لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي
تنتشر في كتب الشيعة ومواقعهم عشرات الروايات المكذوبة التي تهدف إلى تشويه مكانة الصحابة الكرام، وعلى رأسهم الصديق أبو بكر رضي الله عنه، وإشاعة صورة مغلوطة تزعم أن النبي ﷺ كان يفضِّل عليًا على أبي بكر تفضيل محبّة لا تفضيل فضيلة. وهذه الروايات تختلقها الفرقة الشيعية – وهي فرقة ضالة خارجة عن جماعة المسلمين – لتحقيق أغراض طائفية وسياسية، وليّ أعناق النصوص الثابتة. ومن بين تلك الروايات المكذوبة رواية: «لقد علمت أن عليًّا أحب إليك من أبي» التي يروّج لها غلاة الشيعة رغم ضعف سندها وشذوذ متنها ومخالفتها لأحاديث متواترة تبيّن بوضوح أن أحب الرجال إلى النبي ﷺ هو أبو بكر الصديق.
هذا المقال يقدّم تحقيقًا علميًا حديثيًا دقيقًا يكشف حقيقة هذه الرواية، ويعرض الأقوال المعتبرة لأئمة الجرح والتعديل، مع بيان وجه الشبهة والرد عليها، بأسلوب حصري يناسب محركات البحث ويكشف حجم التدليس الشيعي في هذا الباب.
نص الرواية:
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو نعيم ثنا يونس ثنا العيزار بن حريث قال قال النعمان بن بشير قال: «استأذن أبو بكر على رسول الله فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول والله لقد عرفت ان عليا أحب إليك من أبي ومنى مرتين أو ثلاثا. قال فاستأذن أبو بكر فدخل فأهوى إليها فقال يا بنت فلانة لا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله».
رواه أحمد في (المسند4/275) والنسائي في سننه (5/139) والبزار في مسنده (8/223).
وقال الهيثمي:
«رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني بإسناد ضعيف» (مجمع الزوائد9/127). وضعفه الألباني (ضعيف أبي داود ص491).
وفيه يونس بن أبي إسحاق وهو ثقة ولكن أبا داود صرح بأنه كان يرسل. وفي (المعرفة والتاريخ2/173) أن أحمد بن حنبل كان يفضل الرواية من أخيه إسرائيل عليه.
الرواية ضعيفة السند وتتعارض مع ما ورد في الصحيح أن النبي سئل «أي الناس أحب إليك قال عائشة فقلت من الرجال؟ فقال أبوها قلت ثم من؟ قال عمر بن الخطاب» (البخاري3462).
وهذا كاف في رد هذه الرواية لمعارضتها للصحيح الذي يثبت أفضلية أبي بكر عند النبي على سائر الصحابة.
قاعدة متعلقة بهذه الرواية:
هذه الرواية وما شابهها من الروايات المتضمنة لقول عائشة (لقد علمت ان عليا أحب إليك من أبي) جاءت معلولة. فيها انقطاع بين يونس وبين العيزار وهو أبو إسحاق. وأما الروايات السالمة من الانقطاع فإنها خالية من هذه الزيادة.
بعبارة أخرى:
كل الروايات التي عنعن فيها يونس عن العيزار أو التي صرح فيها بالتحديث عنه في رواية أبي نعيم عنه سواء، نجد فيها ذكر لفظة (علي أحب إليك مني). أما الرواية التي في سنن أبي داود لا نجد ذكر لفظة (علي أحب إليك مني) ولكن الرواية ضعيفة لأن روايته عن أبي إسحاق كما قال العلماء.
وإليك تلك الروايات:
1- حدثنا يحيى بن معين ثنا حجاج بن محمد ثنا يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن النعمان بن بشير قال: «استأذن أبو بكر رحمة الله عليه على النبي e فسمع صوت عائشة عاليا فلما دخل تناولها ليلطمها وقال ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله e فجعل النبي e يحجزه وخرج أبو بكر مغضبا فقال النبي e حين خرج أبو بكر: كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟ قال: فمكث أبو بكر أياما ثم استأذن على رسول الله e فوجدهما قد اصطلحا فقال لهما أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما فقال النبي صلى الله عليه وسلم. قد فعلنا قد فعلنا».
وهذه رواها أبو داود في سننه (2/718) وهي رواية موصولة وتجد فيها الواسطة بين يونس والعيزار وهو (أبو إسحاق) والد يونس. ولهذا فإنه ليس فيها لفظة (علي أحب إليك مني).
بخلاف الرواية التي سبقتها فإنها منقطعة. وتضمنت قول عائشة الضعيف «لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي بكر».
رواية أخرى:
أخبرني عبدة بن عبد الرحيم قال أخبرنا عمرو بن محمد قال أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول والله لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي...».
وهذه الرواية رواها النسائي في (سنن الكبرى 5/139) سقط منها أبو إسحاق. وبالتالي فهي منقطعة.
رواية أخرى:
أخبرني عبدة بن عبد الرحيم المروزي قال نا عمرو بن محمد يعني العنقزي قال أنا يونس بن أبي إسحاق عن عيزار بن حريث عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول والله لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي».
وهذه رواها النسائي في (سننه5/365 وانظر خصائص علي1/126).
وحاصل قول الحافظ في يونس أنه:
«ثقة يحصل له وهم قليل» (تقريب التهذيب 2/348). وقول يحيى بن معين لما سئل عن يونس «فيونس أحب إليك أو إسرائيل؟ قال: كل ثقة»
(تهذيب الكمال32/492 الكامل في الضعفاء لابن عدي7/179).
إلا أن الوثاقة درجات متفاوتة. هذا بالرغم من قول أبي حاتم «كان صدوقا لكن لا يحتج بحديثه» (الجرح والتعديل9/243).
وكذلك فضل أحمد إسرائيل عليه، ففي تهذيب الكمال(2/519)
«سئل أحمد: من أحب إليك يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل، لانه كان صاحب كتاب» (الجرح والتعديل2/330 المعرفة والتاريخ2/170). وفي تهذيب التهذيب:
«وإسرائيل مقدم على أبيه يونس في حديث أبي إسحاق كما قال أحمد «ويونس بن أبي إسحاق قد تكلم العلماء في حفظه»
(تهذيب التهذيب11/381).
وقال صالح بن أحمد عن علي بن المديني سمعت يحيى وذكر يونس بن أبي إسحاق فقال «كانت فيه غفلة شديدة وكانت فيه سجية».
وقال الأثرم:
«سعت أحمد يضعف حديث يونس عن أبيه وقال حديث إسرائيل أحب إلي منه».
وقال أبو طالب عن أحمد:
«في حديثه زيادة على حديث الناس قلت يقولون إنه سمع في الكتب فهي أتم قال إسرائيل إنه قد سمع وكتب فلم يكن فيه زيادة مثل يونس» وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه «حديثه مضطرب». وقال أيضا «سألت أبي عن عيسى بن يونس قال عن مثل عيسى تسأل؟ قلت فأبوه؟ يونس قال كذا وكذا».
فهنا قد اختلف على يونس في المتن والسند ولم يذكر هذه اللفظ أحد غيره ممن روى الحديث
والمتن الذي رواه مخالف للروايات الأصح منه.
فبين أن السبب هو كون إسرائيل عنده كتاب لحديث جده أبي إسحاق بخلاف والده يونس. وقد قدم يونس ابنه إسرائيل على نفسه في حديثه عن أبي إسحاق. جاء في تهذيب الكمال نقلا عن تاريخ بغداد عن يعقوب بن شيبة. وقال في موضع آخر: «حدثني أحمد بن داود الحداني قال: سمعت عيسى بن يونس يقول: كان أصحابنا سفيان وشريك - وعدّ قوما - إذا اختلفوا في حديث أبي إسحاق يجيؤون إلى أبي، فيقول: اذهبوا إلى ابني إسرائيل، فهو أروى عنه مني، وأتقن لها مني، وهو كان قائد جده»
(تهذيب الكمال2/522).
وفي يونس بن أبي إسحاق آفة أخرى وهي التدليس.
فقد ذكره الحافظ في الطبقة الثانية في (كتاب طبقات المدلسين1/37).
فقال: «يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي حافظ مشهور كوفي يقال إنه روى عن الشعبي حديثا وهو حديثه عن الحارث عن علي رضي الله عنه حديث أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة فأسقط الحارث».
والظاهر أنهم ضعفوه في روايته عن أبيه فقط. ويوضح ذلك قول أحمد «قال أبو طالب قال أحمد بن حنبل يونس بن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على حديث الناس قلت يقولون إنه سمع في الكتب فهي أتم قال إسرائيل ابنه قد سمع من أبي إسحاق وكتب فلم يكن فيه زيادة مثل ما يزيد يونس»
(تهذيب الكمال32/492 موسوعة أقوال الإمام أحمد9/384).
قلت: فأطلق أحمد القول بأن في احاديثه زيادة على الناس ثم قيد ذلك بحديثه عن أبيه. وعلىذلك يحمل ما جاء من أقوال لأحمد فيه مثل قول عبد الله بن أحمد بن حنبل «سألت أبي عن يونس بن أبي إسحاق فقال حديثه مضطرب وقال في موضع آخر سألت أبي عن عيسى بن يونس فقال عن مثل عيسى يسأل قلت فأبوه يونس قال كذا وكذا»
(الجرح والتعديل9/243).
وبالجملة فيونس ثقة لكن ليس مثل ابنه ولا ابيه والكل ثقات. وقد جاء في (الجرح6/291)
«نا عبد الرحمن انا عبد الله بن احمد بن محمد بن حنبل فيما كتب الى قال سألت أبى أيما أصح حديثا عيسى بن يونس أو أبوه يونس بن أبى إسحاق فقال لا بل عيسى أصح حديثا فقلت له عيسى أو اخوه إسرائيل قال ما أقربهما». وعند العقيلي «حدثنا أحمد بن محمد بن هاني قال سمعت أبا عبد الله وذكر يونس بن أبي إسحاق وضعف حديثه عن أبيه وقال: حديث إسرائيل أحب إلي منه»
(الجرح والتعديل32/491).
عرض الشبهة:
|
يستدل الشيعة برواية: «والله لقد علمت أن عليًا أحب إليك من أبي» ويزعمون أنها دليل على أن النبي ﷺ كان يفضّل عليًا على أبي بكر، وأن عائشة نفسها أقرت بذلك. |
الرد على الشبهة وبيان بطلان الرواية:
أولًا: الرواية ضعيفة السند
الرواية وردت في مسند أحمد والنسائي والبزار، لكنها لا تثبت للأسباب الآتية:
1. يونس بن أبي إسحاق – اختلاط واضطراب وتدليس
◘ قال أبو حاتم: صدوق، لا يُحتج بحديثه.
◘ قال أحمد: حديثه عن أبيه فيه اضطراب.
◘ قال أحمد أيضًا: إسرائيل أحب إليّ منه، لأن إسرائيل كان أتقن وأوثق في رواية أبي إسحاق.
◘ ذكره الحافظ في المدلسين.
أخرجت الرواية المنقطعة عنه الزيادة المكذوبة، ولم ترد في الروايات المتصلة.
2. جميع الروايات التي جاءت بالتحديث بين يونس وأبي إسحاق (المتصلة)
◘ خالية تمامًا من لفظة: «علي أحب إليك من أبي»
وهي الروايات الصحيحة الأقوى سندًا.
3. جميع الروايات التي ذكرت الزيادة
◘ منقطعة بين يونس والعيزار
أي أن الراوي سقط، مما يجعل الرواية معلولة لا يُبنى عليها حكم ولا عقيدة.
ثانيًا: الرواية تخالف الصحيح الثابت في البخاري
◘ جاء في الصحيح أن النبي ﷺ سُئل: «أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة.
فقيل: من الرجال؟ قال: أبوها»
(البخاري 3462)
◘ وهذا نصٌّ صريح قطعي لا يمكن معارضته بطرق منقطعة أو روايات مضطربة.
فكيف يُقدَّم الضعيف المنقطع على الصحيح المتفق عليه؟!
ثالثًا: قاعدة مهمة في علم العلل (بيان العلة)
◘ الروايات الصحيحة لا تذكر الزيادة.
◘ الروايات المنقطعة الضعيفة فقط هي التي جاءت بالزيادة.
إذن:
كل ما رُوي بلفظ (علي أحب إليك من أبي) باطل لا يصح، لأنه لا يوجد في الطرق الصحيحة المتصلة.
رابعًا: متن الرواية مضطرب ومخالف للمعروف
الرواية تتضمن أمورًا غريبة:
◘ رفع عائشة صوتها أمام النبي ﷺ مع أن ذلك خلاف المعروف عنها في الأحاديث الصحيحة.
◘ ادعاء علمها بأن عليًا أحب، وهذا يخالف قول النبي نفسه في الصحيح.
◘ اضطراب الروايات بين ثلاثة رواة، وزيادة منكرة لا أصل لها عند الثقات.