لم يكتفِ أتباع التشيع عبر تاريخهم بتحريف الأحاديث النبوية والطعن في الصحابة رضي الله عنهم، بل تجاوزوا ذلك إلى ليِّ أعناق نصوص القرآن الكريم، وتأويلها تأويلًا باطنيًا يخدم عقيدة الإمامة والمهدي المزعوم، ولو كان ذلك على حساب سياق الآيات ومعانيها الظاهرة المتفق عليها بين علماء الأمة.
ومن أخطر ما يُروَّج له في كتبهم المعتمدة، ربط آيات الأنبياء السابقين بعقيدة القائم، وجعلهم يتمنون ظهوره بزعمهم، مع أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وخوطب به الناس كافة، لا ليكون ألغازًا باطنية تؤول حسب الهوى والمذهب.
وفي هذا المقال نسلّط الضوء على نموذج واضح من هذه الانحرافات العقدية، وهو تفسيرهم لقول نبي الله لوط عليه السلام بأنه كان يتمنى قوة القائم وأصحابه، كما ورد في رواية مكذوبة مروية في بحار الأنوار، مع بيان الشبهة والرد العلمي عليها.
نص الرواية كاملًا:
44 – ك: ابنُ مَسْرورٍ، عن ابنِ عامِرٍ، عن عمِّه، عن ابنِ أبي عُميرٍ، عن عليِّ بنِ أبي حَمزةَ، عن أبي بصيرٍ قال:
قال أبو عبدِ الله عليه السلام:
«ما كان يقول لوطٌ عليه السلام:
◘ ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيَ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾
◘ إلَّا تَمَنِّيًا لقُوَّةِ القائمِ عليه السلام، ولا ذَكَرَ إلَّا شِدَّةَ أصحابِه؛ فإنَّ الرَّجلَ منهم يُعطى قُوَّةَ أربعين رجلًا، وإنَّ قلبَه لأشدُّ من زُبَرِ الحديد، ولو مرُّوا بجبالِ الحديد لقطعوها، لا يَكُفُّون سيوفَهم حتَّى يرضى اللهُ عزَّ وجلَّ».
◘ المصدر: بحار الأنوار – محمد باقر المجلسي
الجزء (52) – الصفحة (327)
باب: سيرته وأخلاقه وعدد أصحابه وخصائص زمانه وأحواله
فصل: أصحابه صلوات الله عليه وعلى آبائه
عرض الشبهة الشيعية:
|
تزعم هذه الرواية أن نبي الله لوطًا عليه السلام لم يكن يتحدث عن حاله وضعفه أمام قومه الفاسقين، بل كان – بزعمهم – يتمنى ظهور القائم (المهدي)، وأن «الركن الشديد» هو قوة أصحابه الذين يملكون قدرات خارقة، ويقطعون جبال الحديد، ولا يضعون السيوف حتى يرضى الله! وهذا الادعاء يُراد به: ◘ ربط الأنبياء بعقيدة الإمامة. ◘ إعطاء بُعد غيبي أسطوري لأصحاب المهدي. ◘ صرف الآية عن معناها الظاهر المتفق عليه. |
أولًا: مخالفة صريحة لسياق القرآن:
الآية جاءت في سياق حوار مباشر بين لوط وقومه، حين أحاطوا ببيته يريدون الفاحشة، فقال متحسرًا على ضعفه وقلة ناصريه.
لم يذكر القرآن أي إشارة إلى مستقبل أو مهدي أو قائم، بل الكلام عن واقع حالٍ آنيّ.
قال ابن كثير:
◘ “يتمنى لو أن له قوة من عشيرة أو قوم يمنعونه من قومه”.
ثانيًا: إجماع المفسرين على المعنى الظاهر
جميع تفاسير أهل السنة – الطبري، القرطبي، ابن كثير، البغوي – أجمعت على أن:
القوة: الأنصار والعشيرة.
الركن الشديد: القبيلة أو الحماية الدنيوية.
ولم يقل أحد من سلف الأمة ولا من أئمتها إن المقصود شخص سيظهر آخر الزمان.
ثالثًا: ضعف السند وانهياره:
الرواية تدور على:
علي بن أبي حمزة البطائني:
وهو كذاب، واقفي، متهم بالوضع عند علماء الرجال، حتى عند بعض علماء الشيعة أنفسهم.
قال النجاشي:
◘ “كذاب ملعون”.
فكيف يُبنى تفسير قرآن على رواية كهذه؟
رابعًا: الطعن في مقام النبوة
هذا التفسير الباطني:
◘ يجعل نبيًا كريمًا يتمنى نصرة رجل لم يولد بعد.
◘ ويُسقط عنه فقه الواقع والتوكل المشروع.
◘ ويُحمل الآية ما لا تحتمل لغويًا ولا شرعًا.
وهذا تحريف معنوي للقرآن لا يقل خطرًا عن التحريف اللفظي.
الخلاصة
إن هذه الرواية مثال واضح على المنهج الباطني المنحرف الذي تنتهجه الشيعة في تفسير القرآن، حيث تُسخَّر الآيات لخدمة عقيدة الإمامة والمهدي، دون اعتبار للسياق، أو اللغة، أو إجماع الأمة، أو صحة الرواية.
والحق أن آية لوط عليه السلام واضحة بيِّنة، لا تحتاج إلى خرافات ولا إسقاطات عقدية، ومن زعم غير ذلك فقد افترى على كتاب الله.