء، وهالني ما رأيت من الاعتماد على أولئك الكذابين والرواية عنهم، والاستقاء من دلائلهم والستضاءه ينارهم، ورأيت نفسي في وادٍ سحيقٍ رهيب، ودخلت في كهف كثيب.

وإذا كان أولئك الرواة يكذبون في رواية الحديث النبوي الشريف، فكيف بهم في أخبار الناس وقد توزعوا إلى مذاهب وفرق وطوائف، تتجاذبهم الاهواء والمشارب والمنافع، وتتقاذف بهم المقاصد والاهداف؟! وإذا كان (الأغاني) كتاب ادب وسمر وغناء وليس كتاب علم وتاريخ وفقه، فليس معنى ذلك أن نسكت عمّا ورد فيه من الدس والكذب الفاضح والطعن والمعايب و وقد جمع فيه الأصفهاني كثيراً من أخبار السيرة والتفسير والفقه والادب، حتى وصفته لجنة تحقيق الأغاني بانه (من اجل مصادر التاريخ والادب العربي)

لقد اشار أبو الفرج الأصفهاني إلى تنويع المواضيع في كتابه، وانه قصد ذلك حتى لا يشعر القارئ بالملل والرتابة، والحقيقة إنه قصد ذلك حتى يستر غرضه المشبوه، وحتى لا يفتضح أمره ونكشف شعوبيته عن وجهها الكالح الدميم، فهو يتكلم عن الغناء وأخبار القيان، ثم عن الجن والغيلان، ثم ياخذ طرفاً من التفسير والسير والفقه، ثم يعود إلى الخمريات والتبذل ثم أخبار الخلفاء، ثم الشعر والتاريخ، وهكذا...

وقد جمعت اطرافاً من تلك المباحث اللئيمة الخبيثة دون استقصاء، ولو انني استقصيت ما ورد في (الأغاني) من السقط والمعايب والمخازي والمساوئ وكل أمر منكر وقبيح، لصار لدي كتاب في المثالث (نعوذ بالله، ولكنني جمعت اطرافاً منها، وعلقت عليها وناقشتها وكشفت عن المقاصد الخفية للشعوبية واساليبها ومكرها ودهائها، وتسترها تحت ظلال الادب، والسمر والمؤانسة والمذاكرة والمحاضرة.

وكل حصيلة هذه المتابعة التي استغرقت سنتين كاملتين أن استوى لدي كتاب مستطاب سميته:

(السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني)

وقد جعلته في اربعة فصول:

تنأول الفصل الأول ترجمة الفرج الأصفهاني واقوال العلماء فيه، وتعريفاً بالرواة الكذابين الذين روى عنهم الأصفهاني مع تعريف بكتاب الأغاني واراء العلماء والادباء والنقاد فيه، مع نبذة يسيرة عن العهد البويهي، وسبب تاليف الكتاب ولمن ألفه الأصفهاني.

واحتوى الفصل الثاني أخباراً وحكآيات اوردها الأصفهاني عن آل البيت الشريف، وهي أخبار تسئ إليهم وتجرح سيرتهم، وتشوه سلوكهم، وتوهن أمرهم بما يوافق هوى آل بويه الذين يزعمون الولاء لآل البيت كذباً وزوراً، وقد ناقشت تلك الأخبار وعلقت على كل حكاية بما يناسبها.

اما الفصل الثالث، فقد ضم حكآيات شنيعة وأخباراً فظيعة اوردها الأصفهاني عن الامويين، نفس فيها عن حقده الدفين وضغينته على العرب، وهو يزعم إنه اموي النسب.

وتلك الأخبار توافق هوى ال بوية والعباسيين والعلويين، وقد ناقشت كل خبر منها، وعلقت عليه بما يناسب المقام وجعلت الفصل الرابع للأخبار والحكآيات المتفرقة التي طعن فيها الأصفهاني بالعقائد الإسلامية، ولعن دين الإسلام وتفضيل الجأهلية على الإسلام، مع الكفر البواح والاستخفاف بالصلاة والحج ويوم القيامة، مع دفاع عن البرامكة واشادة الفرق، وطعون مختلفة باعلام العرب والمسلمين، وناقشت كل تلك الأخبار وعلقت عليها بما يناسب ايضاً.

ثم قال في الخاتمة:

(بعد هذه الجولة الواسعة في كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني والوقوف عنده أخباره ومناقشتها والتعليق عليها، ارج وان يكون القارئ فد تبين مقاصد هذا الشعوبي الحاقد اللئيم، وقد غضضت النظر وصرفت القلم عن أخبار فظيعة وحكآيات شنيعة لا يكتبها اشد الناس عداوة وبغضاً للعرب والمسلمين، فقد اتهم كثيراً من اعلامهم باللواطة، ورمى بعضهم بالابنة، وكريمات نسائهم بالسحاق، والصق بهم السخائم من ذميم الخصال وقبيح الفعال، متستراً بظلال الادب والسمر والمذاكرة والمؤانسة، كأن ذلك لا يحصل إلا بشتم سلف هذه الامة المجيدة في تاريخها وخلقها).

وقد شكك في مصداقية الأخبار التي حواها هذا الكتاب جل من تكلم عنه، فعلى الرغم من الاطراء البالغ الواقع في كلام البعض على هذا الكتاب، فإنهم سرعان ما يشككون في صحة الأخبار التي فيه، فها هو نذير محمد مكتبي يقول في مطلع كتابه (جوله في افاق الأغاني) بعد أن ذكر مدحاً بالغاً لهذا الكتاب، وانه من اهم المصادر الادبية، قال (ص 4): (ولكن رغم هذه الميزات والمحاسن، لم يكن هذا الكتاب القدير نظيف الأخبار، صحيح جميع الانباء، سالم كل الافكار، صادق سائر الإسناد، كما يجب أن يكون ليبقى شمساً مشرقة في سماء نفية لا يشوبها ولو سحابة صيف، وإنما تطرق الضعف إلى بعض روآياته وظهر الفساد في جانب من أخباره، فأدى ذلك إلى سقوط هبيته من نفوس طائفة من الادباء وضعفت الثقه به عند بعض فحول العلماء، حتى اصبح الحذر منه في نظرهم واجباً.

وليس فيما نذكره حيف على كتاب (الأغاني) رغم سمو كعبه بين كتب الادب وذيوع صيته بين العجم والعرب، فتلك حقيقة، وان كانت مره قاسية على نفوس طلابه وعشاق قراءته، ولكنها تبقى حقيقة ثابته فيه لا تقبل الانكار.

ويمكننا استيضاحها من خلال جولة قصيرة هادئة في بعض ارجاء كتاب (الأغاني) تكفي للحصول على فكرة واضححة عنه، ثم قام بجولة واسعة مختلفة بين فيها خطأ وكذب كثير من الأخبار بحجج ظاهرة تارية وخفية اخرى، وقال في نهاية المطاف (ص 116 – 117) ما نصه:

(... فحيث تعرض كتاب (الأغاني) لأن تسربت إليه مجموعة من الأخبار المكذوبة أو الضعيفة واجتاحت بعض أخباره الصحيحة طائفة من التشويهات اصبح من الواجب علينا – حرصاً منّا على سلامة مصادرنا التاريخية، ونقاء مواردنا الثقافية – أن ننبه الة تلك الأخبار المكذوبة والضعيفة، ونحذّر من تلك التشويهات التي اصابت بعض الأخبار الصحيحة، حتى يصفو ينبوع (الأغاني)، فيعذب ماؤه في افواه الشاربين.

فعلمنا في هذه الجولة الصغيرة، ليس حرباً على (الأغاني)، ونكاية بمؤلفة وفضحاً لاغاليطه وتشويهاته ابتغاء نبذه من دائرة التراث العربي والإسلامي، وإنما هو اماطة اذى التشويهات عن طريقه وتثبيت معالمه الفكريه ورصيده الأخباري في هذن الجيل واعماق نفسه بشكل صحيح يتناسب مع المنطق التاريخي الحق.

وان ما قمنا به في هذا البحث الموجز ابتغينا منه التنبيه إلى هذه الناحية المهمة، وبعث الهمّة في عزائم الغيورين على تراثنا كي يبادروا إلى هذا الكتاب الكبير الغنيّ بالأخبار، فيستلوا منها الاغاليط والاباطيل والتشويهات بمناقشة دقيقة وادلة قوية واسلوب حكيم، اذ ما قدمناه لا يزيد على أن يكون خطوة بسيطة في هذا العمل الضخم.

هذا هو جهدنا، والتتمة على النقاد والباحثين المتمرسين ذوي المعرفة الجمة والعلم الغزير، فكتاب (الأغاني) حتى اليوم لم يخدم الخدمة المناسبة، ونحن لا ننكر أن هناك من قام بتحقيقة واخراجه بثوب جديد، ولكن هذا البذل لكتاب أبي الفرج ما زال قاصراً على الواجب الكبير تجاهه والذي يقتضي تخريج جميع أخباره والبحث في سند روآياته – كي يتميز الخبيث من الطيب – وطرح الاراء المناسبة حول تلك الأخبار بما يجعل هذا الكتاب الضخم يحقق الفائدة المنشودة في جيل عصرنا) انتهى.

ومع وضوح هذا الأمر فقد عمدت ثلة ممن حاربوا الفضيلة، وعملوا على غرص افكار الاستشراق في شباب الامة ومثقفيها إلى نبش هذا الكتاب، والقاء ما فيه من امور وأخبار (مما تناقض واستحال، أو الروآيات المستضعفة تاريخياً) والدندنة بها بحيث تشوه اعلاماً من الصحابة والصالحين من العلماء والولاة، وقد حذر من صنيع هؤلاء انور الجندي رحمه الله، فقال:

(ركز التغريب والغزو الثقافي على كتابي (الأغاني) و (ألف ليلة)

تركيزاً شديداً بهدف رفعهما إلى مربتة المراجع الأساسية التي يعتمد عليها في تصوير المجتمع الإسلامي، مع تجأهل عيوب الكتابين التي تحول دون اعتمادها في المصادر الموثوق بها، أما الأول، فكاتبه شعوبي عدو للإسلام، واما الثاني، فهو كتاب لقيط ليس له مؤلف.

اما كتاب (الأغاني) فهو موشوعة في بضع وعشرين مجلداً وضعها أبو الفرج الأصفهاني ليسامر بها الأمراء والفارغين مع المترفين في اسمار الليل، ولم يقصد بها إلى العلم أو التاريخ، وكان الأصفهاني في نفسه إنساناً رافضاً لمجتمع المسلمين والعرب، وله ولاء بالمولد والفكر جميعاً إلى خصوم المسلمين والباطنية والرافضة وغيرهم ولم يكن عمله هذا إلا نوعاً من الحرب العنيفة التي شنتها الشعوبية على الإسلام والمسلمين رغبة في هدم فكرهم كوسيلة إلى هدم مجتمعهم.

وقد حرص التغريب واصحاب نظرية النقد الادبي الغربي الوافدة على القاء الاضواء الساطعة على هذا الكتاب واحيائه، واعتباره مرجعاً في الدراسات الادبية ومصدراً لتصوير المجتمع الإسلامي، وكان الدكتور طه حسين جزاه الله بما هو أهله من ابرز من دعوا إلى ذلك وألحوا عليه، فقد عمد إلى (الأغاني) نفسها فاصدر اعتماداً على قصصها احكاماً زائفه على مجتمع المسلمين وتاريخهم، اراد بها المساهمة في عملية التغريب الضخمة والتي كانت تجري في الثلاثينات من هذا القرن).

ثم قال تحت عنوان: (الأصفهاني... شعوبي) ما نصه:

(على أن اقل مواجهة لسيرة الأصفهاني تكشف عن إنه كان من الشعوبيين، وقد عرف بالتحايل والاغراق، واثبت كثير من الباحثين والمؤرخين إنه لم يكن مؤرخاً، وأكدوا أن كتابه لا يصلح لأن يكون مادة تاريخ، وإنما هو جماع لقصص وجدها في الكتب والاسواق واراد بها أن يسجل للأغاني والمغنين، وهو جانب واحد من حياة المجتمع الإسلامي الحافل بالجوانب السياسية والاجتماعية والفقهية والصوفية.

وقد شهد عليه الكثير من معاصريه ومؤرخيه بالانحارف ودمغه المؤرخ اليوسفي بشهادة هي في نظر العلماء كمصدر موثوق به، اذ قال:

(انابا الفرج أكذب الناس، لإنه كان يدخل سوق الوراقين وهي عدة من الدكاكين مملوءه بالكتب، فيشتري منها شيئاً كثيراً من الصحف ويحملها إلى بيته، ثم تكون روآياته كلها منها).

وذكر عنه صاحب (معجم الادباء) (ج5 ص 153) قوله: (كان شأنه معاقرة الهمر، وحب الفلمان، ووصف النساء شأن الشعراء والادباء الذين كانوا في عصره أو قبله، حيث يثدم دهاقين الخمارين، وجلهم من النصارى وإليهود والصابئين والمجوس، وقد عرف بمعاقرته للخمر ولم تكن له عناية بتنظيف جسمه وثيابه).

وقال عنه الصابي في كتابه الذي ألفه في أخبار الوزير المهلبي: (وكان أبو الفرج الأصفهاني وسخاً قذراً، لم يفسل له ثوباً منذ فصله إلى أن قطعه، وكان الناس يحذرون لسانه ويتقون هجاءه، ويصدون عن مجالسته ومعاشرته على كل صعب من أمره، لإنه وسخاً على نفسه وثوبه ونعله).

وحكى القاضي أبو علي المحسني التنوخي في كتابه (نشوار المحاضرة) أن ابا الفرج كان اكولاً نعماً، وكان إذا اطال الطعام وثقل على معدته، تنأول خمسة دراهم فلفلاً مدقوقاً، فلا تؤذيه ولا تدمع له عيناه، وبعد ساعة أو ساعتين يقصد، أي: يعرق.

ولست ادري كيف يصلح مثل هذا الكتاب مرجعاً في نظر الباحثين أو يمكن أن يؤتمن على راي أو قول، ولقد عودتنا مناهج الفكر الإسلامي أن ننظر إلى كاتبه، فإن وجدناه اميناً كريماً موضع تقدير الناس بالصدق والحق، قبلنا منه، والا، رفضنا ما يقدمه ولو كان صادقاً في بعضه.

وقد اشار الدكتور زكي مبارك في كتابه (النثر الفني في القرن الرابع الهجري) إلى مكانة الأصفهاني وكتابة (الأغاني) في بحث مطول نجتزئ منه: (وشهرة الأصفهاني وكتابه مستفيضة، وإنما اريد هنا أن انص على ناحيتين في الأصفهاني وكتابه لم اجد من تنبه لهما من الباحثين، ولهاتين الناحيتين اهمية عظيمة في فهم الحياة الادبية، وسيكون لهما اثر عظيم في دعوة المؤلفين إلى الاحتياط حين يرجعون إلى كتاب (الأغاني) يلتمسون الشواهد في الادب والتاريخ).

ثم قال تحت عنوان (كتاب مجون... وخلاعة) ما نصة:

(الناحية الأولى خاصة بالأصفهاني، تلك الناحية هي خلقة الشخصي، فقد كان الأصفهاني مسرفاً، اشنع من الاسراف في الملذات والشهوات، وقد كان لهذا الجانب في تكوينه الخلفي اثر ظاهر في كتابه، فإن كتاب الأغاني احفل كتاب بأخبار الخلاعة والمجون، وهو حين يعرض للكتاب والشعراء يهتم بسرد الجوانب الضعيفة في اخلافهم الشخصية ويهمل الجوانب الجدية اهمالاً ظاهراً يدل على إنه كان قليل العناية بتدوين أخبار الجد والرزانة والتجمل والاغتسال، وهذه الناحية من الأصفهاني افسدت كثيراً من اراء المؤلفين الذين اتمدوا عليه، ونظرة فيما كتبه جرجي زيدان في كتابه (تاريخ اداب اللغة العربية) وما كتبه الدكتور طه حسين في (حديث الاربعاء) تكفي للاقتناع بان الاعتماد على كتاب (الأغاني) جر هذين الباحثين إلى الحط من اخلاق الجماهير في عصر الدولة العباسية، وحملها على الحكم بان ذلك العصر كان عصر فسق وشك ومجون.

ولا شك أن اكثار الأصفهاني من تتبع صقطات الشعراء وتلمس هفوات الكتاب جعل في كتابه جواً مشبعاً باوزار الاثم والغواية، وإذاع في الناس فكرة خاطئة هي اقتران العبقرية بالنزق والغواية، وإذاع في الناس فكرة خاطئة هي اقتران العبقرية بالنزق والطيش، أما الناحية الثانية هي خاصة بكتاب الأغاني، تلك الناحية هي نظم ذلك الكتاب، ففي مقدمته عبارات صريحة الدلالة على أن مؤلفه قصر اهتمامه أو كاد على امتاع النفوس والقلوب والاذواق، فهو كتاب ادب لا كتاب تاريخ، واريد بذلك أن المؤلف اراد أن يقدم لأهل عصره أكبر مجموعة تغذى بها الاندية ومجامع السمر ومواطن اللهو، وانه ليحدثنا في المقدمة بان هاتى في كل فصل من كتابه بفقرة إذا تاملها قارئها، لم يزل متنقلاً بها من فائدة إلى مثلها، ومتصرفاً فيها بين جد وهزل، وأخبرنا بعد ذلك بانه اهتم بالغناء الذي عرف له قصة تستفاد وحديثاً يستحسن، وعلل ذلك بقوله: اذ ليس لكل الأغاني خبر تعرفه).

ثم قال تحت عنوان (احذرو (الأغاني)) ما نصه:

(وقال زكي مبارك: والخطر كل الخطر أن يطمئن الباحثون إلى أن لروآيات (الأغاني) قيمة تاريخية، وان يبنوا على أساسها ما يثيرون من حقائق التاريخ، ولا سيما أن صاحب (الأغاني) يصارحنا بان في طباع البشر الانتقال من شئ إلى شئ ومن معهود إلى مستجد).

ولقد كان من اخطر اعمال التغريب هو توجيه الباحثين إلى اتخاذ (الأغاني) مصدراً لدراسة المجتمع الإسلامي، بينما قصر عند جانب واحد هو جانب اللهو، ولم يتعرض للجوانب الاخرى الجادة في المجتمع وهي متعددة، ومن هنا يوحي حين الاعتماد عليه كمصدر أن الحياة الإسلامية في القرن الثاني الهجري كانت لهواً، وهو ما صرح به طه حسين ورده الكثيرون وكشفوا زيفه...

كذلك اعتمد المستشرفين لامنس على كتاب (الأغاني) في كتابه (تاريخ بني اميه)، وكذلك ما اورده المستشرقين فلهوزن في كتابه (الدولة العربية وسقوطها)، بل أن بعض من نقدوا زكي مبارك من دعاة التغريب لما اعتبروه جرأة على مصادرهم امصال صاحب (الأغاني)، قررو فيه ما قررنا.

يقول جبرائيل جبور رئيس الدائرة العربية في جامعة بيروت الأمريكية:

(اريد أن اذهب إلى ابعد من هذا، فازعم أن في (الأغاني) كثيراً من الأخبار الملفقة التي ربما تكون قد جازت على أبي الفرج، فاوردها).

ويحأول جبور عبد النور أن يدافع عن الأصفهاني، فيسأل: (أمن الضروري أن كان المؤرخ فاسقاً أو مسرفاً يتتبع الاسراف في اللذات والشهوات أن لا يكون مؤرخاً وألا يكون صادقاً فيما يروي أو يقول أو يكتب؟!).

ونحن نقول له: نعم، في فكرنا الإسلامي، فإن لم يكن في الفكر الغربي كذلك، فهذا أمر اخر، أن فكرنا الإسلامي وضع قواعد البحث والنقد والعلم على أساس الارتباط الجذري بين علم الباحثين وشخصيته، فإن كان منحرفاً في حياته، مضطرباً في شخصيته، بعيداً عن الاخلاق والدين، فنحن نرفضه مصدراً علمياً ولا نقبل له شهادة، والأصفهاني بشهادة الجميع من انصاره وخصومه على السواء مهدور الرأي ساقط الشهادة، وان فسقه الشخصي قد ادخل كثيراً من هواه على ما اورده، فضلاً عن انحرافه الفكري والعقائدي والاجتماعي مما يفسد اراءه افساداً، بالاضافة إلى أن كتاب (الأغاني) ليس مرجعاً علمياً، ولكنه من كتب التسلية والسمر التي كتبت لتزجية فراغ بعض المترفين، ومن هنا، فإنه لا يصلح أساساً كمصدر للعلم أو مرجعاً للبحث في الادب والتاريخ).

ومعذرة اخي القارئ على هذا الاستطراد في التحذير من هذا الكتاب، فقد طال الكلام بين الباحثين والمطلعين حوله، فاحببت أن تمر بشذارتٍ من كلامهم، وان تعرف اثر هذا الكتاب في أولئك القوم الذين شوّهوا تاريخنا الإسلامي، وقد مر بك مزيد من التحذير منهم أن شاء الله تعالى.

وتجد كلاماً مشبعاً مر بك طرف منه حول هذا الكتاب عند الاستاذ زكي مبارك في كتابه (النثر الفني في القرن الرابع الهجري) (ص 288 – 290)، ووقع التحذير منه ايضاً في التعليق على (العواصم من القواصم) لابن العربي (ص 261) وفي (من عبر التاريخ) ص 23) وفيه (... وأبو الفرج الأصبهاني صاحب (الأغاني) من رجال الاسمار لا من مصادر صحيح الأخبار... وقد اغنى الله تعالى أهل العلم من هذا الظنين الوسخ).

كتب حذر منها العلماء لأبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان المجلد الثاني صفحة 24 - 43